الثلاثاء، 13 أغسطس، 2013

إعادة للإفادة مقال تم نشره بجريدة الشرق الأوسط 19 ديسمبر 2003 هدية لألي الألباب







وهم الخلط بين الحجاب والخمار

مرة اخرى يتم سحبنا إلى مناقشة بدهيات، وأمامي مقال كتبته منى الطحاوي في «الشرق الأوسط» (2003/12/14)، تحت عنوان «هوس الحجاب وتضليله ما بين المسلمين والغرب، كم من جهد بذلناه لتأكيد اهمية غطاء الرأس على حساب حقوق المرأة في القرآن»، ومقال آخر كتبه أحمد بهجت في زاوية «صندوق الدنيا» بجريدة «الاهرام» في اليوم نفسه، يعلق فيه على القانون المزمع اصداره في فرنسا لمنع ارتداء «الحجاب» و«قلنسوة اليهودي» و«صليب المسيحي»، وقد أفاد المقال بأن مسؤول مسجد باريس سيطلب من الفتيات المسلمات احترام القانون عند اصداره، لكنه سيطالب بمهلة للتنفيذ.

في البداية أكرر توسلاتي إلى حضرات الجميع بعدم الخلط بين مصطلح «الحجاب» و«الخمار». فالسائد الذي تلتزم به المرأة المسلمة هو «الخمار» وليس «الحجاب»، تنفيذا للأمر القرآني الواضح في سورة النور آية رقم 31 والتي جاء فيها: بسم الله الرحمن الرحيم «وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن..» إلى نهاية الآية الكريمة. وسورة النور تبدأ بالآية الكريمة: «سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون»، صدق الله العظيم. أما ما ورد عن «الحجاب» وهو في الآية رقم 53 من سورة الأحزاب خاص بزوجات الرسول أمهات المؤمنين: «واذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا، إن ذلك كان عند الله عظيما».
وبناء على هذا الفرق بين «الخمار» و«الحجاب» قال العلماء ان «الحجاب» ليس مفروضا على المرأة المسلمة لكنه خاص بزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك حين يعني الاسدال الكامل من الرأس حتى القدم واخفاء الوجه. لذلك يتم الخلط، وتقع المغالطة حين نقول على من تظهر الوجه والكفين وتكتفي بغطاء الشعر انها «محجبة»، فتجد الاصوات الجاهلة أو المغرضة فرصتها لتقتبس قول العلماء، عن خصوصية «الحجاب»، وتخرجه عن سياقه ودلالته وتدعي أن «الخمار»، الذي تمت تسميته زوراً بـ«الحجاب»، ليس الزاميا ولا أهمية له. (في ذلك قال جمال الغيطاني وأفاض!).
الملخص المفيد:
1 ـ «الحجاب» ليس «الخمار».
2 ـ «الحجاب» غطاء للوجه مع سائر البدن. وهو فرض على زوجات الرسول الكريم، ونافلة تطوع لمن تحب وتختار الاقتداء بهن، ومن تخلعه غير آثمة لأنه ليس «فرضا» عليها.
3 ـ «الخمار» أمر ملزم للمسلمة المؤمنة بنص الآية رقم 31 من سورة النور. وهو «فرض» و«فريضة» على كل مسلمة مؤمنة الالتزام به شرعا، فالتخلي عنه معصية وإثم، ولا مجال فيه «للاختيار» وفقا للآية الكريمة رقم 36 من سورة الأحزاب: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا».
4 ـ بناء على ذلك لا يجوز لحضرة إمام مسجد باريس، أن يأمر المسلمات بطاعة قانون شيراك والخضوع له ومخالفة قانون الشريعة الإسلامية. وعلى المسلم الذي تضيق به السبل ويرغم في بلد ما على عصيان عقيدته، أن يذهب إلى مكان آخر يمارس فيه حريته الدينية الكاملة، اتباعا للآية الكريمة رقم 97 من سورة النساء: «إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم، قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا». وإذا كان هناك احتجاج بأسباب ومصالح مادية، فهناك وعد الله سبحانه وتعالى في الآية 28 من سورة التوبة: «وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم».
5 ـ إن القانون الفرنسي، المزمع اصداره، يساوي في الحظر بين ارتداء الصليب، وقلنسوة الرأس، وغطاء الشعر. وهذه المساواة غير عادلة فارتداء الصليب عند المسيحي مثل ارتداء المسلم حلية ذهبية أو فضية على هيئة مصحف او آية قرآنية. وعدم ارتداء هذه الحلية، وإن كان يمس الحرية الشخصية والرغبة النفسية، الا أنه لا ينتهك «فريضة» في عقيدة المسيحي أو المسلم. وكذلك ارتداء القلنسوة عند اليهودي أمر مستحب، لكنه ليس «فريضة» تضعه في خانة العصاة لو لم يرتدها. بينما «الخمار» ـ غطاء شعر المسلمة ـ «فريضة» لا يجوز لها شرعا مخالفتها، فهل هذا عدل؟ أم اضطهاد صريح لدين بعينه هو «الإسلام» في دولة تدعي حرصها على «حرية المعتقد»؟
6 ـ تقول منى الطحاوي: «وقد كنت دائما على دراية بأن غطاء الرأس ليس مقتصرا على الإسلام بالطبع، فهناك نساء من أديان اخرى يغطين رؤوسهن أحيانا. ولكن عندما قرأت أعمال الباحثات المسلمات من أمثال فاطمة المرنيسي وأمينة ودود وليلى أحمد، بدأت الاعتقاد بانني يمكن أن اكون مسلمة متمرسة من دون ارتداء الحجاب. فكل هؤلاء النساء قد أشرن إلى الأسس الثقافية وليس الدينية المتزمتة للحجاب، وتوغلن من دون تردد في دراسة التفسيرات والتقاليد الدينية التي تفضل الرجال».
هذا المقتطف من كلام منى الطحاوي لم يزل يحمل بصمة الخلط بين «الخمار» ـ غطاء الرأس ـ وبين «الحجاب». وانا لا أدري كيف استطاعت هؤلاء النساء المذكورة اسماؤهن، أن يدخلن البغل في الابريق، بحيث تم اقناع منى الطحاوي بأنها يمكن أن تكون «مسلمة متمرسة» من دون غطاء شعرها وفقا للفريضة القرآنية التي لا لبس فيها؟
وكذلك أنا لا ادري ما هو الضرر القائم من حقيقة أن غطاء الشعر كان موجودا من قديم الزمان ومطلوبا أو مفروضا في عقائد اخرى؟ إن الاسلام يحرم الزنا والسرقة والقتل والكذب وشهادة الزور وأشياء اخرى كثيرة اشترك في تحريمها مع عقائد سابقة عليه، فما الضرر في ذلك؟ وما هو المنطق في رفض فريضة أمر بها الإسلام لمجرد أنها وردت في اليهودية والمسيحية أو عقائد اخرى؟ لترجع الطحاوي الى سورة الحج آية 78، وتحاول أن تفهم دلالة قوله سبحانه وتعالى لنا: «وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير».

