الأحد، 4 ديسمبر، 2011

عندما حبس كافور الإخشيدي دم المتنبي

أنا شديدة الإعجاب بكافور الإخشيدي الذي لم يهتم بمديح المتنبي له؛ لم يعطه فلسا ولا سحتوتا من جيب مصر، ولم يتهدد من لسانه الحاد الذي أطلقه عليه المتنبي بهجاء عنصري، قليل القيمة في الأخلاق، وإن أصبح من عيون الشعر العربي، ( مما يثبت أن الإبداع ليس مُقدّسا بأي حال من الأحوال)، نعم لم ينفق كافور الإخشيدي من خزائن مصر، المؤتمن عليها، على هذا الشاعر المنافق الذي مدحه من تحت ضرسه لقاء هبة أو جائزة ولما خيّب رجاءه هاج وماج ولم يخجل من توضيح أسباب غضبه من كافور فقال  يشرشح: "جود الرجال من الأيدي وجودهمُ
                   من اللسان فلا كانوا ولا الجـــودُ"!
وذلك بعد أن سبق قوله في مديحه المتسول:
                   "قواصــــد كافور، توارك غيره
                    ومن قصد البحر استقل السواقيا"

في البحث عن أصل وفصل كافور، المتوفي بمصر سنة 968 م، نعرف أن محمد بن طغج، مؤسس الأسرة الإخشيدية ،اشتراه عام 923 كأحد الرقيق من الحبشة، وكان مخصيا وأسود اللون،  وعندما انتبه سيده لذكائه وموهبته وإخلاصه جعله حرا وأطلق سراحه، ثم عينه  مشرفا على تعليم أبنائه، وأصبح كافور، من موقعه كوصي على العرش بعد وفاة محمد بن طغج، الحاكم الفعلي لمصر منذ 946، وقد وصفه المؤرخون بأنه حاكم عادل انتصر في الحروب، إلا أن شهرته ارتبطت بالقصائد الساخرة الموجهة ضده من قبل المتنبي الشاعر الأكثر شهرة "إعلاميا!".

لم يعجب الموالون والمؤرخون للمتنبي تعاطف كافور مع العبيد فاتهموه بأنه: "... استمال العبيد وأفسدهم على سادتهم..." وأنه كان "... لا يصفو قلبه إلا لعبد كأنه يطلب الأحرار بحقه...": ولم لا؟ ألا يحق لكافور، بعد كل الإذلال الذي لاقاه من "الأسياد" المحقّرين له بسبب لونه وجنسه، أن ينتصر لمن استشعر لهم الظلم؟

مما يُروى عن كافور، وقت أن جُلب إلي سوق النخاسة، أنه مر ذات يوم بسوق من الأسواق بصحبة عبد مثله، وسارا معاً يتطلعان فقال زميله:أتمني لو اشتراني طباخ فأعيش عمري شبعان بما أصيب من مطبخه! أما كافور فقال: أتمني أن أملك هذه المدينة!

 من أشهر أبيات الشعر التي هجا بها المتنبي كافورا: "لا تشتر العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد"! وقوله حين نهض كافور ليلبس نعله ورأى شقوقا بقدميه:
"تظن إبتساماتي رجاءً وغبطة، وما أنا إلا ضاحك من رجائيا، وتعجبني رجلاك في النعل إنني، رأيتك ذا نعل إذا كنت حافيا، ...................، ويذكرني تخييط كعبك شقه، ومشيك في ثوب من الزفت عاريا،................، ومثلك يُؤتى من بلاد بعيدة، ليضحك ربات الحداد البواكيا"!

 يا ستّار! صحيح إن المتنبي (المولود بالكوفة سنة 915 م وقُتل في الطريق إلى بغداد 965 م) لشاعر عظيم ومع ذلك يتأكد من هجائه لكافور أنه: منحط إنسانيا!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق