الأحد، 26 ديسمبر، 2010

علمانية التنوير‏(2-2)‏
بقلم: د.محمد عبدالفضيل القوصى


يتساءل أحد سدنة التنوير تساؤلا مبدئيا فيقول‏:‏ إذا كان الإسلام دنيا ودينا‏,‏ وإذا كانت العلمانية هي الدنيوية‏,‏ فلماذا رفض العلمانية ومعاداتها؟ ثم يتابع قائلا ـ بالنص الحرفي.


إن من يرفض العلمانية وينكرها فإنه يهدف في حقيقة الأمر إلي ارتهان الدنيا لصالح الدين‏,‏ كما يهدف أيضا إلي نفي الإنسان ونفي العالم‏.‏ مما يؤدي في النهاية إلي إحلال الله تعالي في الواقع العيني المباشر‏!!‏
لا يحتاج المرء ـ بادئ ذي بدء ـ إلي جهد كبير ليدرك أن هذا التساؤل المبدئي البرئ‏!!:‏ عن السبب في رفض العلمانية ومعاداتها‏:‏ ليس في حاجة إلي جواب‏,‏ بقدر ما هو باعث علي الدهشة والاستغراب‏,‏ فمن أبجديات المعرفة بالعلمانية أنها ليست مجرد الدنيوية وحدها‏,‏ بل هي الدنيوية التي تحمل في باطنها‏:‏ نفي ما عداها‏,‏ إنها الدنيوية مشروطة بإقصاء تشريعات الدين عن واقع الحياة‏,‏ وإزاحتها كضابط لسلوك البشر‏,‏ وتنحيتها كميزان توزن به تصرفاتهم وأفاعيلهم وأنماط سلوكهم‏,‏ وإلا‏..‏ فهل يتصور من يدرك أبسط بدهيات الإسلام أن يرفض الإسلام‏:‏ الدنيا حين تسترشد بأوامر الدين ونواهيه‏,‏ وتنضبط بتشريعه وتنظيمه؟ هل يتصور أحد يدرك من تلك البدهيات شيئا‏:‏ أن يرفض الإسلام ـ وهو الدين الذي نهضت علي قواعده تلك الحضارة الشامخة التي ازدهرت بها دنيا الناس علما ومدنية ـ‏:‏ تلك الدنيا ويعاديها؟
ثم تتوالي دعاوي علمانية التنوير‏,‏ بعضها فوق بعض‏:‏
ـ فأولي تلك الدعاوي المفتراة أن من يرفض العلمانية فإنه يهدف إلي ارتهان الدنيا لصالح الدين‏,‏ ومن ثم فإن العلمانية هي التي تتكفل ـ طبقا لهذا الزعم ـ بتحرير الدنيا من أن تقع رهينة للدين‏,‏ أو حبيسة في نطاق أوامره ونواهيه‏,‏ أو مضبوطة بضوابط نظمه وتشريعاته‏.‏
لو أنا تابعنا خطوات هذا المنطق التنويري حتي نهاياته القصوي لحق لنا أن نقول ـ بالمثل ـ إن القيم الوضعية البشرية ـ هي الأخري ـ ترتهن الدنيا‏,‏ وتحبسها في نطاقها‏,‏ وتكون قيدا علي حركتها‏,‏ وحينئذ فأي الارتهانين أصدق قيلا وأهدي سبيلا‏:‏ ارتهان الدنيا بقيم البشر النسبية الرجراجة حيث تكال قيم الحق والعدل والخير بمكيالين‏,‏ بل بعدة مكاييل‏,‏ أم ارتهانها بقيم الإسلام الثابتة ومعاييره الراسخة‏,‏ حيث تتصف تلك القيم بالمطلقية والديمومة‏,‏ فلا تميل مع الأهواء‏,‏ ولا تتأرجح مع الأغراض‏(‏ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن‏)‏
وإذا نحينا حديث الارتهان جانبا فلماذا يترسخ في أذهان العلمانيين جميعا ـ ودون اسثناء ـ أن الدين والدنيا‏:‏ غريمان لدودان‏,‏ وأن أحدهما لا يكتب له بقاء إلا بإقصاء الآخر وإلغائه جزءا أو كلا؟ ألا ينطوي كيان الإسلام ـ تاريخا وحضارة وعمرانا ـ علي حقيقة متجذرة في بنيته العميقة‏,‏ وهي ذلك التآزر المصيري الجوهري بين الدين والدنيا‏,‏ والذي بدونه ـ أعني هذا التآزر ـ ما قامت لهذا الكيان الشامخ قائمة‏,‏ برغم ما اعتراه في بعض فترات التاريخ من عثرات ونتوءات‏,‏ تملك الأمة ـ في مذخورها الذاتي ـ ما يمكنها من تجاوزها وتلافي مسبباتها؟
ـ وثانية تلك الدعاوي التنويرية المفتراة‏:‏ أن من يرفض العلمانية فإنه ـ برفضه هذا ـ ينتهي إلي نفي الإنسان والعالم‏,‏ ومن ثم ـ فإن رفع لواء العلمانية ـ طبقا لهذه الدعوي ـ هو الذي يضمن للإنسان والعالم جميعا أن ينعتقا من هذا النفي‏,‏ وأن يعودا إلي موقعهما في خضم الحياة‏,‏ بعد أن نفاهما الدين وأسقط اعتبارهما‏!!‏
وللمرء أن يتساءل‏:‏ أي إنسان هذا الذي نفاه الإسلام‏,‏ وهو الكائن الذي كرمه الله تعالي وفضله علي كثير من خلقه‏,‏ وأسجد له الملائكة‏,‏ وجعله الخليفة في الأرض؟ وأي عالم هذا الذي نفاه الإسلام‏,‏ وهو الكون الذي جعله الله تعالي مجلي لاسمائه الحسني‏,‏ ومظهرا لصفاته العليا‏,‏ وأتقن صنعه‏,‏ وأحسن تدبيره ؟؟
فهل ينتفي هذا الإنسان وذاك العالم‏,‏ وتذوب حقيقتهما‏,‏ وتذوي كينونتهما حين يطيع هذا الإنسان في رحاب ذلك العالم‏:‏ أمر ربه ونهيه‏,‏ وشرعه وقضاءه؟
وأي عقل رشيد يعـي أبسط مقتضيات الألوهية والربوبية ثم يذهب به الشطط إلي أن الإنسان والعالم كليهما لا يدرءان عن نفسيهما النفي ـ كما تزعم علمانية التنوير ـ إلا بالتمرد علي الأوامر والنواهي الإلهية‏,‏ والتخلص من تبعة الالتزام بها؟
أفليس تمرد الإنسان علي التشريع الإلهي‏,‏ وخلو العالم من أوامر الله تعالي ونواهيه‏:‏ هو الذي يؤدي إلي النفي الحقيقي للإنسان والعالم‏,‏ لأنه يبتر صلتهما بالميزان الإلهي الذي وضعه الحق سبحانه في عمق أعماق الكون‏,‏ وإلي تشويه الغايات القصوي من الوجود‏,‏ وانحصارها في آفاق الحياة الآنية المحدودة‏,‏ بل وإلي اغتراب الإنسان عن عمقه الروحي المتأصل في أعماق ذاته ؟
أي نفي أشقي للإنسان و العالم حين تنحصر غايات ذلك الإنسان في رغائب ذاته‏,‏ وتنحسر تحت سقف دنياه‏,‏ بلا امتداد إلي ما وراءهما‏:‏ أو استشراف إلي ما فوقهما؟‏!‏
وثالثة تلك الدعاوي التنويرية المفتراة أن من يرفض العلمانية ثم يلتزم بعدئذ بشرع الله تعالي‏:‏ فإنه يقوم بإحلال الله تعالي في الواقع العيني المباشر‏.‏
وربما كانت هذه الدعوي أكثر أخواتها جرأة وجسارة‏,‏ لكنها أظهرها تهافتا وبطلانا‏,‏ فاعتقاد المسلم أنه‏(‏ إلي الله ترجع الأمور‏)‏ وأنه تعالي‏(‏ علي كل شيء قدير‏)‏ من جهة‏,‏ ومن جهة أخري بأنه مكلف بالتزام شرع الله تعالي ومنهجه في الكون‏:‏ يشكلان جانبا جوهريا من عقيدته الصحيحة‏,‏ لكن أخطر في الأذهان ـ ولو لبرهة من الزمان ـ أن شيئا من ذلك مؤد إلي إحلال الذات الإلهية في الواقع العيني المباشر‏,‏ أم أن إيمان المسلم بعالم الغيب المفارق لعالم الشهادة يتسامي به عن هذا التصور ويعصمه من الانزلاق إليه والوقوع فيه؟
ثم أي عقل هذا الذي يتوهم أن إرجاع المسلم لشئون الكون كلها إلي الله تعالي غاية ومصيرا‏,‏ أو أن امتثال أوامره واجتناب نواهيه‏:‏ تمثل إحلالا له سبحانه في عالم الحس المباشر‏,‏ وهو الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؟؟
ومن العجب أن فريقا من الذين ينتمون إلي السلفية المدعاة يشبهون أصحاب هذه الدعوي المفتراة في شيء مما يزعمون‏,‏ ـ برغم تنائي الديار ـ‏!!,‏ وذلك حين يتدني التصور الاعتقادي التنزيهي لديهم إلي أفهام حرفية ضيقة لنصوص الكتاب والسنة تدنو بهم إلي قريب من درك التشبيه والتجسيم‏!!‏
ثم أقول أخيرا‏:‏ أي مصير بائس ستؤول إليه شخصية الأمة حين تصاب بهذا الانقسام الحاد في بنيتها الفكرية الواعية بين دنيا يراد لها أن تنفصل عن الدين‏,‏ وبين دين يراد له أن يفرغ من مضمونه‏,‏ ويجرد عن دوره ؟ والخاسر في ذلك كله هو الإنسان؟‏!‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق