السبت، 20 يوليو، 2013

أصل التوحش الطافح على كل الألسنة

مرض الجّـــنكزة! 

 أستغرب جدا التوق إلى أساليب الإستبداد والتوحش تحت زعم إستعادة هيبة الدولة؛ هذا الذي أسميه "مرض الجنكزة"، نسبة إلى السفاح التاريخي الشهير جنكيز خان!
المدهش أن هذا التوق يصدر معظمه، بإلحاح وتحريض، من كتاب ومثقفين يرفضون توخي الحذر (وهو مطلوب) من سوء التقدير وظلم الناس ويسمونه: "رخاوة"! فنرى هذا يهيب  بـ"العين الحمراء"، وتلك تنادي بالإعدام العلني وتطبيق قانون الطوارئ، وذاك ينظر في المرآة ويصافح نفسه مبديا المصالحة مع "الآخر"، بينما هو في نداء متواصل للضرب "بيد من حديد" لقمع "الآخر" الفعلي الكائن خارج مرآته!

 الحزم شئ و"العين الحمراء" شئ آخر فهي: الترويع،  تطبيق القانون غير"الضرب بيد من حديد" الذي هو: تجاوز عدل القوانين؛ ومثل هذا التوجه الإجرامي هو ما إقترفه حبيب العادلي بالمشاورة مع رموز الزمن الإستبدادي وقد رفضته جموع الشعب المصري منذ 25 يناير حتى أسقطته 11 فبراير 2011.

 "العين الحمراء" و "الضرب بيد من حديد" هي التي شنقت بجبروتها  الشابين الشهيدين العاملين المعدمين "خميس" و "البقري" في 17 أغسطس 1952 بتهمة تزعم مظاهرة عمالية ( وإن كانت لتأييد حركة الضباط والقائد العام محمد نجيب)!،"العين الحمراء" و"الضرب بيد من حديد" هي التي سمحت لجمال عبد الناصر الإفتخار بإعتقال 18 ألف مواطن في ليلة واحدة عام 1965، وهي التي زيّنت لمحمد أنور السادات إعتقال 1536 شخصية في فجر ظالم، من أقطاب الثقافة والسياسة والدين والرأي فيما اشتهر بمصطلح "هجمة إعتقالات سبتمبر 1981"، وكانت عاقبتها قتل فاعلها بعين أشد إحمرارا ويد أثقل حديدا!

 فالإفساد والبربرية والدموية، قلّت أو كثرت جرم وظلم وحرام، ومن قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، وإذا كان هناك من يرفع  صوته افتخارا بفرعون وقورش والحجاج، ويعظم نابليون بونابرت، ويحتفي بمحمد علي باشا، الذي ذبح ضيوفه من المماليك على مائدة طعامه، وهم عزل بعد أن خلعوا أسلحتهم احتراما لعهد الأمان، ونجد في ذكرى مرور 200 سنة على عهده الأسود، من يبرر له جريمته الشنعاء ويسميها "الجريمة الرائعة" ليعطيه الحق والعذر مع لقب باني مصر الحديثة التنويرية، وإذا كان هناك من لا يزال يرى في صدام حسين وعبد الناصر وحسني مبارك وأمثالهم ايجابيات تعوض جرائمهم ضد الإنسانية، وتخول لهم اغتيال كرامة الوطن والمواطنين واهدار فرص النهضة والتحرر الحقيقي من ذل التبعية والجهل والفقر والمرض، وتبرئتهم من مسؤولية ما كنا قد وصلنا إليه من خنوع واستسلام وانسحاق، وضياع وخراب والتباسات وانكسار تحت أقدام احتلال الهيمنة الأميركية المتوحشة، التي توغلت في حشايانا مثل الإيدز والسرطانات المفترسة، ترى الظلم فينا عدلاً، والاستباحة أمنا، والانتهاكات أمانا، ولا تفتأ تذكّرنا بأن عصابة الكيان الصهيوني هم أبطال السلام وصنّاعه، فلماذا لا يبرز وجه جنكيز خان ، بل ومعه قريبه هولاكو وجها رائدا في منهج المطالبين بالعين الحمراء وسياسة الضرب بيد من حديد في مواجهة الشعب المصري و مطالبات أبناء ثورته؟

لقد كان جنكيز خان، 1155 ـ1227م، وثنيا همجيا لم تهذبه عقيدة سماوية عُليا، ولم يدّع انتماء لأفكار حضارية حرة ثوريه ديمقراطية مدنية تنويرية حداثية إنسانية.. الخ الخ.

لقد تربى جنكيز خان على قيم مجتمعه القبلي الجاهلي البربري ليكون وحشا كاسرا، يعلو قدره كلما اثبت قوة ساعده في البطش والسحق وسفك دماء من يعارضه أو يعترض طريقه. وعندما اجتاح ديار المسلمين منهيا دولة خوارزم الإسلامية الكبرى، كان يسأل الناس ما هو دينكم وماذا يقول؟ وعندما يسمع منهم الإجابة: «ديننا الإسلام الذي هو كذا وكذا»، يتلفت حوله ويرد متهكما: «لا أرى أنكم تقيمون دينكم، أنا نقمة ربكم عليكم»!

عندما كنت، في العهد الساداتي، معتقلة ظلما في سجن القناطر للنساء يناير 1975، مأخوذة بقسوة من رضيعتي،" نوارة الإنتصار أحمد فؤاد نجم"، قبل الفطام، سمحوا لنا باستعارة بعض الكتب من مكتبة السجن، ووقع في يدي كتاب رائع عن جنكيز خان، نسيت عنوانه واسم مؤلفه، وهالني، أو عزاني، ما جاء فيه من تفاصيل عن السياسة التي اتبعها لينجز ابادته لأهل خوارزم، وهو يجوس خلال ديارها، إذ كانت كل قرية تسمع أخبار المذابح التي تحدث في القرية الملاصقة، تحكيها وتأسف لها، لكنها كانت لا تفعل أكثر من مصمصة الشفاه، وتعقد العزم على «حكمة» عدم المقاومة لتتجنب الإبادة، حتى يأتي دورها، فيفعل بها السفاح تماما مثلما فعل بجارتها السابقة من افساد وقتل وذبح وهدم للمساجد وتدنيس للمصاحف.. وهلم جرا... إلى ان زهق السفاح من جهد القتل والإبادة بنفسه فقرر ان تتكفل كل قرية بقتل نفسها بنفسها، فكان يدخل القرية ويستدعي سادتها وكبراءها وأعيانها (ومثقفيها وكتابها وشعرائها بالطبع) ويطلب منهم ارشاده على كنوز القرية المخبوءة، ثم يكلفهم بذبح أهلها، فيسارع هؤلاء السادة والكبراء بالاستجابة، ومن فورهم يذبحون أهل قريتهم بأيديهم مع التفنن والإتقان وابتكار منطق لتبرير الجرائم، حتى يحظوا باعجاب جنكيز خان، متصورين أنهم بهذه الطاعة الفاسدة سوف ينجون من بطشه، ولكنهم ما يكادون يفرغون من عملهم الإجرامي البشع، حتى يبتسم جنكيز خان في رضا، ثم يأمر جنوده بالاجهاز على هؤلاء السادة، الذين بقتلهم ذويهم يكونون قد اختصروا لجنود جنكيز خان مهمة القتل الشاقة إلى قتل عددهم الضئيل!

ولقد امتدت الموجة المغولية وابنة عمها التترية، بعد جنكيز خان على يد هولاكو، 1217 ـ 1265م، تهلك الحرث والنسل حتى أوقفها «قطز»، بطل دولة المماليك المصرية، بانتصار عين جالوت عام 1260م.

اعتنق المغول والتتار الإسلام فيما بعد، لكن «الجنكيزية» بقيت رمزا للتوحش والهمجية، لا نراها فقط في طغيان الدول وجبروت الحكام، لكننا نجدها نزعة ظلم غاشم موجودة عند الكثيرين بنسب متفاوتة، بل ونلاحظها عند بعض المثقفين والكتاب والأدباء والمفكرين الذين يزعمون في ندواتهم ،من دون حياء،  رفضهم الصارخ للظلم وكبت الحريات بينما طفح مرض "الجنكزة" يغطيهم من الرأس إلى القدم!

      


هناك تعليق واحد:

  1. على ما يبدوان مصيبة مصر منذ قديم أن نكبتها في نخبتها .. دائما ما كان المثقفين أياد الجبارين للبطش بالناس واعتقد ان هيكل ومصطفى بكري ومن على شاكلتهم زينوا للعسكر عملتهم واتعجب أي مصلحة شخصية لهؤلاء تبرر ما نحن فيه وما نحن مقبلين عليه .. ولكنى بصراحة أرى في عموم الشعب المصري شيء من العنصرية والسادية والشوفونية تتماشى مع سلوك قادته .. لم يعد الدم المسال فى الشارع ولا اعلانات التسول التي تصنعها الامارات من اجلنا ولا سباب المتدينين عموما في مسلسلات رمضان ولا حكم عسكرى مستبد ولا شرطة قذرة .. لم يعد كل ذلك يضايق عموم الشعب .. كل ما اعرفه اننا على ابواب حقبة لا يمكن ان تفرز خيراً فهل المثقفيون والثوار واعون لهذا وراضين به ؟؟ ام مخدوعون في العسكر وهو ما استبعده ؟ العلم عند الله والحل عنده أيضاً

    ردحذف