الجمعة، 30 ديسمبر، 2011

لو أبطّط العش وأكسّر القش يبقى منظر جميييييييييييييييل!

كان عندي حكاية، لم أكن أمل من حكايتها لطفلتي نوارة الإنتصار، أحفظها من تراث برنامج "حديث الأطفال" لبابا شارو العظيم، رحمه الله وجزاه عن إمتاع وتربية طفولة جيلي في أربعينات القرن الماضي خير الجزاء، عن  ثلاثه أصحاب ساكنين "في وسط الغاب بيحبوا بعضيهم والأصدقاء العزاز: ضفدع مؤدب ظريف و جوز حمام هزاز ريشه أبيض نضيف... وفي يوم بديع الجو، اللعب فيه يحلو، كان الحمام اللطيف بينطّط الضفدع ،وجنبه عشه النضيف بالشمس متمتع، وجنبهم زهوووووور؛ الله! يا محلاها، منظر في غاية العجب والله ما أبدع: نط الحبل رياضة مفيدة نط وفط  يا أجمل ضفدع"، والضفدع مبتهج يغني "أنا متشكر يا إخواني يااللي وجودكم أنس وفرحة نط الحبل صحيح خلاني زي البمب في أجمد صحة!". وتقول الحكاية أنهم وهم على هذا الحال "ربك مفرّحهم" جاء فيل "تخين قوام وراح مفركشهم"، متباهيا يغني: "أنا يابني الفيل أبو زلومة ونيابه العاج الأنتيكه، أنا صاحب القوة المفهومة في أوروبا ومصر وأمريكا، أنا أنا أناااااااااا يابني الفيل أبو زلومة!"، وراح الفيل يتلفّت باحثا: "أنا كنت سامع هنا أصوات موسيقى وغُنا، راحوا فين المجانين هربوا مني الملاعين؟"، لكنه لاحظ عش زغاليل الحمام : "وده إيه ده اللي مرمي هناك؟ عش الزغاليل؟ هاااااه!"، وواتته فكرة ظنها عبقرية: "لو أبطط العش وأكسر القش يبقى منظر جميييييييييييل يا أصدقائي الصغار ويفهم الزغاليل إني فيل جبار فيبطلوا التهليل والرقص والمزمار!"، وراح من فوره ينفذ جريمته بهمة القوة المفرطة مغنيا في إنسجام: "إتبطط  يا عش، إتكسّر ياقش، ها ها هاااااااااا، ده أنا يابني الفيل أبو زلوماااااااااااه!". بعدها نسمع نهنهة الحمام يبكي فلذة كبده الشهداء: "عملنا إييييييه للفيل لما يعذبنا؟ ونابه إيييييييه الغبي من قتل زغاليلنا؟"، فيرد الضفدع في حسم: "الفيل ده مُجرم قوي ولكل مجرم عقااااااااب!".

ويتفتق ذهن الضفدع عن حفر حفرة كبيرة يعلو عندها صوت نقيقه؛ حتى يتصور الفيل أن بها ماء، حين يظمأ بعد أن يصاب بالعمى من جراء "تخزيق" الحمام لعينيه، فيقع في الحفرة وينال القصاص المرجو جزاء جرمه الفاحش في قتل الزغاليل. عندما كنت أصل إلى هذه النهاية للفيل كانت طفلتي "نوارة" تصرخ باكية محتجة بشدة: "لأ لأ لأ مس يخزقوا عنين الفيل!"، ولا يجدي معها: "يانوارة ده مجرم قتل ولاد الحمام لازم يتعاقب!"، تدبدب مواصلة بكاءها المحتج: "مِس يخزقوا عنين الفيل!"، "يا بنتيييييييي!"، "لأاااااااه مِس يخزقوا عنين الفيل!". وإزاء إصرارها كان عليّ أن أغير النهاية وأقول إن الفيل عندما وجد الحمام  طائرا نحوه والغضب يجعله يهز جناحيه بعصبية خاف على عينيه و رفع زلومته متأسفا، فقبل الحمام أسفه وتنازل عن حقه، ولم يأبه للفتوى الشارحة بأن الأسف غير الإعتذار، عندها تاب الفيل عن غرور قوّته و توقف عدوانه و أصبح متعاطفا مع الضعفاء مساعدا لهم  ملبيا لمطالبهم، محتفظا بعينيه سليمتين حتى أنه لم تلزمه أبدا،بعد ذلك، نظارة طيلة حياته!

الأربعاء، 28 ديسمبر، 2011

"وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين"
كأن ساحرة من ساحرات شكسبير المخترعة في مسرحيته ماكبيث قد تركت المشاركة في تقليب محتويات قدرتها الخبيثة لزميلاتها وحطت عند بوابة مصر تطن القر المشهور:"طوبة على طوبة لتظل العركة منصوبة"، حتى لم يصبح عندنا، في بر وبحر وجو، من لا يتشاجر ويزعق ويتنابز بأقبح الألفاظ خامشا وجارحا وطاعنا وناحرا، وهكذا بدا المشهد بمثابة خناقة في حانة للسكارى، كالتي نراها في الأفلام التجارية الرخيصة، تتطاير فيها الموائد والأكواب والزجاجات والأطباق والملاعق والشوك والسكاكين، وتضرب الكراسي في "الكلوب" وتنطفئ الأنوار ويُفقد الصواب ويلبس الجميع في الجميع، ولا نتبين الحق من الباطل، والكذب من الصدق، والتلفيق والبهتان من قرائن الجرائم الثابتة وبراهين الفساد الدامغة، فلا تتأكد جناية الجاني ومظلمة المجني عليه، ولا نتثبت من عداء عدو أو  إنصاف حليف؛ الكل يصرخ وشبورة من الكراهية، يُجزمعها على الأسنان، تلف الرؤوس وتعمي البصر والبصيرة، حتى طالت منصة القضاء وساحات المحاماة وقيم في العدالة، كانت قد بلورتها مأثورات خطابة فصيحة تتأنق بها حوارات الأفلام: "ياصديقي وابن صديقي شرف الدفاع الذي ننشد فيه قدس العدالة لأحب وأعز علينا من مشاعرنا مهما آلمتنا!"، وتناثرت، بدلا عنها، شائهات القول كذباب قارص تحمله رياح السموم، تلسع وتلهب وتدمي وتترك الندوب، التي لا تنام أوجاعها بعد الحطام  فتظل بؤرة بُغض يقظ يتوهج شرره للإندلاع حين يُراد ويُطلب منه ذلك.

