الأربعاء، 11 يناير، 2012

من سجلات التشويش
وعادت الهلّلولة؛ "الفن والإسلام"، كأننا على مدى 15 قرنا من الزمن الإسلامي لم نشيّد أجمل آثار الإبداع في كل أفرع  فنونه بما لايخطر على بال الزاعقين بالجهل؛ المنادين بفصل "الدين عن الفن" حتى يأخذ حضراتهم راحتهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف!

إنهم لا يملون، ولا يزهقون، ولا يتوقفون أبداً عن التحرش بالإسلام، تحت غطاءات مختلفة، وأحياناً من دون غطاء. إنهم يتعمدون الاستفزاز، الذي يولد الفعل غير المسؤول، والذي يدفعنا، أحياناً، إلى تكرار البدهيات، لإنعاش الذاكرة، وأحياناً أكثر إلى وضع لباب العيش في آذاننا حتى لا ندور وراءهم مستدرجين إلى المراء الفارغ. أعود إلى عدد «الأهرام» 2/1/2006، بالصفحة 12 وأنقل عنوان «المثقف ومثلث الحصار»، و«مثلث الحصار» هو اللافتة القديمة «ثالوث المحرمات»، التي ترى السياسة، والدين، والجنس، عوائق تمنع «حرية» الإبداع. والمقال المذكور، مثل غيره من تراث المتكلمين عن «الثالوث» السالف ذكره، يتدلل على «السياسة» ويتعلق برقبة «السلطة»، يزغدها زغدة ويقبلها عشراً، وهو متدفئ في حضنها، توطئة لتسديد القبضة للضرب العنيف على ما أصبح يسمى: «المؤسسة الدينية». ولأن الأزهر الشريف قد أخذ  حماية مؤكدة من السلطة السياسية، لذلك أصبح لازماً على الأساتذة، الخاطفين للساحة الثقافية في مصر، أن ينوهوا بأدب إلى أن المقصود ليس «الأزهر الشريف». ما هو المقصود إذن؟ المقصود في هذه المقولة العامة الهلامية، التي يمكن أن تسدد إلى كل صوب: «... ذلك الاتجاه المتزايد لاعتبار الدين هو المرجعية الأولى والأخيرة في كل شيء...»، أما ما هو توصيف هذه «المؤسسة الدينية»، التي ليست «المؤسسة الرسمية أي الأزهر الشريف»؟ فإنها: «...علاقة هذا الاتجاه الديني مع رجال الثقافة والفكر» التي «لا يمكن أن تكون علاقة جدل وحوار، فرجل الدين يرى الأشياء دائماً بمنظور الحق والباطل، والحياة السياسية لا تقوم إلا على الرأي، والرأي الآخر...»، ومع تصحيح مقولة "رجل الدين" إلى ما نعرفه في إسلامنا بـ "عالم الدين"، أقف لأفهم هذه الجملة البهلوانية، التي تتكلم عن علاقة الاتجاه الديني مع «رجال الثقافة والفكر» والتي لا يمكن أن تكون علاقة جدل وحوار، ذلك لأن «رجل الدين يرى الأشياء دائماً بمنظور الحق والباطل»، ثم حين نتوقع أن نقرأ تكملة المقارنة بجملة «والحياة الثقافية...إلخ»، نجد التكملة قد شطت وعادت إلى «والحياة السياسية لا تقوم إلا على الرأي والرأي الآخر»! وعندما نتغاضى عن مصطلحات مغالطة وخطأ مثل «رجل الدين» و«رجل الثقافة»، إذ أن معظم تراثنا الإسلامي يوحد تماماً بين «عالم الدين» و«رجل الثقافة»، لا يمكننا أن نمرر تعارض «منظور الحق والباطل» و«الرأي والرأي الآخر»، فما «الحق» و«الباطل» إلا «رأي» و«رأي آخر»، أليس كذلك يا أولى الألباب أم ماذا؟

لقد تمت «المحاصرة» فعلاً من قبل أقل الناس علماً وثقافة وأدباً، وأصبحوا هم، رغم أقليتهم الضئيلة، الأعلى صوتاً ونفيراً، مما جعل العقلاء وغالبية الناس، القابضة على عقيدتها الإيمانية، تدير ظهرها للصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية، إلا من رحم ربي، حماية لآذانها واتقاء للتحرشات المسؤولة عن ردود الأفعال التي لا تملك كبح جماحها أمام الاستفزازات المستمرة، والتي وصلت في بلادنا حد الحديث عن حقوق «المثليين»، نعم هذا حدث بالفعل ومن لا يصدقني أسوق له هذا المثال من عدد مجلة مصرية،(احتفظ باسمها ولدي نسخة من عددها)، حين قالت يومها من قالت (صفحة 116)، في موضوعات «الهوية والأديان»، إن مسرحنا لا يستطيع مناقشة: «... بعض الحقوق التي أصبحت في العالم الغربي، مثل المثلية الجنسية والتي يمكن أن يعبر عنها في مسارح أوروبا، بينما في مصر لا نستطيع مناقشتها على خشبة المسرح بالرغم من وجود مثليين في مصر، فلدينا قدرة غريبة على القضاء على حرية التفكير والتعبير المسرحي بفكره وجسده...»، ثم أفادت: «على المسرح أن يتوسع عبر البصر ويتخلص من الحياء الذي يلازمه وأن يتحرر من فكرة العيب المتأصلة تماماً منذ الطفولة في ثقافتنا العربية...». وكان هذا تقريباً ما أوصى به المقال المنشور في 2/1/2006 بجريدة «الأهرام» وأشار إليه بمصطلح «تقاليدنا الشرقية» التي علينا التخلص منها!

والله أنا زهقت ومليت، لكن لا يجوز أن نكون «كصاحب الحوت»، ولنصبرن بتسبيح «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين».



هناك تعليقان (2):

  1. على ذكر الطفولة و القيم المتأصلة فينا

    في أول يوم من العطلة الصيفية كنت أتوجه إلى قريتي ،كمعظم أطفال الجزائر ، آذاك ،المقيمين بالعاصمة قريتي جميلة جدا ،واحة داخل غابة نخيل.
    في اليوم الموالي لوصولي وفي الصباح الباكر كنت أعرف ما ينتظرني، تقليد يتكرر كل سنة وبنفس الأسلوب و بنفس الطريقة وحتى التفاصيل الدقيقة، أجد أمي ،أطال الله في عمرها، قد حضّرت إبريق الحليب عادة يكون حليب الماعز، بعدما تكون قد انتهت من إعداد الكسرة وبجانب ذلك " اللوحة " و " الدواية " و " الصلصال" والقلم المصنوع من القصب .
    هذه الأشياء مجتمعة لا استطيع حملها بمفردي وأنا طفل صغير ،تلميذ في المرحلة الابتدائية ،فكانت أمي تنادي احد الجيران لمساعدتي .عادة أحمل إبريق الحليب والكسرة الملفوفة في قطعة نطلق عليها ،المنديل منسوج من الصوف ملون يغلب عليه اللون الأحمر ،أما من يرافقني فكان يحمل البقية، بعد مسافة قصيرة نصل إلى مسجد القرية الذي أعرفه إنه مسجد سيدي عبد الحفيظ وهو واحد من عدة مساجد في القرية
    عندما أصل باب الجامع الجميع ينظر إلي يعرفوننا و أعرفهم نفس التلاميذ الذين كنت معهم الصيف الماضي يجلسون في نفس أماكن العام الماضي الأطفال في جهة و البنات في الجهة الأخرى أتقدم إلى معلم القرآن الشيخ سي محمود ،لا يزال على قيد الحياة أطال الله في عمره ،أضع أمامه إبريق الحليب والكسرة و الملفوفة في المنديل الأحمر الشيخ سي محمود يرحب بي ويسألني نفس أسئلة العام الماضي
    بعدما يتناول الشيخ سي محمود الحليب والكسرة يوزع بقية الكسرة على التلاميذ ويطلب منا الاستعداد للإملاء كل واحد يمسك اللوحة وبعد كتابة البسملة على رأس اللوح كل واحد ينطلق من السورة الموالية .

    كانت الدراسة مقسمة إلى فترتين صباحية ومسائية التي تنتهي قبل صلاة العصر فنسمع الشيخ ما حفظاه نمر أمامه واحد واحد وتكون اللوحة في وجه الشيخ وهنا لا نسمع إلا كلمتين من الشيخ لا ثالث لهما إما كلمة امحي أو ما تمحيش عندها. نذهب إلى الساقية المحاذية للمسجد مسرعين متسابقين وعلى حافة الساقية يكون البنات في جهة و الأولاد في الجهة الأخرى فنمحي اللوح بالماء ثم نصقلها بالصلصال ثم نعود إلى المسجد لنضع اللوح فنجدها في الصبا ح ناشف ونعيد الكرة
    هكذا تكون الدراسة طوال الأسبوع أما يوم الجمعة فنحضر في الصباح من أجل ما نسميه " التكرار"
    أي قراءة مجموع من الأحزاب يراعي فيها الشيح مستوى التلاميذ فيبدأ من أعلى ما وصل إليه الحفظ ويبدأ العد التنازلي وبعد انتهاء التكرار نختم بشيء لم أكن أفهمه لكني حفظته بالتكرار ولم يتسنى لي فهمه إلا لما كبرت وهذه ما بقى في الذاكرة
    كلام قديم لا يمل سماعه / تنزه عن قول و فعل ونيتي
    به اشتفي من كل داء ، /و نوره دليل لقلبي عند جهلي و حيرتي
    فيارب متعني بسر حروفه / ونور به قلبي وسمعي ومقلتي
    وهب لي به فتحا و علما / وحكمة وآنس به يارب في القبر وحشتي
    وصل و سلم كل يوم وليلة \ على من به الرحمن يقبل دعوتي
    كلام كنت اكرر مع المكررين في الجامع لكن لم أكن أفهم معناه
    هكذا كان يعلمني الشيخ سي محمود في قريتي ولما تنقضي عطلة الصيف أعود في الخريف إلى العاصمة أجد معلمتي الفرنسية ،مادام بيرو، في انتظاري فتعلمني شيئا أخرا لازلت أحفظه أيضا
    Frère Jacques, Frère Jacques
    Dormez vous? Dormez vous?
    Sonnez les matines,
    Sonnez les matines,
    Ding ding dong
    Ding ding dong
    الشيخ محمود حماني من العلمانية المتطرفة
    و المعلمة الفرنسية، مادام" بيرو" حمتني من الأصولية المتطرفة

    ردحذف
    الردود
    1. طيب الحمد لله جمعت الفخر من أطرافه! ولو أننا حفظنا فريرو جاكو دورمي فو من غير الفرنساوية، جاءتهم داهية هم والإنجليز في ساعة واحدة والأمريكان فوق البيعة!

      حذف