الأحد، 12 ديسمبر، 2010



إقصاء المذاهب الفقهية‏...‏ لدي التنوير والسلفية المدعاة
بقلم: د.محمد عبدالفضيل القوصى 

قد يكون في هذا العنوان ما يثير الدهشة ويبعث علي العجب‏,‏ فكيف يتفق هذان الطرفان النقيضان ـ التنويريون وبعض أدعياء الانتساب إلي السلف الصالح ـ علي موقف واحد من التراث الاجتهادي الذي تعهدته ثلة باذخة من علماء الأمة بمذاهبه واتجاهاته حتي استوي علي سوقه‏:‏ رافدا من أعمق روافد العلم الإسلامي‏,‏ وأكثرها التحاما بواقع المسلمين؟

أفليس من الغريب أن يجتمع هذان الاتجاهان ـ وبينهما بعد المشرقين ـ علي إقصاء المذاهب الفقهية وإسقاطها من وعي الأمة‏:‏ رغبة في أن يحيدوا بها عن هذا الطريق المعبد الذي شيدته مدارس متعاقبة من المجتهدين والأصوليين والفقهاء ممن شهدت لهم الأمة بالعدالة والضبط‏,‏ والورع والاحتياط‏,‏ أولئك الذين كانوا يوقنون أنهم يتولون مهمة‏'‏ إيقاع‏'‏ حكم الله تعالي علي الناس‏,‏ ثم يضيفون إلي مهمة‏'‏ الإيقاع‏'‏ هذه‏:‏ مهمة‏'‏ التوقيع‏'‏ علي ذلك الحكم‏:‏ تحملا للحساب الإلهي عن تبعته؟ ومن أجل تلك المهمة المزدوجة اكتسبوا في أدبيات التراث الإسلامي تعبيرا محملا بالدلالات‏,‏ فهم‏'‏ الموقعون عن رب العالمين‏',‏ وما أجلها من مهمة‏,‏ وأخطرها من أمانة‏!

لقد أدرك هذان الطرفان المتنابذان أن إقصاء تلك المذاهب الفقهية وإزاحتها عن وعي الأمة هو السبيل الأوحد لكي تنفسح أمامهم فضاءات العبث بمكونات هذا الوعي ما شاء لهم العبث‏,‏ وفي سبيل ذلك فقد قام كل من هذين الطرفين ـ كل علي طريقته ـ وكل حزب بما لديهم فرحون ـ بمحاولة تشويه صورة تلك المذاهب الفقهية في الوعي العام‏,‏ فانصبت غضبة رهط من التنويرين علي الإمام الشافعي رضي الله عنه‏,‏ زعما منهم أنه يمثل‏'‏ أيديولوجية‏'‏ معينة يصدر عنها وينطلق منها‏,‏ وما كانت تلك الغضبة علي ذلك الإمام الفذ إلا لأنه قد أصل الأصول‏,‏ وقعد القواعد لهذا الفقه المذهبي‏,‏ لاسيما في كتابه الذي سارت به الركبان‏,‏ وهو كتاب‏'‏ الرسالة‏'.‏

أما أدعياء الانتساب إلي السلف الصالح فقد انداحت غضبتهم لتشمل من تمذهب بمذهب الشافعي واتبع آراءه الفقهية‏,‏ ومن اتبع فقه غيره من المذاهب الأخري التي ارتضتها جماهير الأمة بأسرها دون تفرقة بين مذهب ومذهب‏,‏ لأنهم باتباعهم للمذاهب الفقهية ـ في نظر أولئك الأدعياء ـ‏'‏ قد اتبعوا غير سبيل المؤمنين‏',‏ وانصرفوا عن الأخذ ـ مباشرة وطفرة ـ من القرآن الكريم والحديث الشريف‏',‏ دون أن يسأل هؤلاء الأدعياء أنفسهم سؤالا ابتدائيا بسيطا يسأله كل منصف‏:‏ فهل جاء هؤلاء المجتهدون بما يخرج عن إطار الكتاب والسنة قيد أنملة‏,‏ وهل جاء هؤلاء المجتهدون بشرع مستحدث‏,‏ أو دين جديد‏,‏ ألم يكن شعارهم جميعا هو الشعار الذي رفعه الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان‏,‏ ثم اجتمعوا عليه جميعا وهو‏'‏ إذا صح الحديث فهو مذهبي‏'‏؟؟ أم أن الهدف المستبطن من تلك القضية عند الطرفين جميعا‏:‏ هو إزاحة هؤلاء الأئمة العظام‏,‏ وإقصاء اجتهاداتهم واجتهادات تلاميذهم لكي يجلس هؤلاء وأولئك من الأمة مجلسهم‏,‏ ويحتلوا مكانتهم‏,‏ دون اعتضاد بمنهج راسخ‏,‏ أو استناد علي قاعدة رصينة‏,‏ وعندئذ يعيثون في أحكام الشرع تحليلا وتحريما‏,‏ استنادا إلي ثقافات العصور وسياقاتها المتحركة عند فريق يميل بها إلي الوقوع في براثن العلمانية لحمة وسدي‏,‏ أوأخذا بظواهر النصوص‏,‏ دونما وعي بدلالاتها ومقاصدها عند الفريق الآخر الذي يميل بها إلي الشكلية والحرفية والجمود وضيق الأفق‏,‏ وكل ذلك في جرأة مقتحمة واعتساف غشوم‏!‏
  • ولو أن هؤلاء الذين يدعون الانتساب إلي السلف الصالح قد عادوا بذاكرتهم إلي العصور الإسلامية الأولي لأدركوا أن كثرة كاثرة من المسلمين آنئذ لم يكن لديهم من ملكات العلم وقدراته وأدواته‏,‏ ولا من الجهد العقلي والتفرغ الذهني ما يستطيعون به الاضطلاع باستنباط الأحكام الشرعية مباشرة من مصادرها الأولي‏(‏ الكتاب والسنة‏),‏ ومن ثم فقد كانوا يفعلون ما أمرهم به القرآن الكريم في قوله تعالي اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما أمرهم به الرسول الكريم في قوله‏(‏ إنما شفاء العي السؤال‏),‏ فيلجأ أهل العراق إلي عبد الله بن مسعود‏,‏ ويلجأ أهل الحجاز إلي عبد الله بن عمر‏,‏ ويلجأ أهل مكة إلي عطاء بن أبي رباح وغيرهم من مجتهدي الصحابة‏,‏ دون أن يعمد أحدهم إلي اغتراف الأحكام واستنباطها من الكتاب والسنة مباشرة‏,‏ من غير أن تكون له المعرفة الدقيقة بطرق الاستنباط وأدواته وضوابطه‏,‏ ودون أن ينبري إليهم دعاة كهؤلاء الدعاة الذين ابتليت بهم الأمة في هذا العصر‏:‏ يتهمونهم في تسرع وجرأة بالانصراف عن الكتاب والسنة‏!
ولو أن هؤلاء الذين يدعون الانتساب إلي السلف قد أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن اتباع تلك المذاهب الاجتهادية إنما هو‏'‏ عين‏'‏ التمسك بالكتاب والسنة‏,‏ وإن اختلفت تلك المذاهب في استنباطاتها وتعددت في اجتهاداتها‏,‏ ولو أن تاريخ الأمة الفكري قد خلا من تلك المذاهب الاجتهادية‏,‏ فهل يكلف كل أحد أن يستنبط لنفسه أحكام نفسه بمجرد ترديده لصفحات كريمات من القرآن والسنة يتلوها دون أن يتأهب لفهمها ويعد للأمر عدته؟ أوليس في إهدار تلك المذاهب الفقهية إذن فتح لباب‏'‏ فوضي الاجتهاد‏',‏ وزج بالأمة في متاهات الحيرة والفرقة والضلال؟