لاجدوى الآن في مواجهة أو مناقشة أو رد لتصحيح معلومة، أو طرح لوجهة نظر، في طقس يسوده الإحتقان؛ حيث لا مجال للفهم، ولا مجال للوعي، ولامجال للتذكر والمذاكرة والمراجعة والتقوى، فلا سمع ولا إنصات والهيمنة متروكة لرغبة عارمة لتبادل اللكمات!

لابد لنا من واحة نتنسم فيها شهيقا لايتلوث وزفيرا، صادقا وصحّيا، ممكنا نوفره لعقلاء، لحظة ينجلي عن البلاد هيشان هذه الفوضى المقصودة، مدفوعة الأجر، ويتم القبض على بقية الآثمين الفارين، مطلقي اليد لفعل الشر، المسجلين في قائمة القتلة واللصوص؛ أعداء البلاد والعباد، أصحاب المصلحة في التخريب لسلب شعبنا العظيم فرصه المستحقة لجني ثمار ثورته الباسلة، وتوقّع عليهم الأحكام الرادعة فورا، حتى يعود الناس يستلهمون من أدب وأخلاق دينهم سبل الرشاد: "وقل ربّ أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك ربّ أن يحضرون." صدق الله العظيم ، المؤمنون 97\98.

الأحد، 25 ديسمبر، 2011

أرجوكممممممم: لاتنادوني مدام!
 

ليس هناك أرذل من كتابة اسمي مشبوكا "صافيناز"، بدلا من الصواب "صافي ناز" سوى الإصرار على مناداتي "يامدام".  دائما ألفت إنتباه من يلقبني "مدام" بأنه لقب يؤذيني، ألفت الإنتباه مرة بالمزاح كأن أقول: "أيوة يا مسيو!" أو "يامستر" فيكون الرد: "لماذا تناديني مسيو يامدام؟" فأقول: "لأنك تناديني مدام يامسيو وأنا أغيظك كما تغيظني"، فيضحك: "ماذا أقول إذن؟" فيتعاظم غيظي: " تلقبني أستاذة كما أن حضرتك أستاذ !" فيعتذر من دون تركيز: والله يامدام مش قصدي!".

قبل 23 \ 7 \ 1952 كانت لدينا في مصر صيغة واضحة بخصوص ألقاب المرأة: فست البيت التي لا تعمل تنادى "ياهانم"، والريفية والشعبية " ياست أم فلان"، أما العاملة فهي "ياأستاذة"، وكان لقب "مدام" يخص الخواجاية الأرمنية واليونانية واليهودية والأجنبية على وجه العموم ، وكن الخياطة والكوافيرة والبائعة في المحال الكبرى زمان إدارتها الأجنبية. بعد 23 \ 7 \ 1952 ألغيت الألقاب وتقلص حجم الوجود الأجنبي وأصبح النداء الموحد لجميع المواطنين والمواطنات هو "السيد المواطن" و"السيدة المواطنة". منذ السبعينات بدأت ألقاب العهد الملكي تعود تدريجيا لتفخيم الرجال فحسب وأصبحت ألقاب "باشا" و"بك" ـ ماعدا أفندي!ـ عملة متداولة لحضراتهم ، إلى جانب "أستاذ" الذى يلحق بداهة على الرجال كافة من كبير المركز إلى صغير الوظيفة. البهدلة صارت في ألقاب المرأة، إختفت "ياهانم" بحجة أنها تركية وشبطت فينا "يامدام" رغم ارتباطها بعهود الإذلال الأجنبي من فرنسي إلى إنجليزي. كان مفهوما أن يلحق لقب "مدام" بالمرأة التي إحتلت مواقع عمل الخواجايات في الحياكة وتصفيف الشعر والتجميل والأزياء وما إلى ذلك، لكن ليس مفهوما أبدا أن تصير" مدام" لقب الصحفية والكاتبة والموظفة العمومية في دوائر الدولة والوزارات.  الوحيدة التي استطاعت أن تستخلص لنفسها لقب "الأستاذة" ويصبح دليلا عليها هي المحامية حتى تصور البعض أنه قاصر عليها، فيقول قائل "يامدام" وحين أصححه "من فضلك لقبي أستاذة!" فيتساءل "هو حضرتك محامية؟ ".

المشكلة ليست في الرجال الذين يحتكرون لأنفسهم المقامات العليَة (رغم أن باشا في أصلها تعني  ِرجل الملك؛ بما يفيد أنه خادم الملك!)، فيصير بدهيا لأصغر صحفي وموظف، بل وسائق تاكسي، أن تناديه "ياأستاذ" ولا يكون بدهيا له أن يخاطب رئيسته "ياأستاذة": هي التي تناديه "ياأستاذ" فيكون رده: "أيوة يامدام!"، المشكلة هي في تساهل المرأة وتنازلها عن حقها في لقب استحقته بالدراسة والجهد أي بالعرق والدموع، مثلا: تكلمني الصحفية الشابة "من فضلك يامدام..." فأجيبها، قاصدة
توجيهها ، "نعم ياأوستااااذة" لعلها تلقط الرسالة لكنها تظل على ندائها البايخ "يامدااامممم".

حالة "بلم" وبلادة تعم المرأة رغم صيحات مطالبتها بالمساواة والندية والعدل. لو استشعرت المرأة المساواة والندية حقيقة لما قبلت بألقاب دونية يمارسها عليها الرجل وتمارسها هي من بعده على نفسها وعلى بنات جنسها.

في إطار التعامل بين الملتزمين إسلاميا الموضوع منته بلقب "الأخت فلانة" و "الأخ فلان" فالحمد لله وكفى الله المؤمنات شر "يامدام"!



الجمعة، 23 ديسمبر، 2011

الزمن الجميل للطعمية

إنتشر، بترهل كبير، تعبير "الزمن الجميل" يطلقونه على كل ماض مضى ولا يكون به أي شبهة من جمال أو وسامة سوى أنه "كان وياما كان"، ومع ذلك إذا كان لي أن أمضغ هذه اللبانة وأتنهد في تحســر على "زمن جمييييل" فليس لي ما أتحسـر عليه من الماضي سوى "طعمية زمان"! لم أعد أجد طعمية لذيذة؛ أبحث عنها عند مشاهير الطعمجية ولا أجد سوى أقراص كبيرة مزيّفة: الشكل طعمية والرائحة مُقاربة لرائحة الطعمية لكن لالالالالالالالالالالالالالالا هذه ليست الطعمية التي أتوق إليها وأتمناها لتعيد لي بهجة مذاق الطعمية في زمنها الجميل، في سنوات الأربعينات بالذات آآآآآآآآه!، صحيح أن تدهور مذاق الطعمية لم يتم فجأة لكنه، وللغرابة، تأكد مع اتساع مطاعمها المنتحلة لاسمها وألقابها المتنوعة زورا وبهتانا!

أعود بأنفي إلى الوراء ، عبر ما يقرب من 65 سنة مضت إلى حال سبيلها غير مأسوف على شئ فيها سوى "الطعمية"، أشم مسحورة رائحة طعمية "موسى فلفل" ليلة الأحد تملأ شارع العباسية من ميدان الظاهر بيبرس حتى ميدان فاروق، (ميدان الجيش منذ 23 يوليو 1952)، ويقف الناس في زحام للشراء والزوجة إلى جوار زوجها أمام طاسة الزيت المغلي لا تكاد ترى يدها الممسكة بالشوكة الطويلة تجمع بسرعة هائلة أقراص الطعمية، التي ما أن يلقيها زوجها في الطاسة حتى تنضج على الفور وتأخذ لونها الذهبي، ومع حركة يد الزوجة في جمع الأقراص الناضجة تسمع شخللة مجموعة غوايشها الذهب المتراكمة من الرسغ حتى قبل الكوع بقليل وعلى وجهها ووجه زوجها صهد بخار الزيت يزيد من احمرار أنفه الضخم، ورغم دوشة الزحام وإلحاح الطلبات يبتسمان وتظهر أسنانهماالذهب بوضوح. كان الإقبال على طعمية "موسى فلفل" وزوجته شديدا، لا فرق بين مسلم ويهودي وإن إشتهرت بلقبها "طعمية اليهودي": صغيرة الحجم نحيلة السُمك غالية السعر فثمن القرص الواحد الملّيم بأكمله! وطبعا مقارنة بـ "طعمية المسلمين"، التي كنا نشتريها من ميدان قشتمر، أم سمسم الأكبر حجما والأغمق لونا واللذيذة بوفرة طيلة اليوم وكل يوم والقرصين بمليم واحد، لابد أن يكون موسى فلفل وزوجته في عرف الزبائن "حرامية" لكنهما لم يضربا أحدا على يديه ليرغماه على شراء طعميتهما، التي لا يزدهر سوقها إلا ليلة الأحد بالتحديد بعد أجازة تحريم العمل عند اليهود من ليلة الجمعة حتى غروب شمس السبت.

طيب أين مني الآن "زمن الطعمية الجميل"، لا أنا طايلة طعمية موسى فلفل "أم مليم" ولا طعمية قُشتًمُر أم "إتنين بمليم"، ومشكلتي ليست في أن قرص الطعمية الغلس بجنيه؛ المشكلة أنها لا تمت إلى المذاق اللذيذ للطعمية بأي صلة!

وإن بقى لي أن أحمد الله سبحانه وتعالى على أن طعم البصارة والكشري والفول المدمس اليوم مازال كما كان بالأمس وسيظل، غالبا إنشاء الله، كذلك في الغد!
السيد الفاضل محمد نور الدين من الجزائر العزيزة: المقتطفات من جابر عصفور ومن المؤرخ الجليل يونان لبيب رزق ومثل هذه المقتطفات الكثير من الشاعر عبد المعطي حجازي وغيره وغيرهم العديد وليس في ذاكرتي مجدي الدقاق لأنه ليس في الحسبان مثل عكاشة؛ والسموم تجري على لسان العلمانيين لا تستثني منهم أحدا للأسف!

الأربعاء، 21 ديسمبر، 2011

دعونا نتذكّر


إنها والله كانت مقولات علمانية عجيبة.. وإن لم تكن غريبة!

 في يوم ما من أيامنا قبل ثورة 25 يناير 2011، قال مسؤول ثقافي مصري كبير كان يشغل مركزا ثقافيا هاما يتحكم في مسارات الأخذ والعطاء إنهم، من ذلك المركز، يدعمون الدولة المدنية، ثم قال كلاما فهمنا منه أنهم يسعون إلى توطيدها بكل ما يملكون من هيمنة وقوة. والحقيقة أن هذا كان كلاما صحيحا وشواهده كانت كثيرة، وكان من الممكن أن تكون مؤثرة وخطيرة، لولا أن مثل هذه التصريحات، بلطف الله، كانت  تنزل على صفحات إعلامية لم تكن الغالبية في مصر تعيرها آذانا مفتوحة ناهيك عن صاغية.

كان من الممكن أن يظل هذا التكوين اللفظي، «دولة مدنية»، مبهما بما يمكنه المروق سلميا ليصبح فخا محترما يقع فيه الكثير من الناس الطيبين الذين لا يرون في هذا المقترح ما يهدد حرية عقيدتهم الإيمانية، لولا تلك المقالات، التي نشعت وقتذاك بكثرة لافتة تشرح المقصود وتبين جوهر «الدولة المدنية» المزعومة التي نادت  تلك الأقلية،  التي كانت مستحوذة على مفاتيح الثقافة والإعلام، بإقامتها.

بمتابعتي لذلك «النشع»، غير المقروء من الغالبية، كنت قد عرفت أن المقصود هو «الدولة اللا دينية»، التي نرى نموذجا منها في الدولة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك عام 1925 في تركيا، ونرى بوضوح تعصبها العلماني المتشنج الذي يضيق برؤية غطاء شعر مختصر على رأس امرأة فيحرم على لابسته دخول قصر الرئاسة ولو زائرة في مأدبة دبلوماسية أو بروتوكولاتية أو عادية أو إنسانية، لا يحرّم فيها أكل الخنزير وشرب الخمر. بل إنه بفضل ضيق الأفق العلماني اللا ديني هذا تم فصل نائبة من البرلمان التركي وسحبت منها الجنسية، لأنها كانت تغطي شعرها، ولم يغفر لها أنها مختارة بالانتخاب الحر من الشعب.

المهم: لا يسرني ـ وإن كنت مضطرة ـ أن أسرد هنا، للذكرى والتذكرة، مقتطفات من مقالات كان قد تم نشرها في صحفنا القومية خلال عام 2007 ،ولا تحتاج مني إلى تعليق أو توصيف، ولن تغيب نغمتها التحريضية للفتك بالمؤمنين على أي قارئ منصف. وإنني أفضل أن أحتفظ باسم الكاتب وعنوان المقالات، وتاريخ ومكان نشرها، لأن ما يهمني ليس التنديد الشخصي بحضرته ولا الدخول معه في سجال، فهدفي هو توضيح ما يعنيه هؤلاء بـ«الدولة المدنية». والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

في سلسلة مقالات كتبها كاتب معروف اندلقت منه فقرات أختار منها التالي:

* «لا غرابة أن يتصف الإنسان...بصفة الجبر بمعناه الكلامي الفلسفي. وهو المعنى الذي ينفي عن الإنسان حرية الإرادة وحق الاختيار، فهو لا يشاء إلا بما شاء الله، وعليه الرضا بما هو مقسوم له، وما تقرر له حتى من قبل أن يوجد. ولا فارق كبيرا بين الإنسان المجبور والإنسان الاتباعي داخل بنية التراتب المفروضة، فالإنسان المجبور إنسان لا يملك القدرة على المبادرة الخلاقة، أو الفعل الجذري، أو الاختيار الحر، فهو إنسان يسلم نفسه إلى الأقدار وولاة الأمر، ابتداء من الأسرة التي هي الوحدة الاجتماعية الصغرى، وانتهاء بالنخبة الحاكمة، عسكريا أو مدنيا أو طائفيا، فهو إنسان مبرمج على الاستسلام لقوى بشرية وغير بشرية يراها أعظم منه، كما يرى نفسه أضعف من أن يقاومها أو يخرج عليها، فلا يملك من أمر نفسه إلا ما يجعله الوجه الإنساني للزمن المنحدر عن نقطة الابتداء في الماضي الذي يتحول المستقبل إلى عود إليه، ولا يفارق هذا الإنسان دوائر الطاعة والتصديق في كل مجال، والرضا بما يأتي به القضاء والقدر دون مقاومة أو تمرد، فالمقاومة كالتمرد خروج على الناموس الإلهي والاجتماعي والسياسي في آن. وطاعة الله فيما قدر على هذا الإنسان ويسره له هي الموازي الديني الذي تتأكد به طاعة السلطان، وإن جار...الخ».

* «....هذا الواقع ليس من صنع الأقدار ولا التاريخ، فالتاريخ نحن نصنعه كالأقدار التي يمكن أن نصنعها بدل أن تصنعنا، وإنما هو من صنع البشر القادرين على تغيير الواقع والانتقال به من شروط الضرورة إلى آفاق الحرية، لا بالهرب نحو أوهام الماضي الذي لا يمكن عودته، أو التراث، أو أساطير الخلاص الغيبية......».

* «ولذلك لابد للمواجهة من استراتيجية متكاملة تشمل التعليم بكل أنواعه ومجالاته، فقضية تطوير التعليم قضية أمن وطني...... ولن يتحقق ذلك من غير إرادة سياسية، حاسمة غير متذبذبة، إرادة سياسية لا تؤمن بأرباع أو أنصاف الحلول، خالقة المناخ الملائم لمواجهة ثقافة التخلف........وفتح الطريق أمام تكون الأحزاب المدنية بما يدعم الخاصية المدنية للدولة التي تحكم – وتكون محكومة – بالدستور والقانون..... ولا تنفصل عن ذلك كله المواجهة غير المترددة لتصاعد ظاهرة (التديين) إلى معدلاتها الخطرة التي تهدد المجتمع المدني، مقترنة بأشكال من التعصب الذي يفضي إلى الإرهاب الديني المباشر أو غير المباشر، المعنوي والمادي، لا فارق في ذلك، جذريا بين حمائم وصقور، ودعاة اعتدال ودعاة تطرف.....».
 نعم هنا مربط الفرس: «التحريض»؛ تحريض نظام المخلوع حسني مبارك وكل أجهزته القمعية التي كانت له للضرب بيد من حديد، إذ لا فارق جذريا، في زعم الأستاذ الدكتور المثقف الجنكيزي، بين حمائم وصقور ودعاة اعتدال ودعاة تطرف، أي اضرب بسيفك يا سياف ضربة شمولية لا تعتق فيها رقبة!

ولم ننته عند هذه النقطة الطفيفة في بحر الظلمات من التلبيس والخداع والمخادعة والتحريض والكلمات التي تعتبر أن الدين مناقض للوطنية، حتى قال مؤرخ كبير معروف، أن ثورة القاهرة الشعبية المجيدة ضد الحملة الفرنسية، في أكتوبر1798، لم تكن ثورة وطنية بل كانت «ثورة دينية»!

 مشيئة الله هي الغالبة: هكذا كانت وهكذا ستكون حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

"إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدْرا"، صدق الله العظيم \الطلاق \ 3.




 


الأحد، 18 ديسمبر، 2011

بسم الله الرحمن الرحيم: وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو مُحرّم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردّون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يُخفف عنهم العذاب ولا هم يُنصرون (86)      صدق الله العظيم \ من سورة البقرة.

حينما شاهدت المصرية المنتهكة؛ ممزقة الثياب، مكشوفة العورات، والجنود مجتمعون فوق قلّة حيلتها وهوانها يضربها سافل منهم بحذائه وهي بلا مُغيث مسحولة على الأرض، خرجت مني على الفور صيحة: الكفرة!

نعم هذا هو الكُفر بعينه! وهذه المصرية هي مصرنا ذاتها! فما جزاء من يفعل بك كل هذا يامصر؟

ليتهم كانوا جند نابليون، ليتهم كانوا جنود الإحتلال الإنجليزي، ليتهم كانوا جنود أقذر أعدائنا من الصهاينة! لكنهم، يا مصرنا، ممن يزعمون أنهم حماة البلاد وحراسها!

الجمعة، 16 ديسمبر، 2011

الأربعاء، 14 ديسمبر، 2011

خسان خوسين بنات مُعاوية 

صارت الرؤية كأنها مستحيلة وبؤرة الإبصار معتمة، لكن من يملك أن يعترف بأنه لم يعد يرى؟ من يملك أن يتوقف لحظة عن الكلام ليسمع أو يفهم أو ليستدل ويسير في الاتجاه الصحيح؟ من هذا الذي لديه الصبر لينتظر حتى تكمل، من دون أن يندفع ليستنتج ما تنوي قوله، رغم أن استنتاجاته تشطح بعيدا، ويظل بكل طاقته يرد على ما لم يكن في البال؟ هناك مثل عند أهل العراق، يقولونه عندما يتراكم الخطأ في المنطق والقول والسياق والمفردات، يقولون إن هذا كلام مثل:«خسان، خوسين، بنات معاوية!»، أي أن المتكلم يقع في مجمل أخطاء أولها: نطق «الحسن والحسين»، ثانيا: أنهما ولدا «علي بن أبي طالب» وليسا «بنتي معاوية»، ولقد عانينا كثيرا من الغوص الجاهل في «المسألة الإسلامية»، حتى ألفناه فقلّت المعاناة، «تنّحنا»، كما نقول باللهجة المصرية، وأصبحنا نمرر الكلام بهشة يد، ونواصل حياتنا وفقا لاختياراتنا التي تمليها علينا عقيدتنا بفقه مذاهبها المتعددة، وبعلم أهل الذكر، ولا نتوقف لنتعجب من أن معظم الخائضين في أمور الإسلام، لا يستقيمون معه، للأسف، على أمر أو تكليف أو طاعة أو إلتزام، ولو جادلك أحدهم أو إحداهن، يكون الجدل مطابقا للنكتة المشهورة: «من قال إن الصلاة من دون وضوء لا تنفع؟ أنا صليت من غير وضوء ونفع!».

تسمع الصارخ، كأنه الغيور على سمعة الإسلام, يهتف نافيا: أهذا هو الإسلام؟ كلا! وتنظر فترى الصارخ بعيدا، بقدر استطاعته، عن مظهر ومخبر الإسلام العزيز، وهو، الذي يريد، أن يلقى في روعنا أنه، مقروص بالمرارة حزنا على «التشويه». وحين ينطلق ذلك المنطلق بكلام عن الإسلام يشبه منطق «خسان خوسين بنات معاوية»، لا تملك أن تصده بـ«هون عليك، كلامك كله عك»، لأنه حينئذ سوف تعلو عقيرته بما يصم الآذان:«لا كهنوت في الإسلام، لا إغلاق لباب الاجتهاد»، وتلوّح بما يُفهم من التلويح: «أينعم يا سيداتي سادتي.. لكن كذلك لا تخريف في الإسلام، والاجتهاد هو شأن من يعلم بحق الدراسة والبحث... و.. و..»، ولكن إذا كان هذا المنطلق بمنطق «أنا صليت من غير وضوء ونفع»، لا يسمع صوتك فهل يمكن أن يرى تلويحاتك؟

وبمناسبة فتح أحاديث مناهج التعليم  يحق لنا أن نتساءل: هل نريد أن نعد المواطن المسلم، ليكون راضيا بعلمنة المجتمع في البلاد الإسلامية، تحت عنوان «المجتمع المدني»، المقصود به تنحية الإسلام تماماً عن القوانين المنظمة للمجتمع، باعتباره عمامة متحفية نبوسها ونضعها جوار الحائط؟ ألا يجب أن نسعى نحو جعل الأمور أكثر استقامة بحيث تصبح شريعة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، هي القائد لهذه الأمة، والحاضنة لتيارات التطور المعاصرة المنبثقة منها، أم أن نخضع لنداءات المطالبة بتدجين المواطن المسلم منذ الطفولة، ليتوافق مع ما يسميه الراطنون بـ«العصرية» و«الحداثة» و«العولمة»، من دون أن نحدد إلى أي «عصر» تنتمي تلك «العصرية»، المبتغاة والمنشودة، أهي إلى «عصر الإسلام» أم إلى «عصر الحقبة الأورو أمريصهيونية»، وعولمتها التي أصبحت تفصح عن نفسها بإملاء وقح متعجرف، يتباهى بإهانة الآخرين، وهو سائر نحو سحقهم بدماره الشامل؟ هل يجوز تدجين الطفل المسلم ليتوافق، فيما بعد، مع من أعلنوا بوضوح عداءهم للإسلام بالقول والفعل؟

ألا يجب أن نربي الوعي لدى الطفل المسلم، بأنه سوف ينشأ في مجتمع به تعداد جاهل بالعقيدة، وآخر معاد له جهارا تحت الإلحاد السافر، أو تحت غطاء مخاتل، لا يرى الصالح إلا في التبعية القردية للغرب  ونبذ «فطرة» المقاومة، بدعوى أنها ليست غاية، بل وسيلة أثبتت فشلها. ولا يسألني أحد كيف أثبتت المقاومة فشلها، لأن هذا يدخل في منطق «خسان خوسين بنات معاوية»!

 ألا يتحتم أن نربي الطفل بما يسلحه بمهارة المنطق السليم الصحي، وبقوة الخلفية الإيمانية القادرة على مناظرة الأفكار العلمانية المثبطة وفضحها ودحضها، بأسلوب غير إنشائي وغير متهافت؟ ألا يجب أن ندرج في مناهجنا الدراسة النقدية للأفكار العلمانية العولمية، ومهاجمتها من نقاط قوتها لا من نقاط ضعفها البدهية؟ ألا يمكن أن نستفيد من ميراث التربية التي أخرجت ابن سينا والبيروني، وابن خلدون، وجمال الدين الأفغاني، وسيد قطب، إلى آخر سلسلة العظماء في أمتنا من الشرق والغرب؟ والذي يمكن أن نضيفه حديثا هو: ترسيخ الوعي لدى طلاب العلم ، بأنهم يتحركون ويعيشون في عصر قوة التحديات العلمانية،  وعليهم أن يتخطوها ليحققوا مسؤولية «المعاصرة» التي نراها حقنا وهي: تثبيت المشروع الحضاري الإسلامي، وتقديم إنجازاته الإنسانية لنسترد موقعنا النّدّي مع قوى العالم  لنملك مصيرنا في السياسة الدولية، ونجلس، بعلمائنا، في مقعدنا الشاغر في الساحة العالمية، بوجه مؤمن أصيل وضيء، رحمة للعالمين.


الجمعة، 9 ديسمبر، 2011

محفوظ .. الذي عاش يداري غضبه بابتسامات الدماثة!

قرأت نجيب محفوظ منذ بدايته حتى آخر حلقة من أحلامه الأدبية، قرأت نجيب محفوظ بإمعان، وتقدير، واحترام، وإعجاب، وتعجب، لكنني لم أحبه جدا إلا في ثلاث «ثرثرة فوق النيل»، و«من أصداء السيرة الذاتية»، و«أحلام فترة النقاهة»: يعطي كل حلم رقما، ولا تزيد القطعة عن 300 كلمة، وقد تنقص إلى مئة كلمة أو أقل.

مبكرا قرأت روايته الطويلة «بين القصرين» مسلسلة في مجلة الرسالة الجديدة عام 1954، وكان يرسمها الفنان الحسين فوزي لوحات ملونة حسنة الطباعة، ولم تكن «بين القصرين» هي أول ما قرأت، أذكر أنني قرأت قبلها «زقاق المدق» في دار الكتب، فرع الظاهر، التي كانت بالقرب من منزلنا بالعباسية، وأذهلتني إشارته الواضحة إلى آفة الشذوذ الجنسي، حين قالت زوجة إحدى الشخصيات: «كل النساء لهن ضرة امرأة، وأنا التي ضرتي رجل»، تعجبت وجفلت ولم أخبر أحدا بالبيت أنني قرأت كتابا به مثل هذه التلميحات.

في مدينة نيويورك 1963 حتى 1965، كنت أعمل موظفة محلية، بمكتبنا الصحفي الملحق بالبعثة الدائمة لمصر في الأمم المتحدة، لتدبير مصروفات دراستي ومعيشتي كلها، وكانت تصلنا جريدة الأهرام بانتظام، فقرأت بها «ثرثرة فوق النيل»، حلقات مسلسلة؛ كنت في غمار قراءاتي للأدب والمسرح والثقافة العالمية، من أول الصين واليابان واليونان حتى بيكيت وايونسكو واليوت وستريندبرج وخلافه، ومع كل هذا الزخم أطربتني حلقات «ثرثرة فوق النيل» وخلبت لبي. كان أدب نجيب محفوظ في ثلاثيته أدب تفاصيل وحشد، وأنا بطبعي أميل إلى المختصر والمختزل والمكثف، الذي أجده صعبا على كثير من الكتاب. صحيح أن لنجيب محفوظ مطولاته الشيقة، التي لا تزهق الروح ولا تكبس على النفس، لكنها بعد أن تحول معظمها ـ للأسف ـ الى أفلام سينمائية، قد فقدت القراء، وأصبح كل "مجعوص" على كرسي يفتي في «أدب» نجيب محفوظ من أول الفنانة يسرا إلى الناقد عُسرا، يستمد مادته مما شاهده في الأفلام، وليس مما قرأه حقا من فن الرواية الرفيع عند نجيب محفوظ، وأشهد أنني لم أحتمل أبدا مشاهدة أفلام الثلاثية: «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية» بسبب زعيقها ومجونها وخلاعتها النابية. عند قراءتي لـ«ثرثرة فوق النيل» قلت لنفسي بفرح: هذا منحني جديد في فن نجيب محفوظ، فن الوعي الثاقب، والقول السديد من خلال الغمام والدخان، وما يبدو اللاوعي، اذ لم تكن المخدرات هى الحشيش بالفعل، بل كان الحشيش رمزا لمخدرات أعتى وأخطر منه في ذلك الزمن الناصري، الذي عبّرت عنه الرواية، عبّر عن الاقتراب المتفجر بالابتعاد عن ملامسة الواقع المادي المحيط. الشعر والوجد والحلم أرضية، وجدران، وسقف، وحديقة، وماء نهر، وفضاء ممتد للرواية، يمد بطلها يده ليلتقط الأفكار الفسفورية التي تلمع ومضات ثم تغيب، ذلك البطل الذي قدم نجيب محفوظ من خلاله نقده الدقيق العميق الأمين للحقبة الناصرية أبان سطوتها عام 1964، 1965، قبل هزيمة 5/6/1967 كانت «ثرثرة فوق النيل» مؤشرا يقول «سوف يحدث ما قد حدث». غضبت من نجيب محفوظ في سنوات حكم السادات، لكنني لم أتوقف عن قراءته، فالرجل يخبئ مواقفه في أدبه ويداريها بابتسامات التهذيب والدماثة، وقد فهمت ذلك وأنبت نفسي على ظلمي له.

أحببت «أحلامه»، رقيقة مثل هفهفة الحرير الناعم على الخد، وجميلة مثل الزنابق البيضاء التى تشيع فيما حولها عطرا خفيفا، يروح ويجيء، وتأتي إليه فيراوغك ويدفعك إلى الابتسام برومانسية مثل تشكيلات الدانتيل التي تزين الشباك، اكثر مما تحجب عنه أو منه، أكون حزينة، منقبضة، ثقيلة، وأقرؤها فتأخذني بيدها لترفعني وقد تمت مواساتي. هو فيها طفل مذعور، تطارده المخاوف، وعاشق مهجور يؤرقه الهجران، ومواطن قلق لا يكف عن التلفت تحسبا لمداهمة، أو ملاحقة أو طرد، أو ضياع، لكن هذه الهواجس كلها لا تبدو في الحلم كوابيس، وإن كانت هي كوابيس عمر طويل عاني على مشوار الحياة والأدب والتعبير، وهو يخفي غضبه واحتجاجه وراء ابتسامات المجاملة والتهذيب والدماثة، كوابيس دوَنها، حلوة عذبة، كأن واقعها المر قد تبخر وذهبت مرارته، وحين عاد وتكثف ليتساقط، في الحلم، قطرة، قطرة، صار «قطر العسل»! 

كل عام ونحن نحتفل بالخير في بلادنا، وإلى اللقاء معك يا سيدي في عيد ميلادك القادم بمشيئة الله سبحانه.


الخميس، 8 ديسمبر، 2011

28 نوفمبر 2011
في الساعة السابعة صباح يوم الإثنين 28 نوفمبر 2011 كنت عند باب الخروج متوجهة إلى لجنة الإنتخاب 418، التابعة لقسم الوايلي، في مبرة طلعت حرب قرب بيتي. بيدي ورقة كتبت فيها باهتمام شديد رقمي في الكشف وبطاقة رقمي القومي والخطوات التي يجب أن أتبعها لتحقيق المراد والأمل المنشود في إنتخابات حرة نزيهة نرتضي نتائجها مهما كانت؛ طالما هي صوت الشعب الصادق. وصلت مبكرة حريصة، كل لحظة، كل الحرص على مراجعة التعليمات والخطوات، وجلة خشية الخطأ والسهو كأني في مناسك الحج. طابور النساء يمتد ولم يحن بعد موعد فتح اللجنة، الحمد لله لاتوجد بينهن عجوز تنافسني في التمتع برخصة الأسبقية في الدخول بسبب سنوات عمري التي أعلنتها بفخار شديد، غير مبرّر، على ملأ المنتظرات في الطابور حتى لا يتصوّرن أنني أغتصب حقا ليس لي: "أنا أربعة وسبعين سنة"! فبادرتني واحدة: "وأنا ورايا أروح شغلي"! لم أشاكسها بأي جدال إذ أسرع شاب من مشرفي اللجنة باحضار كرسي لأجلس عليه بعد وعد بتلبية رجائي. مبسوطة جدا بالشمس الساطعة والهدوء والسكينة أسترجع إنشراحي يوم ذهبت، عام 1956، أمارس مع نساء مصر حقنا الإنتخابي في الترشيح والتصويت لأول مرة بعد أن ناضلنا طويلا لنيله، وبيدي بطاقتي، صادرة عن وزارة الداخلية، محافظة القاهرة: "شهادة انتخاب طبقا للمادة 21 من القانون رقم 73 لسنة 1956، الإسم ....، والصناعة: طالبة، والسن وقت القيد: 18 سنة، ورقم القيد في جدول الإنتخاب: 18 \ سيدات"!

بعد تلك المرّة الأولى لم تكن هناك فرحة لأنه لم تكن هناك جدوى!

في مثل 28 نوفمبر 2010، وكان يوم أحد، ذكرت في مفكرتي: "الإنتخابات: طبعا لم أحاول النزول!"، وفي يوم الثلاثاء 30 نوفمبر 2010 دوّنت: "نتيجة الإنتخابات عجيبة!". وكتبت في 13 ديسمبر 2010 أقول: (إذا كانت الإنتخابات تؤدي بنا إلى هذا المستوى المتدني في كل إجراءاتها ثم نتائجها؛ فلا بد أن نكون على يقين بأنها ليست الإنتخابات المرجوة لحياة نيابية محترمة وموثوق بها، ولا يمكن أن نحقق معها مانتأمله من إصلاح وتغيير ينهضان ببلادنا بعيدا عن كل بؤر الفساد .

في يوم الأحد 12\12\2010، الذي كثرت زعابيبه واشتدت رياحة وتدنت فيه الرؤية تحت شبورة ترابية كتمت أنفاس القاهرة، وغرقت الإسكندرية ومدن الدلتا  تحت الأمطار الغزيرة متسببة في خسائر في الأرواح والأموال، تم افتتاح الدورة الجديدة لما اصطلح على تسميته "مجلس الشعب"، البرلمان في قول أقدم، ولم تستطع الكلمات الواثقة أن تخفي الوجوم الجمعي، الذي ظهرعلى الوجوه  جليا أمام الجالس من المواطنين يتابع الحدث عبر شاشات المذياع المرئي، ليكون بدوره شبورة أخرى، موازية لشبورة التراب، كاتمة لأي ملمح من ملامح الفرح أوالإنتصار، فيما كان الجمع الغفير من قوى المعارضة متجمهرا في الشارع أمام دار القضاء العالي يرفع هتافات "باطل..باطل"!

لم يكن هناك مجال لتصور آخر غير أن الأمر برمته تسديد خانة: "وهم" اسمه الحياة النيابية، ولم يكن هذا "الوهم" بالشئ الجديد؛ فالذي يجب أن نعترف به أننا لم يكن لدينا حياة نيابية حقيقية منذ أسس محمد علي دولة الإستبداد وحكم مصر بمقتضاها عام1805، وظل "الإستبداد" وتزوير مصالح الناس أساس الحكم في كل العهود؛ ملكية وجمهورية، وإن تزوق في بعضها بالدساتير وملاعب الإنتخابات والخطابات الرنانة في قاعات امتلأت بالأعضاء الذين طالما داعب النوم أعينهم فاستسلموا له من دون أن يحرجهم الغطيط!

الناس تواقة إلى نيل الحقوق وتقديم الواجبات، بل والتضحيات، عبر سعي جاد، لامراوغة فيه ولا تلاعب، يؤدي إلى تمثيل صادق لمصالحهم اليومية والتاريخية، لامنٌ فيه ولا أذى، بعيدا عن هؤلاء الذين "لا يعرفون الحكم غير غنيمة وسعت محاسيب الرجال كما ترى، يتخاصمون إذا المآرب عُطّلت فإذا إنقضين فلا خصام ولا مرا"، على حد تعبير مقولة شاعر في أربعينات القرن الماضي!

مالم يتحقق ذلك فسيظل هتاف "باطل..باطل" النشيد الوطني المتواصل لكل رافض، عن حق، الإستمرار في مهزلة "وهم" حياة نيابية!)

نسأل الله النجاح والفلاح هذه المرّة؛ التي ستكون بحق: أوّل مرّة!





الأحد، 4 ديسمبر، 2011

 جيل الستينيات من القرن العشرين



التعريف المباشر لجيل الستينيات هو: إنه الجيل الذي خُدع، و قد تحول من خانة  المجني عليه إلى خانة الجاني، مثل الذي تحول إلى مصاص دماء بعد أن مص رقبته مصاص دماء أصلي!

  كانت 23 \ 7\ 1952 في بدايتها، حينما كان أبناء هذا الجيل في سن المراهقة يحملون أحلاما بتغيير ثوري، توقعوه منها، ينقذ البلاد من نظام فاسد؛ من كوارثه الكبرى هزيمة عسكرية مروعة عام 1948 تسببت في نكبة فلسطين وقيام كيان صهيوني غاصب، ولايلام جيل الستينات  على ذلك التوقّع، فقد تعلم  تعليما موجها، قبل إدراكه أن الخاطفين لحلم التغيير الثوري جهلة ومتعالون؛ ينطقون الأخطاء بزهو شديد ثم يتم تبريرها بحيث تبدو "كلاما كبيرا" سليما، حتى حانت لحظة اكتشاف حقيقة هذه المجموعة الحاكمة والمسيطرة التي تمص دماء من لا يطاوعها  وتنكل به ليصبح مثلها، ولم ينج منها إلا من رحم ربي.

 هذا الجيل هو الذي ولد بين عامي 30 و1940 ولأنه نشأ في عصر الفجوة بين الشعارات السياسية والواقع، والفجوة بين المصطلحات الثقافية والمتلقي، سادت ظاهرة من يقول كلاما لا يفهمه الناس، وهؤلاء ساعدوا على جعل الفجوة أخدودا.

 بسبب تعرض هذا الجيل للفكر الماركسي بكل أطيافه، الذي أمدّهم بقدرات عالية من الرطانة، تولدت الإزدواجيات ومايمكن أن نسميه شغبا فكريا، بالإضافة إلى من اجتذبهم الفكر الغربي الإلحادي وعرفوا تاريخهم عن طريق المستشرقين وأغرتهم معارفهم المزيفة لتحقير تراثهم فأصبحوا مفكرين غير مفكرين، وروادا غير رواد، لايزيدون عن كونهم "خايلة كذّابة" أي جعجعة بلا طحن، تفاقمت مع مرحلة نقد الذات والتنكيل بالذات التي لم تكن ذاتا بالأصل.

هذه مأساة جيل الستينيات، وسبب المتاهة الفكرية والثقافية التي مازالت تعيش فيها البلاد.

هو جيل اضطهد نفسه، والذي تميز منه يكره نفسه ويكره زميله الذي تحسنت أحواله، ولا يتعاطف مع زميله الذي تنكست أعلامه.

 في جيل الستينيات كان هناك مايمكن أن نطلق عليهم "جنود الحلم الثوري" وهم الذين اكتشفوا الزيف السياسي فعبروا عنه لكنهم اتفقوا على الرفض ولم يتفقوا على الحلول؛ فاختلطت عليهم الامور، بالاضافة إلى تأثر بعض أبناء هذا الجيل بأفكار الجيل السابق عليه؛ المناوئة للفكر العربي والإسلامي. ولا ننسى هنا مسئولية الماركسية ودورها في صناعة  هذه المتاهة، فصبغة الستينيات الرئيسية كانت الصبغة الماركسية التي ضللت هذا الجيل وتسببت في تجهيله، مع أنه لم يصبح  جيلا ماركسيا بالتمام سوى أن الضجيج العالي كان صرخة ماركسية خائبة لم توصلنا إلى شيء ولم تحارب سوى نفسها والأفكار الإسلامية وألقت بيننا العداوة والبغضاء.

 وصف التحولات السياسية في حياة أبناء هذا الجيل بالانقلابات غير دقيق فهي تحولات جاءت بسبب محاولاتهم تصحيح نتائج اندفاعهم وراء الوهم، والإنسان لا يستطيع أن يؤيد الوهم  طويلا، فأنا مثلا، واحدة من هذا الجيل، لم اكتشف الخديعة الناصرية إلا في نهايتها، بداية من 6819 بعد النكسة، عندها جرؤت على تسميتها بالخديعة، لأني كنت قد تصوّرت أن جنود الحلم الثوري يستطيعون أن يدافعوا عن حلمهم، لكننا تبيّنا، متأخرا، أننا خدعنا وأننا سرنا في زفة كنا فيها: الأطرش!

عندما حبس كافور الإخشيدي دم المتنبي

أنا شديدة الإعجاب بكافور الإخشيدي الذي لم يهتم بمديح المتنبي له؛ لم يعطه فلسا ولا سحتوتا من جيب مصر، ولم يتهدد من لسانه الحاد الذي أطلقه عليه المتنبي بهجاء عنصري، قليل القيمة في الأخلاق، وإن أصبح من عيون الشعر العربي، ( مما يثبت أن الإبداع ليس مُقدّسا بأي حال من الأحوال)، نعم لم ينفق كافور الإخشيدي من خزائن مصر، المؤتمن عليها، على هذا الشاعر المنافق الذي مدحه من تحت ضرسه لقاء هبة أو جائزة ولما خيّب رجاءه هاج وماج ولم يخجل من توضيح أسباب غضبه من كافور فقال  يشرشح: "جود الرجال من الأيدي وجودهمُ
                   من اللسان فلا كانوا ولا الجـــودُ"!
وذلك بعد أن سبق قوله في مديحه المتسول:
                   "قواصــــد كافور، توارك غيره
                    ومن قصد البحر استقل السواقيا"

في البحث عن أصل وفصل كافور، المتوفي بمصر سنة 968 م، نعرف أن محمد بن طغج، مؤسس الأسرة الإخشيدية ،اشتراه عام 923 كأحد الرقيق من الحبشة، وكان مخصيا وأسود اللون،  وعندما انتبه سيده لذكائه وموهبته وإخلاصه جعله حرا وأطلق سراحه، ثم عينه  مشرفا على تعليم أبنائه، وأصبح كافور، من موقعه كوصي على العرش بعد وفاة محمد بن طغج، الحاكم الفعلي لمصر منذ 946، وقد وصفه المؤرخون بأنه حاكم عادل انتصر في الحروب، إلا أن شهرته ارتبطت بالقصائد الساخرة الموجهة ضده من قبل المتنبي الشاعر الأكثر شهرة "إعلاميا!".

لم يعجب الموالون والمؤرخون للمتنبي تعاطف كافور مع العبيد فاتهموه بأنه: "... استمال العبيد وأفسدهم على سادتهم..." وأنه كان "... لا يصفو قلبه إلا لعبد كأنه يطلب الأحرار بحقه...": ولم لا؟ ألا يحق لكافور، بعد كل الإذلال الذي لاقاه من "الأسياد" المحقّرين له بسبب لونه وجنسه، أن ينتصر لمن استشعر لهم الظلم؟

مما يُروى عن كافور، وقت أن جُلب إلي سوق النخاسة، أنه مر ذات يوم بسوق من الأسواق بصحبة عبد مثله، وسارا معاً يتطلعان فقال زميله:أتمني لو اشتراني طباخ فأعيش عمري شبعان بما أصيب من مطبخه! أما كافور فقال: أتمني أن أملك هذه المدينة!

 من أشهر أبيات الشعر التي هجا بها المتنبي كافورا: "لا تشتر العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد"! وقوله حين نهض كافور ليلبس نعله ورأى شقوقا بقدميه:
"تظن إبتساماتي رجاءً وغبطة، وما أنا إلا ضاحك من رجائيا، وتعجبني رجلاك في النعل إنني، رأيتك ذا نعل إذا كنت حافيا، ...................، ويذكرني تخييط كعبك شقه، ومشيك في ثوب من الزفت عاريا،................، ومثلك يُؤتى من بلاد بعيدة، ليضحك ربات الحداد البواكيا"!

 يا ستّار! صحيح إن المتنبي (المولود بالكوفة سنة 915 م وقُتل في الطريق إلى بغداد 965 م) لشاعر عظيم ومع ذلك يتأكد من هجائه لكافور أنه: منحط إنسانيا!