الخميس، 2 ديسمبر، 2010

فنان مصري اسمه عصمت داوستاشي


عصمت داوستاشي فنان تشكيلي مصري شهير جدا، نشيط جدا، حزين جدا، لا يكف عن الكلام، أو العمل، ويظل حزينا جدا. أصدر عصمت داوستاشي الجزء الأول من سيرته الذاتية: «ذكريات سكندري، 1943/1963»، يحتوي سيرته الذاتية في السنوات العشرين الأولى من حياته، منذ مولده في مارس 1943 حتى مبتدأ دراسته في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، وقد أعطى هذه المرحلة عنوان «الرملة البيضاء»، على أن يكون الجزء الثاني: «الرملة الحمراء»، والجزء الثالث «الرملة السوداء».

يقول عصمت داوستاشي في تقديمه لمذكراته: «أكتبها وأنا أشعر بوهن الذاكرة وبداية تلاشيها، لأسجل أحداثا وأماكن وظروفا وناسا رأيت الآن وقد تجاوزت الستين من عمري أنها أشياء جديرة بالتسجيل وبالكتابة عنها والإشارة إليها قبل أن يسحبها النسيان إلى العدم. ولا أستطيع أن أقول إنها سيرة ذاتية، لأنها بحق ذكريات سكندري، عن مدينته وأسرته والظروف التي شكلته، إنها عالمي الخاص، مدينتي الإسكندرية..»، ولا يستغرق الكتاب سوى 156 صفحة تشمل بعض الصور العائلية القديمة للجد والجدة والوالد والعائلات الصديقة ومن ورد ذكره في الذكريات.

ينقسم كتابه إلى أربعة فصول: 1 – الجريتلية (الجريتلي هو الكريتلي نسبة إلى جزيرة كريت). 2- البكتاشية، 3- شوارع وحوار وبيوت، 4- سحر الكتب، هذا بعد عنوان: «زمن البراءة والحب والاكتشاف»، الذي نعرف من خلاله: «الرملة البيضاء» بأنها شاطئ يتوسط الميناء الغربي لمدينة الإسكندرية وخلفه مباشرة فنار المدينة، وبجواره جزيرة رأس التين حيث قصر الملك، وهذا الشاطئ الساحل الصغير المفروش بالرمال الناصعة البياض عبارة عن جزيرة صغيرة نصل إليها بالمراكب الشراعية، ولم يكن يذهب للاستمتاع برمالها ومياهها الصافية إلا عدد قليل من الناس، كان معظمهم أجانب في ذلك الزمن، نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، يقول عصمت في ذلك: «كنت وقتها طفلا صغيرا في السادسة أو السابعة من عمري، وكان جدي إبراهيم ـ الذي يعمل قهوجيا في مقهى الحاج مصطفى الجريتلي المواجه لباب خمسة بالجمرك – يسلمني لريس المركب الشراعي... ليذهب بي إلى الرملة البيضاء للفسحة، ثم يعود بي مرة أخرى إلى المقهى. كنت أقبع داخل المركب خائفا من البحر... تغمرني رائحة الميناء... كنت أرى الأجانب... يونانيين وطلاينة يستحمون ويلعبون بحرية ومرح.. وما زالت الرمال البيضاء في كياني وروحي وقلبي... منذ ذلك الزمن البعيد امتلأت بالنقاء والحب وظللت ذلك الملاك الصغير المتشبث بحبال الشراع المنتظر العودة للديار، الذي يرى ويستمتع بكل شيء إلى أن يحين وقت الرحيل الأكبر فينطلق ويطير». على الرغم من هذا المفتتح المتفائل لا يجد عصمت داوستاشي غضاضة في أن يناقض نفسه قبل نهاية الكتاب بصفحات قليلة، فيقول: «حين أعاود قراءة السطور السابقة أكتشف أنني لم أكتب الكثير، لدي ما أقول بين السطر والآخر، ولكن وبصدق أشعر بأن كل هذه الذكريات سخيفة وساذجة، فطالما لم يدفعنا الماضي إلى مستقبل أفضل فهو ماض وتاريخ فاشل ومحبط، لأننا الآن وغدا ننحدر إلى أسوأ ما نكون، ولعل الصمت كان أفضل من هذا البوح الرومانسي الذي نميل إليه».

والحقيقة أنني وأنا أقرأ ذكريات داوستاشي لم تهمني تلك التناقضات في مشاعره وأقواله، وتقلبه بين المرح والفرح وبين «العكننة» والتذمر ونوبات الجهامة والاكتئاب، أليست هي أيضا طبيعة البحر بين زمجرة الموج العالي اللاطم، وإشراقه الهادئ الناعم، والموجة تجري ورا الموجة عاوزة تطولها؟

أمتعنى كتاب داوستاشي، في ظل كل هذه الجهامة التي حولنا وظللت، في كل أحواله، أقرأه وأنا مبتسمة، بل لم يفتني أن أضحك في بعض فقراته وأقهقه. سأعبر الكثير من الصفحات لأصل إلى الفصل الذي كتبه داوستاشي تحت عنوان «الجريتلية» حين يحكي عن أصل عائلته التي اضطرت إلى الهرب من جزيرة «كريت»، بعد الحرب العالمية الأولى، (1914 – 1918)، فرارا من الاضطهاد الديني الذي جعل التعداد المسيحي في الجزيرة يتربص بإخوانهم المسلمين، من أهل الجزيرة الذين يحملون الملامح نفسها والسمات ويتشاركون في الأرض واللغة والمواطنة. كان المسلمون من أهل الجزيرة مستهدفين في كل وقت بالقتل والاغتيالات، مما أدى إلى هروب الكثيرين، كما يذكر داوستاشي، «إلى تركيا أو بلاد الشام أو مصر خاصة مدينة الإسكندرية، وإلى سواحل شمال أفريقيا، خاصة مدينتي سوسة وبنغازي في ليبيا، وأصبحت في كل مدينة ساحلية بحوض البحر الأبيض المتوسط جالية جريتلية مسلمة أشبه بالقبيلة.. وقد ولدت أنا في مدينة الإسكندرية لأجد نفسي منتميا إلى القبيلة الجريتلية السكندرية من جهة والدي...».

يشرح عصمت سبب لقبه داوستاشي قائلا: «... حتى أواخر الستينيات لم أكن أعرف حكاية اسم داوستاشي»، لكنه قابل في ليبيا واحدا من أقربائه اسمه «حسين إليفاتشي.... وعندما سألته عن اسم إليفاتشي أجابني بأن اسم أسرتي أنا الآخر هو داوستاشي وأخبرني أن جدي إبراهيم عندما حضر إلى مصر لم يذكر هذا الاسم مطلقا، وهكذا عندما عدت في إجازة للإسكندرية بحثت في أوراق الأسرة وعثرت على وثيقة زواج جدي إبراهيم بجدتي خديجة شبرا هانم، وكان لقب جدي في هذه الوثيقة هو داوستاكي....داوستاشي....الاسم المتداول الشعبي لداوستاكي اسم كريتلي صرف، وهكذا عرفت لماذا كانوا ينادوني وأنا صغير باسم «تاشي»، فالحروف النهائية الألف والشين والياء حروف تضاف لجعل الاسم أكثر حميمية في نطاق الأسرة... ومنذ ذلك التاريخ استعملت هذا اللقب داوستاشي اسم شهرة لي، أوقع به لوحاتي، وكنت معروفا قبلها باسم عصمت عبد الحليم».

يحكي عصمت داوستاشي عن واقعة هروب جده إبراهيم والد والده: «.... كان جدي وأحد أقاربه خارجين من المقهى في قريتهما المجاورة لخانية، عاصمة كريت، حين أطلق عليهما الرصاص فقتل قريبه فورا، هكذا كان يتم تصفية المسلمين من أهل الجزيرة، ثم استدعوا جدي للتجنيد ليرتدي ملابس الجنود اليونانيين ليحارب أهله... فقرر الهرب من الجزيرة كلها.... تم لفه في سجادة والمرور به من المنطقة الجمركية إلى السفينة المتجهة للإسكندرية.... وعندما وصلت السفينة الإسكندرية ذهب مصطفى أفندي الجريتلي صاحب مقهى باب ستة، كقهوجي يرتدي ملابسه التقليدية فوطة وغطاء رأس ويمسك بصينية عليها أكواب الشاي والقهوة ودخل الميناء من باب الجمرك كعادته في توصيل الطلبات، والتقى بجدي إبراهيم داخل السفينة وأعطاه ملابس القهوجي والصينية، أخذها جدي وخرج من المنطقة الجمركية وهكذا وجد نفسه في المدينة. هذه الحكاية سمعتها من جدي مباشرة ومن جدتي وأحكيها هنا للمرة الأولى، وعندما سألت عن سبب اختفاء اسم داوستاشي علمت أن جدي لم يذكره في أوراقه بمصر لأن اليونانيين كانوا يرسلون جواسيس يبحثون عن الجريتلية الهاربين من التجنيد والقبض عليهم وترحيلهم مرة أخرى إلى كريت، التي أصبحت يونانية بالكامل... كان جدي يسمع وهو يعمل بالمقهى بعد وصوله، من ينادي اسم داوستاشي فيتجاهل هذا النداء تماما، وإلا قبض عليه كهارب من العسكرية اليونانية وهو الذي هرب... حتى لا يضطر لأن يقاتل أهله من المسلمين ويحاربهم...».

بعد أن تزوج الجد إبراهيم الجدة خديجة شبرا هانم، من القبيلة أو الجالية الكريتلية، تمت ولادة عبد الحليم إبراهيم، أبو عصمت، سنة 1920 بالإسكندرية، ويقول عصمت: «في الإسكندرية عاش جدي وجدتي عيشة فقيرة للغاية..»، ومع ذلك استطاعا أن ينهضا وأن يتركا في ذاكرة الحفيد، عصمت، الحنين الأبدي إلى تدليلهما: «.. عايشت الحياة الجريتلية في منزل جدتي والحياة المصرية في منزل أمي وتكونت هكذا شخصيتي، مزيجا من الحياتين اللتين كونتا شخصيتي السكندرية البحر متوسطية عن حق».

وأكتفي بهذا القدر من وجع القلب.



هناك تعليق واحد:

  1. قد ايه انا سعيدة جداً جداً بتدوينة حضرتك دى ..عصمت داوستاشى فنان تشكيلى عظيم و خطوطه مميزة و مبهرة فعلاً ..مش عارفة ازاى ما أخدش حقه لدلوقت :(

    شكراً للتدوينة الجميلة أ.صافيناز

    ردحذف