الاثنين، 6 ديسمبر، 2010

أربعون سنة على حرب الإستنزاف:


زيارة لشهداء المقاومة المصرية للعدوان الصهيوني

قلت لسائق العربة الأجرة: إصعد بي إلى هناك.
شعرتها الكلمة "إصعد"، رغم أنني لاأعرف إذا كان الطريق صعودا أو هبوطا. أحيتني رائحتهم: أريج الزهور والفل والريحان وكانت معي أطواق الياسمين. لم أبحث عن واحد؛ كلهم ذلك الواحد الذي يعنيني: الذي جعلني أبتسم وأشرق بالدموع. كنت أسير شوارع القاهرة هبوطا كلها، وجهي كالح جاف والخسوف كامل يجعلنا لو نظرنا في قرص الشمس نعمى، والأرض الملتهبة ترفضنا: حزن أزرق مرشوق حصاة وسط القلب.

مجموعة القرفل أمامي لكني اخترت أطواق الياسمين ياحبيبي؛ لم أعنها واحدا بالذات حين نظرت إلى مجموعكم الممتد؛ "ياحبيبي" كلمة لاجمع لها: يا أنتم، يا وجهنا الجميل، حين طفت أتفقد أسماءكم اطمأننت: مجموعكم الممتد هنا هو ثمن أن ينفك عنا الإختناق ونتنسم الهواء فهاكم أطواق الياسمين يا حبيبي.

قال سائق العربة الأجرة: قريب لك؟
قلت: وأنت أليس لك قريب؟
قال: كلهم أولادنا.
قلت: نفس قرابتي ياولدي!
ضحك وضحكت وسارت بنا العربة صامتين حتى قال: لم تقولي "مقابر الشهداء".
ـ قلت إصعد بي إلى هناك.
ـ لذلك عرفت.
ـ كرهت أن أسميها مقابر.
ـ شواهد.
ـ نعم!

هبطت في ملقف الطرقات وعند المقهى لفحتني رائحة الموت وقالت لي محاجر العيون المتآكلة، ثمار غابة الشجر المر واللبلاب:
ـ لافائدة من شئ.
قلت وكفّي بها عبير الياسمين:
ـ الشواهد قالت لي غير ذلك.

هبطت هبطت حتى صعدت الدروب المنسية وتغلغلت في قرى الطمي، العيون التي أعطت سألتني :
ـ هل السماد طيب؟
العيون التي أعطت تقول:
ـ لايزال المزيد لدي.

قالت لي الشواهد: ابن قرية الطمي يعرف كم هي غالية الأرض ويفهم الأمر؛عدو يمنعه العلم والزرع والحصد.

في ملقف الطرقات حيث يكثر اللغط وتتحدث محاجر العيون المتآكلة بالموات؛ حيث لا تلطم الأكف إلا أوجهها ولا تطعن الأيدي إلا صدورها، في غابة الشجر المر واللبلاب حين همهمت ترنيمة الشهيد: "جابوا الشهيد جابوه، جابوا العريس جابوه..." أصمتوني في استهانة وبلادة: عزاء لاجدوى منه!

في حديقة الشواهد حيث حملت الياسمين وحيث غنيت وبكيت قلت للشواهد:
ـ حين أبكي أعرف أن أبتسم، حين نتعزى نعرف أن نتواصل، الصبر ليس سكونا؛ الصبر ديمومة تحريك الهواء حتى يتنفس الإختناق.

قالت لي الشواهد:
ـ لاجدوى في غابة الشجر المر واللبلاب: نحن قد أتينا من قرى الطمي ومن الدروب المنسية.
تمتمت:" يابلدي هاتي ماتعديش، عنا ولادك ماتخبيش".

قالت الشواهد: نحن لا ننتهي.
قلت: زرع القرون الطويلة لا ينخلع.
قالت الشواهد: وحين تذرونا العاصفة يشدنا الجذر.
قلت: وننبت أبدانا خضراء.
قالت الشواهد: الغصن الأخضر لا تحرقه النار.
قلت: الغصن الأخضر نقلب به الجمر:
"ياعود نبّت في أرضي وشب
وردة جديدة مروية بدم القلب"!

هناك تعليق واحد:

  1. صباح الكرامة يا أستاذتنا الغالية
    عساكِ بألف خير, اشتقنالك يا ستّ الكُلّ.
    استطعتِ ـ كعادتك ـ أنْ تسلبيني شيئًا هذا الصباح,دمعةً ساخنة,ليس فيها رائحة الحزن,و بالتأكيد,لا يشوب طعمها أي مذاق للفرح,إنّما أثر آخر غير هذا و ذاك,مثلك يعرفه جيّدًا.
    "جابوا العريس جابوه" ..أذكرُ ,كنتُ صبيًّا عام 80 وكانت المقاومة على أشدّها في لبنان, عرب و عجم,كانت المقاومة الفلسطينية و جبهة المقاومة اللبنانية و أحزاب وطنية أخرى,تضمّ أحرارًا من شتى بقاع الدنيا,يقابلهم على نفس الأرض,جواسيس من أنحاء العالم الأربع جاؤوا ليعينوا ذاك الإحتلال البغيض الذي كان يزحف من الجنوب باتجاه بيروت وصولًا إلى اجتياحها عام 82. كان لقريبتنا أم ابراهيم ,الساكنة في إحدى القرى العالية على جبال الساحل السوري,ابنًا شابًا انضمّ إلى "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" ,كانَ "رئيف" مُقاتلًا متمرّسًا شديد البأس, لا يرضى بأقلّ من فلسطين,من البحر إلى النهر.في ذاك اليوم ,استشهد رئيف في عملية نوعية قرب مدينة "صور" الجنوبيّة,مع كامل المجموعة المقاتلة,و كانوا عشرة (أذكر تمامًا صورهم على المُلصَق :كان بينهم عراقيّ و تونسي والبقيّة من فلسطين و لبنان و سوريا ),و جاء قائد فلسطيني من الجبهة إلى أبي طالبًا منه أن يرافقهم إلى قرية أم ابراهيم ليوصلوا الجثمان,كنتُ قرب أبي و نحن ندخل بيت أم ابراهيم و الجثمان في الخارج والناس تجمّعوا بأعداد كبيرة, كان أبي قد أرسل من يخبرهم بالأمر و أن يستعدوا للدفن, صُعقت وأنا أرى أم ابراهيم تزغرد,تلك الأم الأميّة التي لا تعرف كيف تقرأ اسم ابنها "الحَرَكيّ" المكتوب على المُلصقات المنتشرة على السيارات أو على التابوت تحت العلم الفلسطيني. صرتُ أرتجف و هي تزغرد بصوت عالٍ,يومها لم أستوعب الأمر أبدًا.و الذي آلمني أكثر,أنّ رفيق ابنها قال لأبي,اعمل على ألاّ يطلبوا فتح التابوت,كي لا نواجه مشكلة ,فالشهداء جميعًا دفنوا تحت أنقاض المبنى الذي تواروا فيه بعد العملية,والوصول إليهم و إخراج ما تبقى من أجسادهم,أمر مستحيل, و ليس في هذا التابوت سوى بعض أشياء ابنها و علم فلسطيني.
    ظلّت أم ابراهيم تزرع الورود و الياسمين فوق ذاك العلم ,حتى رحلت في التسعينيّات. و ما منْ أحد أخبرها بحقيقة الأمر. لكني أدركتُ بعدها,أنّ ما تعرفه أم ابراهيم,هو غير ما نعرفه جميعًا,كان لديها يقين,و كان لدينا معلومات لا تُقدّم و لا تؤخّر.
    ـ تذكّرتها هذا الصباح بعد أن قرأتك هنا .تذكرت الأمر كلّه و كأنه يحدث الآن, أكاد أسمع زغاريدها,عالية ,لدرجة أنّي أرتجف ,كما لو كنت ذاك الصبي عينه.

    ردحذف