الجمعة، 12 نوفمبر، 2010

مأساة جيل الستينيات من القرن العشرين

 إنه الجيل الذي خُدع، و لأنه مجنيٌ عليه أصبح جانيا، مثل الذي تحول إلى مصاص دماء بعد أن مص رقبته مصاص دماء أصلي!

  كانت 23 \ 7\ 1952 في بدايتها، حينما كان أبناء هذا الجيل في سن المراهقة يحملون أحلاما بتغيير ثوري، توقعوه منها، ينقذ البلاد من نظام فاسد؛ من كوارثه الكبرى هزيمة عسكرية مروعة عام 1948 تسببت في نكبة فلسطين وقيام كيان صهيوني غاصب، ولايلام جيل الستينات  على ذلك، فقد تعلم  تعليما موجها، قبل إدراكه أن الخاطفين لحلم التغيير الثوري جهلة ومتعالون؛ ينطقون الأخطاء بزهو شديد ثم يتم تبريرها بحيث تبدو "كلاما كبيرا" سليما، حتى حانت لحظة اكتشاف حقيقة هذه المجموعة الحاكمة والمسيطرة التي تمص دماء من لا يطاوعها  وتنكل به ليصبح مثلها، ولم ينج منها إلا من رحم ربي.

 هذا الجيل هو الذي ولد بين عامي 30 و1940 ولأنه نشأ في عصر الفجوة بين الشعارات السياسية والواقع، والفجوة بين المصطلحات الثقافية والمتلقي، سادت ظاهرة من يقول كلاما لا يفهمه الناس، وهؤلاء ساعدوا على جعل الفجوة أخدودا.

 بسبب تعرض هذا الجيل للفكر الماركسي بكل أطيافه، الذي ساعدهم على الرطانة، تولدت الإزدواجيات ومايمكن أن نسميه شغبا فكريا، بالإضافة إلى من اجتذبهم الفكر الغربي الإلحادي وعرفوا تاريخهم عن طريق المستشرقين وأغرتهم معارفهم المزيفة لتحقير تراثهم فأصبحوا مفكرين غير مفكرين، وروادا غير رواد، لايزيدون عن كونهم "خايلة كذّابة" أي جعجعة بلا طحن، تفاقمت مع مرحلة نقد الذات والتنكيل بالذات التي لم تكن ذاتا بالأصل.

هذه مأساة جيل الستينيات، وسبب المتاهة التي مازالت تعيش فيها البلاد.

هو جيل اضطهد نفسه، والذي تميز منه يكره نفسه ويكره زميله الذي تحسنت أحواله، ولا يتعاطف مع زميله الذي تنكست أعلامه.

 في جيل الستينيات كان هناك مايمكن أن نطلق عليهم "جنود الحلم الثوري" وهم الذين اكتشفوا الزيف السياسي فعبروا عنه لكنهم اتفقوا على الرفض ولم يتفقوا على الحلول؛ فاختلطت عليهم الامور، بالاضافة إلى تأثر بعض أبناء هذا الجيل بأفكار الجيل السابق عليه؛ المناوئة للفكر العربي والإسلامي. ولا ننسى هنا مسئولية الماركسية ودورها في صناعة  هذه المتاهة، فصبغة الستينيات الرئيسية كانت الصبغة الماركسية التي ضللت هذا الجيل، مع أنه لم يصبح  جيلا ماركسيا بالتمام سوى أن الضجيج العالي كان صرخة ماركسية خائبة لم توصلنا لشيء ولم تحارب سوى نفسها والأفكار الإسلامية وألقت بيننا العداوة والبغضاء.

 وصف التحولات السياسية في حياة أبناء هذا الجيل بالانقلابات غير دقيق فهي تحولات جاءت بسبب محاولاتهم تصحيح نتائج اندفاعهم وراء الوهم، والإنسان لا يستطيع أن يؤيد الوهم  طويلا، فأنا مثلا، واحدة من هذا الجيل، لم اكتشف الخديعة الناصرية إلا في نهايتها، بداية من 1968 بعد النكسة، عندها جرؤت على تسميتها بالخديعة، لأني كنت قد تصوّرت أن جنود الحلم الثوري يستطيعون أن يدافعوا عن حلمهم، لكننا تبيّنا، متأخرا، أننا خدعنا وأننا سرنا في زفة كنا فيها: الأطرش!

هناك 3 تعليقات:

  1. سلام عليكم اجدتي وصف المرحلة وقد كنت احاول دائما ان ابحث منذ متي بدانا نتخلي عن ثقافتنا العربيه واللجوء الي ثقافات اخري لنتكلم بلسانها ونعبر عنها وهي لاتعبر عنا ولا عن هويتنا *
    افادك الله شيدتي فانتي تعلمينا ومانفع علمك لنا
    جعله الله لكي ذخرا تحيه طيبه

    ردحذف
  2. كل عام وانتى بخير يا استاذة
    جميل تعبير التحول الى مصاص دماء بعد قيام مصاص الدماء الاصلى بامتصاص دمه.
    لكن سيدتى الحقيقة انهذا الجيل هو من كان يملك الفرصة للاصلاح اكثر من اى وقت بعد النكسة وفرصة الحرب المباشرة مع العدو ولكنه اكتفى بانتهاء الحرب وبعد بضع سنوات كان صفوته فى المجموع قد خفت وانطفىء
    لقد جنى هذا الجيل فى معظمه على الاجيال التالية
    فهو قد القى براية الجهاد والاصلاح ولم يسلمها للجيل الذى يليه وعندما ادرك الجيل المتاخر ان هناك راية مفقودة وان هناك اصلاح مطلوب بحثوا عن الراية ولم يجدوها مهما كان المبرر يا سيدتى فقد باع هذا الجيل فى مجموعه الراية وباع اولاده واحفاده وباع وطنه بثمن بخس ..ااسف لذلك ولكنك سيدتى تعلمين ان جيل الستينات
    رغم انه كان مجنيا عليه من مصاص دماء الا انه اعجبه التحول الجديد ولم يحاول الخلاص منه واصبح يحمل صفة مصاص دماء اصلى فماذا يفعل الضحايا؟؟
    دمتى لنل بخير

    ردحذف
  3. بسم الله الرحمن الرحيم

    بارك الله فى قلمك استاذة صافيناز .
    المشكلة ان البعض يريد الان تصوير حالة التيه التى عاشتها الامة فى حقبة الستينات على انها المرجعية العليا لها , وما عاداها دخيل مصحوب بالهجرة المصرية الى الدولة النفطية .
    اتصور ان المشكلة التى عاشها جيل الستينات يعيشها جيلنا الحالى بصورة اكثر عنفا وقسوة .

    ردحذف