وإن تعجب فعجب أن يئول سدنة التنوير إلي قريب من هذا المآل‏,‏ فهذا واحد منهم في مشرق العالم الإسلامي يبتدع تفرقة مصطنعة بين النص القرآني من جهة‏,‏ وبين ما أطلق عليه‏'‏ سلطة النص‏'‏ من جهة ثانية‏,‏ فالجماعة التي تتبني هذا النص تعتبره ـ كما يقول بالنص الحرفي ـ‏'‏ مملوكا ملكية استئثار‏'‏ لبعض العقول التي تمارس ضربا من‏'‏ الهيمنة‏'‏ علي عقول الجماعة عن طريق شروحهم وتفاسيرهم واجتهاداتهم‏,‏ ومن ثم تنقلب تلك الشروح والتفاسير والاجتهادات إلي‏'‏ نصوص‏'‏ ثانوية تماثل النص الأصلي قداسة ومهابة‏,‏ بل إنها سرعان ما تتحول ـ هي الأخري ـ إلي نصوص أصلية‏!!‏ ثم يتابع قائل آخر منهم في مغرب العالم الإسلامي قائلا‏:‏ إن مشروعه الفكري التنويري يرتكز علي‏'‏ تحرير‏'‏ النص الأول من قيود تلك النصوص الثواني ـ في جميع مجالات العلم الإسلامي المتشعبة‏,‏ فتلك النصوص الثواني ـ في زعم ذلك القائل ـ قد حجبت النص الأول وأسرته‏!
ويلفت النظر هنا مايلي‏:‏

أولا‏:‏ إن أصحاب هذا التصور لم يفعلوا إلا أن تمثلوا تاريخ الفكر الإسلامي وكأنه نسخة مكررة علي غرار الفكر الأوروبي في العصور الوسطي‏,‏ حيث أطبقت السلطة الكنسية آنئذ علي الرقاب والعقول‏,‏ باستغلال النص الديني والاستئثار المنفرد بشروحه وتفسيراته‏,‏ ومن ثم فإن دور التنوير الذي يطمحون إليه في الفكر الإسلامي هو دور‏'‏ التنوير الأوروبي‏'‏ ذاته في الدعوة إلي‏'‏ الفحص الحر‏'‏ الطليق‏,‏ حيث تتم الإطاحة بمكونات التراث جملة وتفصيلا‏,‏ وحينئذ تخلو الساحة لسدنة التنوير لكي يسقطوا علي‏'‏ النص القرآني‏'‏ ما شاءوا من زيف القول وزيغ الفكر‏,‏ وكأن تاريخ الأمة الإسلامية يأبي ـ في أذهانهم الكليلة ـ إلا أن يكون تابعا للتاريخ الأوروبي‏,‏ حتي في نكساته وسقطاته‏,‏ في تعميم ساذج وتبسيط مخل‏,‏ تأباه حقائق الواقع والتاريخ جميعا‏!

ثانيا‏:‏ إن أصحاب هذا التصور من التنويريين ـ ويا للدهشة ـ يفسرون سلوك أولئك المجتهدين الأجلاء‏:'‏ تفسيرا تآمريا‏',‏ وكأنهم شرذمة من الناس لا يحملون للقرآن الكريم مهابة‏,‏ ولا للسنة المطهرة مكانة‏,‏ ومن ثم فهم أعني أولئك المجتهدين لا يرون في الدين ـ تبعا لهذا التصور الكليل ـ سوي ساحة مستباحة‏'‏ يسقطون‏'‏ عليها بواعثهم ورواسب عصبياتهم التي تحركهم‏,‏ و‏'‏تلون‏'‏ اتجاهات تفكيرهم‏,‏ في غفلة غامرة عما تعج به سيرتهم من الورع والتقوي‏,‏ والخشية من القول علي الله تعالي بغير علم‏,‏ وعما يعتمل في صدورهم من قولة الصديق أبي بكر رضي الله عنه‏'‏ أي سماء تظلني‏,‏ وأي أرض تقلني‏..‏ إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم‏'!

ألم يلفت نظر هؤلاء ما حفظته لنا أدبيات التراث الإسلامي عن‏'‏ تدافع الفتوي‏',‏ حيث كان الفقيه منهم يدفع بالفتوي إلي غيره‏,‏ وهذا إلي غيره‏,‏ ظنا منه أنه بها أعلم‏,‏ ولها أحق وأجدر؟

ألم يلفت نظر هؤلاء ما فعله أحد أولئك المجتهدين الأفذاذ حين أفتي أحد السائلين عن حكم شرعي‏,‏ ثم تأمل في الأمر مليا‏,‏ فرأي في حكمه شيئا من التسرع‏,‏ فإذا به يبعث مناديا ينادي في الأسواق أياما عدة‏,‏ مصححا هذا الحكم‏,‏ أداء لأمانة العلم الشرعي‏,‏ وبراءة إلي الله تعالي من عهدة فتواه‏!‏




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق