الجمعة، 23 ديسمبر، 2011

الزمن الجميل للطعمية

إنتشر، بترهل كبير، تعبير "الزمن الجميل" يطلقونه على كل ماض مضى ولا يكون به أي شبهة من جمال أو وسامة سوى أنه "كان وياما كان"، ومع ذلك إذا كان لي أن أمضغ هذه اللبانة وأتنهد في تحســر على "زمن جمييييل" فليس لي ما أتحسـر عليه من الماضي سوى "طعمية زمان"! لم أعد أجد طعمية لذيذة؛ أبحث عنها عند مشاهير الطعمجية ولا أجد سوى أقراص كبيرة مزيّفة: الشكل طعمية والرائحة مُقاربة لرائحة الطعمية لكن لالالالالالالالالالالالالالالا هذه ليست الطعمية التي أتوق إليها وأتمناها لتعيد لي بهجة مذاق الطعمية في زمنها الجميل، في سنوات الأربعينات بالذات آآآآآآآآه!، صحيح أن تدهور مذاق الطعمية لم يتم فجأة لكنه، وللغرابة، تأكد مع اتساع مطاعمها المنتحلة لاسمها وألقابها المتنوعة زورا وبهتانا!

أعود بأنفي إلى الوراء ، عبر ما يقرب من 65 سنة مضت إلى حال سبيلها غير مأسوف على شئ فيها سوى "الطعمية"، أشم مسحورة رائحة طعمية "موسى فلفل" ليلة الأحد تملأ شارع العباسية من ميدان الظاهر بيبرس حتى ميدان فاروق، (ميدان الجيش منذ 23 يوليو 1952)، ويقف الناس في زحام للشراء والزوجة إلى جوار زوجها أمام طاسة الزيت المغلي لا تكاد ترى يدها الممسكة بالشوكة الطويلة تجمع بسرعة هائلة أقراص الطعمية، التي ما أن يلقيها زوجها في الطاسة حتى تنضج على الفور وتأخذ لونها الذهبي، ومع حركة يد الزوجة في جمع الأقراص الناضجة تسمع شخللة مجموعة غوايشها الذهب المتراكمة من الرسغ حتى قبل الكوع بقليل وعلى وجهها ووجه زوجها صهد بخار الزيت يزيد من احمرار أنفه الضخم، ورغم دوشة الزحام وإلحاح الطلبات يبتسمان وتظهر أسنانهماالذهب بوضوح. كان الإقبال على طعمية "موسى فلفل" وزوجته شديدا، لا فرق بين مسلم ويهودي وإن إشتهرت بلقبها "طعمية اليهودي": صغيرة الحجم نحيلة السُمك غالية السعر فثمن القرص الواحد الملّيم بأكمله! وطبعا مقارنة بـ "طعمية المسلمين"، التي كنا نشتريها من ميدان قشتمر، أم سمسم الأكبر حجما والأغمق لونا واللذيذة بوفرة طيلة اليوم وكل يوم والقرصين بمليم واحد، لابد أن يكون موسى فلفل وزوجته في عرف الزبائن "حرامية" لكنهما لم يضربا أحدا على يديه ليرغماه على شراء طعميتهما، التي لا يزدهر سوقها إلا ليلة الأحد بالتحديد بعد أجازة تحريم العمل عند اليهود من ليلة الجمعة حتى غروب شمس السبت.

طيب أين مني الآن "زمن الطعمية الجميل"، لا أنا طايلة طعمية موسى فلفل "أم مليم" ولا طعمية قُشتًمُر أم "إتنين بمليم"، ومشكلتي ليست في أن قرص الطعمية الغلس بجنيه؛ المشكلة أنها لا تمت إلى المذاق اللذيذ للطعمية بأي صلة!

وإن بقى لي أن أحمد الله سبحانه وتعالى على أن طعم البصارة والكشري والفول المدمس اليوم مازال كما كان بالأمس وسيظل، غالبا إنشاء الله، كذلك في الغد!

هناك تعليقان (2):

  1. الأستاذة الفاضلة ألف تحية من الجزائر
    لحظة العودة إلى الزمن الجميل في جوهرها لحظة حزن على حاضر فقد معناه ،نحن نعود إلى الماضي، لحظة انسداد الحاضر و العجز على تحديد آفاق المستقبل، عندها نعود إلى الماضي ليس من أجل الماضي إنما من أجل البحث عن تعويض عن إخفاق الحاضر .
    هذا على مستوى أمة من الأمم أو شعب من الشعوب. التي تعود إلى ماضيها و إلى القيم التي كانت وراء مجدها وسؤددها و سيادتها
    أما العودة إلى الزمن الجميل على مستوى الذات الفردية فنحن لا نعود إليه هكذا في المطلق ، إنما نعود إلى الجزئيات إلى التفاصيل الصغيرة ليس لأهميتها في حد ذاتها ، إنما لأنها تلبي احتياجا آنيا فتأخذ شكل مقارنة ، شكل عقاب الحاضر. ولما نعاقب الحاضر بالماضي فهو يكشف عن جبن مزدوج ، ماضيا وحاضرا ، ماضيا العجز عن اتخاذ القرار ،وحاضرا العجز على حسم الموقف .
    وأكبر جملة يتجلى فيها العجز المزدوج يسمعها الرجل العربي على امتدد الوطن العربي من المياه إلى المياه لما يأتي الحديث عن الزمن الجميل يكون الرد القوي من داخل البيت لماذا " ماتزوجتهاش"

    مرة أخرى تحياتي الخالصة

    ردحذف
  2. أستاذتنا العظيمه:

    الزمن الجميل كما هي السعاده يتكون من مجموعه من الذكريات الجميله الصغيره والمتناقضه في بعض الاحيان لتنسج مصطلح الزمن الجميل قد يكون وجود الوالدين والذهاب للمدرسه وكوب الشاي بالنعناع بعد نوم العصاري في البلكونه وسماع مسلسل الراديو يعطيني هذا الاحساس بلفظ الزمن الجميل و هو ليس بالضروره افضل ما عشته في حياتي (الحمد لله) ولكن في حالة فقد احدي الذكريات تجعلني افتقد باقي الحاله الجميله كلها

    ردحذف