السبت، 17 أغسطس، 2013

اليوم وفي تمام الساعة التاسعة والربع صباحا أكون قد بلغت السادسة والسبعين من عمري الذي مد الله سبحانه سنواته لأرى حوادث تتكرر حتى الملل!

# في مفكرة زرقاء ، تعود إلى عام 1937 بالتقويم الميلادي ، كتب والدي يوم الثلاثاء 17 أغسطس :" بحمد الله وعنايته في هذا اليوم السعيد وفي الساعة 9 و15 دقيقة صباحا ولدت لي بنت من زوجتي خديجة هانم واسمها صافي ناز جعلها الله سعيدة وموفقة آمين" ، إلى جانب التأريخ الميلادي كان هناك الهجري : 10 جماد ثاني 1356، ثم التأريخ القبطي :  11 مسري 1653 ، حسبت حسبتي فوجدت أنني بلغت بالهجري الثامنة والسبعين بزيادة عامين عن الميلادي والقبطي ، اللذان اتفقا  على منحي ستة وسبعين عاما فقط لا غير ، بلغتها اليوم والحمد لله ،  ابتسمت : هل هذا هو السبب في هجر المصريين التعامل مع الهجري ؟ 

# واليوم مرور 61 سنة على إستشهاد العاملين المظلومين: خميس والبقري؛ تم إعدامهما 17 أغسطس 1952 لمشاركتهما في مظاهرات عمال مصنع كفر الدوار، وإليكم الحكاية نقولها من البداية!

61 عاما على الإعدام الظالم لخميس والبقري

لازلت أذكر ذلك اليوم الحزين؛ 17 أغسطس 1952 وكان يصادف عيد ميلادي الخامس عشر، كان قد مضى 26 يوما فحسب على قيام "الحركة المباركة للجيش" في 23 يوليو 1952. البلاد تموج بالفرحة للخلاص من الحكم الملكي "الفاسد" وإداراته التابعة له وجموع الشعب تؤيد "الضباط الأحرار" تأييدا حماسيا مطلقا جامحا إذ رأت أنهم حققوا لها حلمها بالثورة التي طال انتظارها، وكان تنظيم "المظاهرات" والمشاركة فيها لغة سائدة اعتمدها الشعب المصري، قبل قيام "الحركة المباركة"، للتعبير عن مطالبه واحتجاجاته، ولم يكن يدور بخلد أحد أنها يمكن أن تؤدي بأي حال إلى عقوبة الإعدام، في إطار ذلك الاعتياد على لغة المظاهرات قامت في مصانع كفر الدوار للغزل والنسيج، في الساعة التاسعة وأربعين دقيقة مساء يوم الثلاثاء 12 أغسطس 1952، مظاهرة عمال المصنع ضد الإدارة المنتمية إلى "العهد البائد" والتي عانى منها العمال طويلا، وتعالت الهتافات بسقوط المدير والسكرتير العام ورئيس مكتب العمل، مستندين إلى ظنهم بأن "الضباط الأحرار"، وعلى رأسهم "القائد العام محمد نجيب"، سوف يرحبون بمشاركتهم في التنبيه إلى واحدة من بؤر فساد  ذلك "العهد البائد"، ولم يكن واردا للحظة  أن "القائد العام محمد نجيب" و"فتيته الأحرار" سوف يعيرونهم أذنا غير واعية، وهكذا فوجئ العمال بـ "الثورة البيضاء" تكشّر عن أنيابها وبدلا من التصدي للإدارة الظالمة التابعة لـ "العهد البائد" إذا بها تضرب مظاهرة العمال وتقمعها بوحشية، من دون أي محاولة لتفهمها ودراسة بواعثها والتحقيق في دوافعها.  ألقي القبض على 500 عاملا ، من بينهم أطفال تبلغ أعمارهم 9 سنوات، وتشكلت على وجه السرعة "المحكمة العسكرية" لمحاكمة "العصاة"، مكونة من بكباشي عبد المنعم أمين، ويوزباشي جمال القاضي، وصاغ محمد بدوي الخولي، وصاغ أحمد وحيد الدين حلمي، وصاغ خليل حسن خليل، وبكباشي محمد عبد العظيم شحاتة، وقائد أسراب حسن ابرهيم السيد، ويوزباشي فتح الله رفعت، وممثل الإتهام صاغ عبده عبد المنعم مراد الذي نشرت له الصحف صورته وهو يصلّى! وتم تقديم ما يربو على 60 متهما للمحاكمة على رأسهم محمد مصطفى خميس (18 سنة)، والخفير محمد حسن البقري (19 سنة ونصف)، وفي أقل من أسبوع، من 12 أغسطس إلى 17 أغسطس 1952، صدرت الأحكام المروّعة بإعدام خميس وبقري والأشغال الشاقة المؤبدة وسنوات سجن أخرى على بقية المتهمين، وتم الإفراج عن بعض الأطفال "شاءت رحمة المحكمة أن تترفق بهم ( لصغر سنهم) رغم تلبسهم بسرقة بعض أمتار القماش"! ولم يتنبهوا إلى أن العمال المتظاهرين لم يمسوا آلة واحدة من آلات الغزل والنسيج وأن قيمة تلك الآلات، التي  حافظوا عليها، حوالي مائة مليون جنيه، بما يشهد أن المظاهرة لم تكن للتخريب، بينما قيمة التلفيات في مكاتب الإدارة وسيارات كبار الإداريين لم تتعد 48 ألف جنيه، وكان مدير الشركة "محمد حسين الجمّال" قد وقف شاهدا ضد العمال وهو يضع يديه في جيوبه إزدراء لهيئة المحكمة لكن، والحق يقال، إضطر رئيس المحكمة بكباشي عبد المنعم أمين أن يلفت نظره ليخرج يديه من جيوبه ففعل!

