السبت، 9 فبراير 2013

فن كتابة:

الأم القاتلة أطفالها

ليست مجنونة مطلقا؛ لو كانت مجنونة لدمّرت كل شئ في سوْرة جنونها ولأكملت المشهد بذبح نفسها، لكنها بعد ذبحها طفليها، يوسف ومريم، خرجت بهدوء وكامل وعيها لتدبر قصة مُختلقة تساعدها على الهرب من العقوبة أدت فيها ببراعة دور الأم المفجوعة بمشهد فلذتي كبدها المذبوحين؛ صرخت وانتحبت كأنها مصدومة بالمفاجأة وحولها الجيران مُصدّقين هول مُصابها، (وهل كان بإمكان مخلوق أن يتشكك لحظة في صدقها؟)، أبلغت البوليس، وشرع الجميع في البحث عن الجناة بمؤشرات تكهنات "منطقية" ليس بينها احتمال أن تكون الجانية يد آثمة لــ "أم" قاتلة، وذهبت بعدها إلى بيت أسرتها لكنها، كما تقول،"من ساعتها مش عارفة أنام"، (يا سلام! حضرتها كانت تود أن تنام!)، لم تعترف إلا بعد حصار الأدلة لتضيق دائرة الاشتباه حولها فانهارت وقالت لغوا كثيرا عن مبررات فعلتها الشنعاء متسائلة: "حد يقتل عياله؟"، (نعم! أنت!).

المرعب في هذه الحادثة أنها، في جانب منها، تُلخّص مايحدث الآن في طرقات بلادنا وميادينها ومنصّات فضائياتها، (أينعم وإعلامها)، مهما أغلظ الجميع  القسم بــ (ثلاثة بالله العظيم)، أنهم أبرار مخلصون يسعون نحو "إنقاذ" مصر متسائلين: "حد يقتل بلاده؟"، والرد بلا تردد: "نعم! أنتم!"، جميعكم بلا استثناء إلا الذي نطق بفطرة الأب الحاني والإبن البار وهو، بلا تردد كذلك، الشهيد الحي الشاهد "حماده صابر"، قائلا بعزّة وفداء: "أنا كنت عاوز البلد تِهدى!".

"حماده صابر" ليس متنازلا عن حقّه، ولا خانعا لقوة البطش القاتلة، ولا كاذبا ولا مُتراجعا، ولا أيا من التفسيرات التي إنهالت من كل حدب وصوب، متسابقة في الجَزّ على الأسنان، العمياء عن رؤية ما رآه "حماده صابر" في جملته البسيطة التي تعني؛ أريد بلدا "وطنا حاميا"، لا "خناقة" شوارع و "شرشحة بلكونات" تُشحذ فيها السنج والمطاوي وتُسن سكاكين الألسنة بسموم الثعابين والعقارب وحشرات صناديق الأذى المكبوتة، التي أينعت بفضل أيد فتحت لها الغطاء ليتحول المشهد إلى أدغال وأحراش يتعاظم فيها السحل والتحرش ويتفاقم بها الإفساد وسفك الدماء تحت دعاوى إنقاذ خائبة الرجاء.

 حماده صابر يريد إستقامة الأمور حتى تستقر قوّة الحق فوق الجبروت، وفوق المشاحنات، وتسقط  أقنعة القتلة الداهية؛ بحصار الأدلة إلى أن تضيق حولهم دائرة
 الاشتباه ،حتى يتبيّن الخبيث من الطيب، ويهلك من يهلك عن بيّنة ويحيا من يحيا عن بيّنة.

ويا أيها الصائح بعنوان " أولئك هم الكفرة الفجرة" هتافك التكفيري هذا لن يساعد حماده صابر  بشئ،  فكن عاقلا ،(فالمسألة ليست فش غِل لترتاح سيادتك)، وخذ نفسك إلى سبيل الحكمة، لو أنك تنشد "الإنقاذ" حقا وصدقا ويقينا، وقد سأل سائل الإمام علي بن أبي طالب عن صفة من قاتلوه هل هم من الكفار؟ قال لا، هل هم من المنافقين؟ قال لا؛ بل "هم إخوة بغوا علينا"، مُستحضرا هداية الآيات الكريمة  من سورة الحجرات: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10)"، صدق الله العظيم.

+  تنويه: نستدل كذلك من الآيات الكريمة هذه المعلومة "إنما المؤمنون إخوة"، بما يعني أن "أخوّة" المؤمنين ليست إختراعا لجمال الدين الأفغاني كما تصوّر "أخ" من الكتّاب!

الجمعة، 1 فبراير 2013

فن كتابة:

لا تفرحي، لا تحزني

+  أستدعي الصمت لأوجز فيه معنى الحياة.
تلقّفتني الثرثرة فاستسلمت لوميض الاكتئاب وكان المذاق شهيا فعرفت أنني في خطر.
مللت التكرار فياليت الصمت يستوعبني كالقصائد المرتجلة.

+  كل الحيل الإنسانية بدت لي محلولة الألغاز فكرهت فراستي؛ وعرفت كيف تكمن السعادة في الغباء ولماذا يبدو البلهاء أكثر حكمة واستقرارا وعرفت لماذا يقطرني القلق حتى في اليقين.

+  يستقر الصخب على أن الفتنة جوهرها الإرهاق؛ كما كان الإلحاح دوما جوهر الملل، وفي الصمت؛ حيث تلتئم الجراح، ينبثق ينبوع الخشية؛ أن تأتي الراحة عكس نتائجها ونراها الوجه الآخر للعنت فأين المفر؟

+  الحلم، الرؤيا، الكابوس؛ في قيعانها يصطدم الفرار مُحبطا ونقول: في اللاوعي انكبت الأنين وقد سجنته الطحالب وأهالوا عليه الوقار،  فأين مني بهجة في النواح تمتشقها النفس اللاهثة؟

+  أي النوافذ تتسع لإطلالة رأس متورّم؟
أي الشرفات يمكن أن يدرج عليها الياسمين مُعتنقا الزنبق من دون مزاحمة اللبلاب؟
وأي الردهات تستقبل آهات يكتمها القلب المتضخّم؟
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!
ما أوجع بوحا أسكته سمت الصمت!

+  شيدي يارمال قصورك فالأحجار تنكفئ ورددي:
أي طمع في الخلود وكل الزمان برهة؟
وأي الوصايا تصدق غير وصية المَلَك القريب؟
فأين مني لحظة في "البُرهة" أعظ بها نفسي:
لا تفرحي!
لا تحزني!
أن تهدأ في التأرجح حتى يغلبها النوم الأبدي.

تنويه:  مشكلة مصر أنها "أُمّنا"؛ فالأبناء صاروا لا يتعرّفون على معنى "البِر" بالأم وكيفيته ومن ثَمّ فهم لا ينتبهون إلى النهي عن قول "أف" ولا عن "نَهْرها" ولا يطيعون أمر "خفض  جناح الذلّ" لها من الرحمة والمذهل هو تصورهم، مع ذلك، أنهم أبرار!

إفادة:  تضحكني مقولة إعلان تؤكّد: "ربّه صغيرا ينفعك كبيرا"؛ الصحيح المضمون هو "ربّه صغيرا وأجرك على الله"!

تحذير:  ليس بالحماس وحده ينجح الثوّار؛ لا بد من الذكاء واليقظة والفطنة التي تجعلهم لا ينساقون خلف أقنعة ظاهرها الرحمة ومن خلفها الخراب.

إستجارة:  يالجبروت الضعف!

الخميس، 31 يناير 2013

"إن ربا كفاك بالأمس ماكان

سيكفيك في غد ما يكون

فادرإ الهمّ عن النفس

فحملانك الهموم جنون"

السبت، 26 يناير 2013

فن كتابة:

"عيد" مولد النبي

عندما كان عمري ست سنوات توفى والدي لكني لم أعرف أنني حصلت بهذا على لقب "يتيمة"؛ إذ لم أعرف الكلمة ومعناها إلا عندما جلست جدّتي رحمها الله لتحكي لنا قصة سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم وقالت : كان يتيما مات أبوه عبد الله قبل أن يولد وماتت أمه آمنة بنت وهب وعمره ست سنوات ومات جدّه عبد المطّلب وعمره ثمان سنوات، فقلت لجدّتي: هل يجب أن يموت كل هؤلاء ليكون الإنسان يتيما؟ فهمت منها أن هناك يتم الأب وهناك يتم الأم، شعرت بعد هذا الفهم بزهو لأن هناك شيئا يجمعني بطفولة الرسول الحبيب وظللت أحرص في صلاتي على تلاوة سورة الضحى؛  كانت عيناي تغرورقان بالدموع عند الآية الكريمة "ألم يجدك يتيما فآوى"؟ ويأخذ صوتي الحسم عند: "فأما اليتيم فلا تقهر".

تعوّدنا منذ وعينا الحياة أن نحتفل بمولد النبي؛ ليالي القرآن الكريم والتواشيح الدينية ،بأصوات بلابل القراءة والمدائح النبوية، وفي أجوائها الحلوى والزينات و برنامج خاص للأطفال بالإذاعة. لم يحدث أن كانت الإحتفالات صاخبة في أي يوم أو مبالغا فيها، ولذلك عندما ترتفع في بعض الأحيان نغمة متجهمة تنادي بعدم الاحتفال بمولد النبي بحجة أنها "بدعة" أتعجب؛ فالذكرى باعثة على الفرح، إنها مولد الرسول نبي الرحمة،  فكيف تكون بدعة أن نفرح وهوأمر لا حيلة لنا فيه؟

آمنة بنت وهب وخديجة بنت خويلد صديقتان؛ تزوجت آمنة من عبد الله بن عبد المطلب، قد تكون آمنة أكبر في العمر من خديجة وقد لا تكون لايهم، المهم أن آمنة بدأت الميلاد وأكملت خديجة الاحتضان، بعدها بسنوات، وفقا للمشيئة الإلهية. تزوجت آمنة ثم سافر زوجها الشاب، وهي تحمل له جنينا، ثم يأتي النبأ الحزين بوفاته. تتحسس آمنة حملها الذي حفظه الله في الغيب منذ آدم ليكون نبي آخر الزمان، حيث لا نبي ولا رسول من بعده.

في عام يُسمى عام الفيل تلد آمنة طفلا وضيئا تحمله الجارية "بركة" إلى جده عبد المطلب فيطوف به الكعبة يعلن عن فرحه ويسميه محمدا. إنصرفت المرضعات عن الطفل اليتيم لكن "بركة"، جارية آمنة، تستطيع أن تجد له المرضعة حليمة السعدية؛ كانت حليمة مرضعة فقيرة انصرفت عنها الأمهات فتآلف الطفل اليتيم مع المرضعة المتروكة ليضع الله الخير في الإطار الذي يُقدّره ويحتاجه، وعمّ الخصب بيت حليمة وفاضت البركات ثلاث سنوات حتى عاد الطفل المحروس بعين الله إلى أمه موفورا صحّة وعافية.

حكت حليمة لآمنة المعجزات التي رأتها وابتسمت الأم، ولعلها كانت قد أحست البشائر يوم مولد ه المُشرق. أخذت آمنة صغيرها ليزور أخواله وفي رحلة العودة إلى مكة يفاجئها المرض وتموت وتُدفن بأرض كان الرسول صلى الله عليه وسلم حين يمر عليها، فيما بعد، تدمع عيناه.

لم يبق للصغير من الحنو سوى جده عبد المطلب وجارية أمه "بركة"، التي صار اسمها أم أيمن، ومرضعته حليمة التي لم تقطع صلتها به أبدا. يموت الجد عبد المطلب فيقدّر الله سبحانه للصبي اليتيم مأواه الكريم في بيت عمّه أبو طالب ويبدأ "محمد" في رعي الأغنام فلا يكون بعمله عالة على أحد، ويشب شريفا يافعا ومعه تلك الرجولة التي ميّزته منذ صباه بالصلابة والثقة والأمانة والصدق وشجاعة الحق، مع الرهافة والحياء اللذين تناقضا تناقضا بيّنا مع فظاظة قريش وغلاظة الجاهلية، فأحبه الجميع وأنس إليه الغرباء والضعفاء من العبيد والمساكين.

اللهمّ، في الذكرى العطرة لمولده الشريف، آت سيدنا محمّدا الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته، ونسألك ياربنا ألا تلبسنا شيعا ولا تُذق بعضنا بأس بعض آآآآآآآمين.



السبت، 19 يناير 2013

فن كتابة: صافي ناز كاظم

الإمام محمد عبده وآثار محمد علي

 من المستحسن أن نقرأ مقال الإمام محمد عبده؛ الذي كتبه في جريدة المنار عام 1902 تحت عنوان "آثار محمد علي في مصر"، إذ أجد  فيه ما ننعش به الذاكرة، صدا وردا لكثير من المعلومات المغلوطة، ونُحيي لنا به رأيا ناقدا يواجه المغرمين الجدد  بالطاغية السفاح المشهور بلقب " محمد علي باعث نهضة مصر الحديثة"!

المقال طويل وأنا مضطرة، خضوعا للمساحة المتاحة، أن أقتبس منه القليل وأرجو أن يكفي طالب الحق، يقول الأستاذ الإمام فيما يقول:

* "خرجت عساكر نابليون وظهر محمد علي بالوسائل التي هيأها له القدر..... كانت البلاد تنتظر أن يأتي أمير عالم بصير فيضم العناصر الحية بعضها إلى بعض ويؤلف منها أمة تحكمها حكومة منها....فما الذي صنعه محمد علي؟ لم يستطع أن يُحيي ولكن استطاع أن يُميت....يستعين بالجيش وبمن يستميله من الأحزاب على إعدام كل رأس من خصومه ثم يعود ... على من كان معه أولا وأعانه على الخصم الزائل فيمحقه، وهكذا حتى إذا سحقت الأحزاب القوية ......أجهز على ما بقى في البلاد من حياة أنفس بعض أفرادها، فلم يبق في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه، أو نفاه إلى السودان فهلك فيه.

 * أخذ يرفع الأسافل ويُعليهم ... حتى انحط الكرام وساد اللئام ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال ... فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي ليصيّر البلاد المصرية جميعها اقطاعا واحدا له ولأولاده...

 *  اشرأبت نفسه لأن يكون ملكا... فجعل من العدة لذلك أن يستعين بالأجانب من الأوروبيين فأوسع لهم من المجاملة وزاد في الإمتياز حتى صار كل صعلوك منهم، لم يكن يملك قوت يومه، ملكا من الملوك في بلادنا يفعل ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل، وصغرت نفوس الأهالي بين أيدي الأجانب بقوة الحاكم وتمتع الأجنبي بحقوق الوطني التي حرم منها وانقلب الوطني غريبا في داره غير مطمئن في قراره فاجتمع على سلطان البلاد المصرية ذلان:  ذل ضربته الحكومة الإستبدادية المطلقة، وذل سامه الأجنبي إياه....

* نعم عنى بالطب؛ لأجل الجيش والكشف على المجني عليهم في بعض الأحيان عندما يراد إيقاع الظلم بمتهم! وعنى بالهندسة لأجل الري حتى يدبر مياه النيل بعض التدبير ليستغل إقطاعه الكبير.

* هل خطر في باله أن يجعل للأهالي رأيا في الحكومة في عاصمة البلاد أو أمهات الأقاليم؟ هل توجهت نفسه لوضع حكومة قانونية منظمة يقام بها الشرع ويستقر العدل؟

* أرسل جماعة من طلاب العلم إلى أوروبا ليتعلموا فيها فهل أطلق لهم الحرية أن يبثوا في البلاد ما استفادوا؟ كلا! ولكنه اتخذهم آلات تصنع له ما يريد وليس لها إرادة فيما تصنع........

* ليقل لنا أنصار الإستبداد كم كان في الجيش من المصريين الذين بلغوا في رتب الجندية إلى رتبة البكباشي على الأقل؟ فما أثر ذلك في حياة المصريين؟ أثر كله شر في شر....ظهر ذلك حينما جاء الإنجليز لإخماد ثورة عرابي، دخل الإنجليز مصر بأسهل ما يدخل دامر على قوم، ثم استقروا ولم توجد في البلاد قوة تثبت لهم أن في البلاد من يحامي على استقلالها، وهو ضد ما رأيناه عند دخول الفرنسيين إلى مصر وبهذا رأينا الفرق بين الحياة الأولى والموت الأخير.

* أى دين كان دعامة لسلطان محمد علي؟ دين تحصيل الضرائب بالقوة والظلم؟ دين الكرباج؟ دين من لا دين له إلا مايهواه ويريده؟ ..... قصارى أمره في الدين أنه كان يستميل بعض العلماء بالخُلَعْ أو إجلاسهم على الموائد؛ لينفي من يريد منهم إذا اقتضت الحال ذلك......

* كان محمد علي مُستبدا ماهرا، لمصر قاهرا، ولحياتها الحقيقية مُعدِما، وكل مانراه فيها مما يسمى حياة فهو من أثر غيره!".


تنويه:  ليس العجيب أن يُقاوم الإنسان المُحتل والمُستبد؛ الذي يستدعي التعجّب هو الخنوع والإستكانة والانسحاق تحت أقدام الطغاة والظالمين والمُفسدين.

وتنويه آخر: شكرا لـ "أساحبي" المنشورة السبت الماضي، 12 \ 1 \ 2013، هنا في هذه الصفحة فقد أضحكتني حتى وصلت حدّ القهقهة التي غابت عني طويلا!

السبت، 12 يناير 2013

فن كتابة:

أفخاخ لصيد الكتابة

+  يعاودني احتباس الكتابة؛ تكثر الكلمات في دمي ولا أستطيع أن أدوّنها. أضع أفخاخ صيد الكتابة في كل مكان أتحرك فيه عادة: نوتة وقلم على الصندوق الأسود جوار سريري من جانبي الأيسر، ونوتة وقلم على الوسادة لاحتمال تقلبي إلى جانبي الأيمن، نوتة وقلم في المطبخ، نوتة وقلم في الدرج جوار باب الخروج، وأماكن أخرى نسيتها لكنني أفاجئ نفسي بأنها تحتوي نوتة وقلم، ذلك كأنني أصيد فأرا بالمادة اللاصقة التي أتربص له فيها بكل مكان، غير أن الكلمات عندي ليست فئرانا؛ إنها صمت يشكشك دمي. هذه الجملة الأخيرة عالية النبرة وأكاد أشطبها خجلا منها لكنني أتراجع متسائلة: وما الضرر في علو النبرة أحيانا؟ إجابتي هزة من رأسي تذكّرني بمراحل يزيد فيها الخفوت وتتهم بالخيانة، ومراحل يزيد فيها علو النبرة وتتهم بالتطرف وربما بالإرهاب.

المكرونة على النار في الماء المغلي أثناء نضجها أجفف شعري، وتحت صنبور الفلتر، الذي يتساقط منه الماء بطيئا، أنتظر إمتلاء الزجاجة حتى أصبها في الغلاية الكهربائية لأعد كمية الشاي التي تكفيني  لاستراحة أتوقف فيها حتى يبرد جهاز مجفف الشعر. تتجمّع بضع كلمات أسارع بتدوينها قبل أن تتسرّب وتضيع في دمي.

أجد تشابها بين التجمع البطئ لنقاط المياه من الفلتر في الزجاجة والتجمع البطئ للكلمات على الورق، حين أدون هذا التشابه في صياغة أقرؤها أشعر بنفور؛ هذه المرّة ليس علو النبرة الذي لا يرضيني لكن ما يبدو افتعالا للبراعة. أتوقف عن التدوين.

+  حتى مطلع القرن العشرين؛ ربما حتى نهاية العشرينات منه، كانت تهمة "رجل حليق" من القذائف الموجعات التي يُرمى بها الرجل إذ تعني أن المتّهم ليس له شارب ولا لحية فهو، بعيد عن السامعين، "حليق"! أي ناقص الهيبة والرجولة ويخضع لغزو النمط الغربي فيتشابه بالهيئة والتصرفات مع نماذجها الدخيلة التي يرضاها العدو ولا يقبلها المُحب لدينه ووطنه، وكانت هناك أغنيات تندد بما كان البعض يعتقده من "الخيبة على آخر الزمن" حتى ذاعت واحدة تقول: " ياما نشوف حاجات تجنن البيه والهانم عند المزيّن"!  دار الزمن دورته وصارت التهمة "رجل مُلتحي"؛  يُنكّل بصاحبها ويُحرم من الإلتحاق بصفوف الجيش والبوليس؛ " وياما نشوف حاجات تجنّن"!

+ من قال أن "المواطنة" تتطلب الاعتذار عن الدين والتديّن؟

+ أشياء فقدت مذاقها الذي كان سر اشتهائنا لها: الكباب والفول والطعمية؛ الحمد لله مازال لدينا البصارة!

+ أفتقد القهقهات، فهي لم تعد بإمكاني، على الرغم من كثرة "الهزار"، الذي أراه سمجا للغاية.

+ في مناقشة عام، 1971،  حول حقوق الفلاحين  فوجئت بالأستاذ عبد الله عبد الباري، (واحد من أهم رؤساء مجلس إدارة مؤسسة الأهرام)، يباغت حماسي لدفع الظلم  عنهم بقوله: "يا صافي ناز الفلاحين دول قرايبي وأنا عارفهم ولاد ..."!  الموعظة من ذكر هذا هي: التنبيه إلى أن التحريض على أكل حقوق الناس يأتي من كبرائهم؛ فهم العدو الذي يجب أن نحذره.

+ صبرا آل جامعة النيل: إن موعدكم زوال الظلم والبغي والعدوان، وإنّا والله معكم في غاية الأسف والغضب والدهشة، ولا بد أن يكشف ربنا لنا، في القريب العاجل،  كل الأسرار لنفهم هذا اللامنطق الذي يفرض نفسه عليكم وعلينا من دون "إحِم" أو دستور!

السبت، 5 يناير 2013

فن كتابة:

خيرية خيري

لم يكن خبرا بل إفادة مُختصرة؛ في صفحة الوفيات بجريدة الأهرام 24 ديسمبر 2012 أن السيدة خيرية خيري "توفيت  إلى رحمة الله تعالى"، حين توقفت أمامها لم أتصوّر للوهلة الأولى أن المقصودة هي الصحفية الكبيرة الرائدة خيرية خيري، التي تألقت على صفحات إصدارات دار أخبار اليوم خمسينات القرن الماضي، لولا الإشارة أنها والدة "منى علي أمين"، إبنة الأستاذ على أمين توأم الأستاذ مصطفى أمين صاحبي دار أخبار اليوم التي أسساها 11 نوفمبر عام 1944 لتكون واحدة من العلامات الكبرى في تاريخ الصحافة المصرية. أهكذا إذن؟ تذكرت بيتا للشاعر أحمد شوقي جاء في مسرحية مصرع كليوباترا يقول: "اليوم يلقى الموت لم يهتف به ناعٍ ولا ضجّت عليه بواكي"، ومع ذلك ماذا يضير الصحفية الأستاذة الآن أن تكون مجرد "السيدة خيرية خيرى إبنة...و أم ..."؟

حين دخلت دار أخبار اليوم، نوفمبر 1955 طالبة بقسم الصحافة، أرجو التدريب الصحفي في الدار التي شغفت بجريدتها منذ صباي، كان بالدار ثلاث صحفيات لامعات؛ خيرية خيري وفتحية بهيج ومي شاهين في أوج شبابهن وعطائهن، مُختلفات ومتكاملات؛ مي شاهين خريجة كلّية الآداب جامعة فؤاد الأول، قبل تحولها إلى جامعة القاهرة،  تكتب اليوميات، بالصفحة الأخيرة من جريدة الأخبار، قابعة في مكتبها بالدور التاسع لاتتحرك خارجه سوى لأمور إدارية بسيطة يكلفها بها الأستاذ مصطفى أمين، فتحية بهيج، الحقوقية إبنة الجامعة المصرية، رئيسة قسم المرأة بمجلة آخر ساعة ومحررة ركن المرأة الأسبوعي بجريدة الأخبار، ممتلئة بالحيوية المهنية تشاغب بالجدال المثير في قضايا المرأة وأذكر لها الآن، وعلى شفتي إبتسامة، تربصها بالأميرة مارجريت، الشقيقة الصغرى لملكة إنجلترا، ترفض فضائحها واحراجها لتقاليد القصر الملكي الإنجليزي!، وخيرية خيري، خريجة المدارس الأجنبية حتى التخرج في الجامعة الأمريكية، تنقل لنا بحملها الدائم آلتها الكاتبة الصغيرة،  رائحة غادية، وإتقانها اللغة الإنجليزية، كأنها لغتها الأم ،مهارة الصحفي الغربي، تسافر هنا وهناك خلف الأحوال العالمية تنقل آخر ما صدر من كتب وأحداث ثقافية وسياسية. كانت فتحية بهيج "بنت بلد" وكانت خيرية خيري "الخواجاية" لكنهما تشابهتا في الإهتمام بأمثالي من المتدربات اللاتي كن يبحثن عن يد تشجع وتوجّه بالرّفق والقدوة، لم يكن المطلوب أن يسقينا أحد بالملعقة أصول المهنة في التعامل والتفكير والتحرير، كان يكفي أن تدعوني فتحية بهيج لأصاحبها في لقاءاتها وتحقيقاتها أتابعها وألاحظها وأكتشف ما ينقصني وأستكمله، وأكتسب الثقة بنفسي حين تُفرحني بنشر إجتهاداتي في الكتابة، كان يكفي أن تتابع خيرية خيري ما أنشره صغيرا أو كبيرا وتعلق علية باشة دائما وساخرة أحيانا ومُهوّنة، في رقة وأناقة، ما نلاقيه من جهامة مي شاهين ودأبها على التسفيه والتسخيف.

 في عنقي لأستاذية فتحية بهيج وخيرية خيري ما لا أنساه لهما من جميل الرعاية بالإهتمام، والتوجيه بالقدوة، والعطاء الإنساني المغدق  بلا حدود. أسأل الله الرحمة لهما وفسيح جناته.