نحن نفهم شريعتنا من مصادرها الصحيحة وعلمائها الموثوق بعلمهم. والاهتمام بفريضة «الخمار»، ليس بديلا عن حقوق المسلمة في القرآن. وأنا أتفق مع الكاتبة في حقيقة أن حقوق المرأة المسلمة، كما قدرها القرآن الكريم، مهدورة إلى حد بعيد، وأهمها عدم معاقبة الزوج المتلبس بجريمة إمساك زوجته ضرارا ليعتدي. وهذا قانون طالبت به في مقالي المنشور في «الشرق الأوسط» (5 ديسمبر 2003). لكن هل حقوق المرأة كما قدرها القرآن الكريم هي وحدها المأكولة؟

بقى أن انوّه بخطأين سائدين في ساحات مناقشة «الخمار» ـ غطاء الشعر ـ وهما:
1 ـ غير صحيح القول بأن المرأة المصرية واجهت الاحتلال البريطاني بخلع زيها الاسلامي. فالثابت تاريخيا بالصورة الموثقة، خروج الفتيات المصريات في مظاهرة في الثورة الوطنية سنة 1919 وهن يلبسن «الحبرة» بغطاء على الرأس وثوب طويل وبرقع أبيض. وسجل الشاعر حافظ ابراهيم هذا الأمر في قصيدته «مظاهرة النساء»، التي تم نشرها في منشورات وطنية، ونشرتها الصحف بعد ذلك في 12 مارس 1929، وتبدأ بقوله: «خرج الغواني يحتججن، ورحت أرقب جمعهن، فإذا بهن تخِِذن من سود الثياب شعارهن، فطلعن مثل كواكب، يسطعن في وسط الدّجنّ». حتى يصل إلى قوله، في نهاية القصيدة، يهزأ بالشجاعة الخائبة لجنود الاحتلال الانجليزي، الذين صوبوا البنادق والمدافع نحو المتظاهرات، وأطلقوا عليهن نيرانهم، فسقط منهن شهيدات: «فليهنأ الجيش الفخور بنصره وبكسرهن، فكأنما الالمان قد لبسوا البراقع بينهن»!

وهذه القصيدة تؤكد خروج المصريات بـ«الحجاب» وليس فقط «الخمار» لمواجهة الاحتلال. والثابت أن حتى قاسم امين، لم يطالب في كتاباته إلا برفع «الحجاب» ـ بمعناه الحقيقي وهو غطاء الوجه ـ وطالب بـ«السفور» ـ بمعناه الحقيقي وهو "كشف الوجه" مع الإحتفاظ بغطاء الشعر و اظهار الوجه والكفين.

2 ـ لا يجوز التوقف بعد القول «لا إكراه في الدين» من دون اكمال الآية الكريمة رقم 256 من سورة البقرة، والتي تقول كاملة: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم».
هناك «رشد» وهناك «غي»، والحرية هنا في الاختيار بين الحق والباطل، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ويتحمل مسؤولية الاختيار، لكن لا يمكن أن يقوم البعض بنسخ آيات قرآنية، والغاء فرائض ثم يقول «من الممكن أن نكون بعد ذلك مسلمين متمرسين».





هناك تعليق واحد:

  1. الأستاذة شديدة الحُسن/ صافى ناز كاظم
    والله ثم والله لقد أثاب الله حضرتك مرة اُخرى بهذا التنوير فى كل سطر قرأته ، ليحمل الدهشة لى ولاول مرة فى حياتى ، فبماذا ادعو لحضرتك أأدعو لك بالحسن وقد حسنك الله .. سادعو لك بالرفعة وراحة البال دائماً..
    هنيئاً لحضرتك ثواب كل من قرأ وعمل بها الى يوم القيامة .
    دمت بخير

    ردحذف