بعد سماع الأحكام ظل خميس وبقري يصرخان: " يا عالم ياهو هاتوا لنا محامي... إحنا هتفنا بحياة القائد العام محمد نجيب...إبعتوا له برقية على حسابنا قولوا له إحنا فرحنا بالحركة المباركة ...مش معقول كده ياناس...!".

صباح الأحد 7 سبتمبر 1952 الموافق 17 ذو الحجة 1371 خفق العلم الأسود خفقات الموت فوق سجن الحضرة  بالأسكندرية معلنا إجراءات الإعدام، (وهذا يعني أن الشهيدين أمضيا منذ، 17 أغسطس 1952 الموافق 26 ذو القعدة 1371، وقفة عيد الأضحى وأيام العيد كلها في سجن الحضرة بالإسكندرية يصرخان ويستغيثان من الظلم ولا من مجيب!). مرّ مأمور السجن في الساعة الرابعة فجرا بالغرفتين رقم 62 و 63 من غرف الإعدام وسأل البقري: "نمت كويّس؟" فقال البقري:"المظلوم لا ينام، عاوز أخويا ياخد مراتي وأولادي وأمي و3 جنيه من أماناتي ويروحوا للقائد العام محمد نجيب ويقولوا له....."، ويسأل المأمور خميس: "عاوز حاجة؟" فيرد خميس:"عاوز أقول إني مش غلطان....المحامي ما جابش الشاهد محمد عبد السلام خليل... أنا عاوز شهود نفي وإعادة القضية من جديد....أنا ح أموت مظلوم ورب العباد أنا مظلوم...."، تقول له أمه: "شد حيلك يامحمد.."، يقول لها خميس: "يا أمي أنا مش ممكن أعمل حاجة وحشة....فاكرة المحفظة اللي لقيتها وبها عشرة جنيه مش قعدت أدوّر لما لقيت صاحبها؟"، لحظة إدراك البقري أنه يساق لتنفيذ الإعدام يبكي بشدّة : "ولادي لسّه صغيّرين ....عاوز أقابل القائد العام محمد نجيب....الله هوّ الحكم بيتنفذ كده على طول؟....يارب على الظالم ...."، ثم طلب كوبا من الماء وقال: " يارب أنا رايح أقابلك دلوقت وأشتكي لك... يارب ...ده أنا عسكري وكنت رايح أخدم العهد الجديد...يا ناس محدّش يعمل فيّ معروف يخليني أقابل القائد العام محمد نجيب؟". وظل خميس يسأل الواعظ : "...فقهني في ديني ....هل من مات مظلوما مات شهيدا؟"، وكانت هذه آخر تساؤلاته قبل صعوده شهيدا مظلوما إلى دار الحق.


هناك 13 تعليقًا:

  1. كل سنه وحضرتك طيبه يا خالتو ... ربنا يخليك لينا

    ردحذف
  2. الأستاذة الفاضلة ألف تحية من الجزائر
    هو أيضا عيد اليوم في بيتي
    كل سنة وأنت بألف خير وفي صحة وعافية وأطال الله في عمرك . اليوم أيضا هو خطوبة ابتني هاجر، وأنا أكتب لك هذه التهنئة من داخل مكتبي أسمع وأرى الاستعدادات داخل البيت لهذا اليوم مساء.
    لا بأس أن أبعدك بعض الوقت عن الهموم المشتركة وأحدثك عن عادات الزواج عندنا ،عادة تكون البداية بالخطوبة مثلما هو الشأن اليوم مع هاجر حيث يأتي أهل العريس ويتقدمون لخطوبة البنت ويقرؤون الفاتحة ويقدمون" الشبكة والدبلة " مع ما يقتضي ذلك من أفراح
    بعدها يتحدد يوم الفرح ونظرا لكون الأفراح في الجزائر ليست مختلطة فيتم كراء قاعة للرجال حيث يتم دعوتهم للعشاء وأنا حددت هذا اليوم الذي يصادف 21 من هذا الشهر، أما حفل النساء وهو الأساس فيكون أيضا قاعة في قاعة الأفراح الذي حددناه يوم 24 من هذا الشهر وعادة يبدأ الحفل الثانية بعد الظهر وهذا الحفل يسمى عندنا " التصديرة " وانثناء الاحتفال و الرقص و الغناء تقوم العروسة بين حين وآخر بتغير ملابسها المختلفة . وعند الساعة الثامنة مساء أو التاسعة ينتهي الحفل .
    وقبل شهر كنت حضرت زفاف ابنة صديقي وهي أبضا صديقة ابنتي هاجر التي زوجها إلى مصري الذي تعرف عليها لما كانت طالبة بالقاهرة ولقد ساهمت بدور فعال في ثورة 25 حانفي
    أقيم حفل الزفاف بالجزائر وجاء أهل العريس من مصر الذين انبهروا بجمال الجزائر
    مرة أخرى كل سنة والأستاذة صافي ناز بألف خير وفي صحة وعافية

    ردحذف
    الردود
    1. ألف ألف مبروك وربنا يتمم بالخير.

      هذه تماما عادات الزواج في مصر، وهي العادات التي خالفناها أنا وإبنتي نوارة، في زواجي وزواجها!

      حذف
  3. كل سنة وانت بالف خير يا استاذة صافيناز .. تسعدين وسط احبابك كما تسعدينا بكتاباتك الناعمة الاقرب للشعر .. لا حرمنا الله بصيرتك ورؤيتك التى تقدرها عقولنا وتسكن جراح قلوبنا

    ردحذف
  4. يارب تيجي السنه الجايه عليكي وانتي بصحه وخير حال ومصر كما تتمنيها

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا يا رانيا وأرجو من الله أن يرفع عنا غضبه وسخطه ويحقن دماءنا ويصرف عنا نزغ الشياطين آآآآآآمين

      حذف
  5. يقال ان محمد نجيب في آخر ايامه كان يبكي ويقول ( هذا ذنب خميس والبقري)

    ردحذف
    الردود
    1. ياهبة أولا أنا صافي ناز ولست صافيناز، ثانيا شكرا لك على تحيتك الطيبة، ثالثا بالنسبة لمحمد نجيب، ربما كان ماتقولين صحيحا، وقد ذاق طعم الظلم العلقم، وأرجو أن يكون قد استغفر ربّه الغفار كثيرا. أنا لم أنس خميس والبقري أبدا من دعائي على مدى 61 عاما.

      حذف
  6. الأ ستاذة القديرة / صافى ناز كاظم

    كل سنة وحضرتك بخير .. كما أُهنئ سنوات عمرك التى حملت لنا سيدتى العظيمة ، متمنيا لك العمر المديد " إن شاء الله 120عام "
    و التهنئة موصولة للوالد "رحمة الله عليه" على تدوينه التأريخ الهجرى ليصل إلينا معلومات حضرتك المتدفقة
    بارك الله لنا فى عمرك .

    ردحذف
    الردود
    1. جزاك الله الخير يا ابن مدينة مولدي الإسكندرية المريّة وترابها زعفران! 120 عاما؟ حرام عليك!

      حذف
  7. كل عام وأنت بخير وعطاء... وخيركم من طال عمره وحسن عمله ...حسن ظن بالله لا تأليا عليه....أنا محمد من تونس أتابع غالبا ما تكتبين وإن كانت تعليقاتي قليلة.... لك في وجداني مكانة كبيرة رعاك الله يا نصيرة المظلومين...قليل من يوفق لدللك !

    ردحذف