الثلاثاء، 27 أغسطس، 2013

تم نشر هذا المقال "هموم مستعادة" اليوم بجريدة الأهرام، صفحة الثقافي.

هموم مستعادة

توفي إلى رحمة الله المخرج توفيق صالح، الساعة الثامنة والنصف صباح الأحد 18 أغسطس 2013، وهو المولود 27 أكتوبر 1926.

رغم صداقة قديمة تربطني بهذا المُخرج السينمائي الفنان، (ترجع ربما لعام 1956 عن طريق صديقنا المشترك صلاح جاهين)، إلا أنني لم أكن قد شاهدت أيا من أعماله حتى زيارتي له يوم الإثنين `22 فبراير 1999 لتهنئته بجائزة الدولة التقديرية في الفنون لعام 1998، وقد يبدو ذلك من الأمور الغريبة إلى درجة الإستنكار لكن الظروف التي تحكمت في مسار حياة توفيق صالح ومسار حياتي  تبرر بقوّة هذا النقص غير اللائق في التواصل؛ فاتني مشاهدة فيلمه الأول "درب المهابيل"، الذي أخرجه عام 1955، لأنني لم أكن أذهب وقتها لمشاهدة أي فيلم عربي حيث كنت مُكتفية بما تعرضه سينما الأندلس الصيفية المقامة أمام عمارتنا 116 شارع العباسية وكنا نشاهد أفلامها العربية مجانا من كل شرفات ونوافذ شقتنا المُطلة على شاشتها بوضع "لوج" درجة أولى ممتاز، وفاتني "صراع الأبطال، 1961، و "المُتمردون"، 1966، لأنني كنت في الولايات المتحدة في فترة دراسة متّصلة من أغسطس 1960 حتى أغسطس 1966، ولا أعرف سببا واضحا في ذاكرتي منعني من مشاهدة "زقاق السيد البلطي"، 1967، و "مذكرات نائب في الأرياف"، 1968، أما فيلمه "المخدوعون" الذي أنتجته سوريا 1971 عن رواية غسان كنفاني  "رجال في الشمس" وحصد به العديد من جوائز السينما العالمية فقد ظللت ألح على توفيق صالح أن يمكنني من مشاهدته وهو يسوّف طيلة مُعاصرتي له بالعراق، فترة وجودي ببغداد أدرّس مادة الدراما لطلبة كلية آداب جامعة المستنصرية من سبتمبر 1975 إلى 28 يونيو 1980، وبالطبع لم يكن ممكنا مشاهدة الإنتاج العراقي لفيلمه "الأيام الطويلة" الذي هو آخر أعماله. 
حين أصبح عندي "فيديو" يُمكنني من مشاهدة المتاح مما أريد مشاهدته أعارني توفيق صالح نسخا من أشرطة أفلامه المنقولة من برنامج "ذاكرة السينما" لسلمى الشمّاع. جلست أسبوعا أشاهد كل ليلة فيلما في مهرجان خاص أقمته لنفسي لمشاهدة كل أعمال توفيق صالح دفعة واحدة، محاكية تلك المهرجانات التي كانت تُقام بمحيط جامعة نيويورك، وحضرتها أثناء دراستي بها 1964 حتى تخرجي فيها يونيو 1966، في سينما مُتخصصة لعرض روائع تراث وعلامات الفن السينمائي؛ مهرجانات شاهدت فيها كل أفلام "شارلي شابلن" و "جريتا جاربو" و كل أعمال المخرجين العظام "إنجمار برجمان" و"أنتونيوني" و "فلليني" و "كازان"، ومهرجان أفلام الفن السينمائي الرائدة مثل "السماء فوقنا والأرض تحتنا" و "دكتور كاليجاري" ... إلخ.
أهمية تلك المهرجانات أنها كانت تُكدّس في إحساسي الوعي المكتمل بالفنان وهمومه المستوطنة وقضاياه المتسلطة، بل كل "متسلّطاته" إذا أردنا توضيح المصطلح.

فماذا تكدّس لدي عند مشاهدتي مهرجاني الخاص لأفلام الفنان المُبدع الأمين توفيق صالح؟
***
داهمتني في البداية حالة من الدهشة الحزينة أمام كل هذه الهموم المستعادة؛ كيف تأتّى أن ما كان "بائدا"، بقيمه السلبية والمرفوضة والمحتج عليها والمطالب بإدانتها والعمل على التصدّي لها حتى لا تعود، أصبح حاضرا من جديد بوقع حثيث ثقيل يريد أن يستحكم ويسجّل هو إدانته لمن أدانه وقاومه؟
***
"درب المهابيل"، 1955، تصوّر حدوتة بسطاء يواجهون شظف العيش، وقصة حب شريفة يُعوّقها الفقر عن الاكتمال بالزواج، وحقّ يتم انتزاعه من صاحبه بنوازع الطمع الشرسة الكامنة في الطبيعة البدائية. ويُعيد "صراع الأبطال"، 1961، طرح أزمة الفقر كوباء، مُتخذا عام 1948 والعهد الملكي المستباح ساترا تدور في زمنه مشاكل الوطن المزمنة التي صاحبت كل الأزمنة من بعده ومن بعد بعده، طارحا الخلاص في بؤرة الوعي غير المُزيِف لجذور الأوبئة والأمراض والمعاناة. في "يوميات نائب في الأرياف" يبدو البطل ساخرا سُخرية من سبق له الحلم والتفاؤل بمستقبل أفضل ثم ضعضعته شبكة الفساد فأحنى رأسه واحتضن مثاليته بغصص المرارة: ما هو العدل؟ ما هو القانون؟  أهو نص أم روح؟ وهل للقانون، بنصّه أو روحه، قوّة تحقق العدالة ومقاليده وزمامه بيد الظالمين؟ تساؤلات توفيق الحكيم مسجّلة عام 1935، وتساؤلات توفيق صالح مُسجلة عام 1968، ولا تزال التساؤلات هي هي نفسها تؤرّقنا!
مع " المخدوعون"، 1971، تصبح الرؤية أكبر من مأساة "رجال في الشمس"؛ إنها حقا الخداع والخديعة والخادعون والمخدوع، بإرادته، يمشي متحرّكا في سراب الصحراء حتى الإحتراق مُجازفا لعله يجد البديل عن مذلة السكون وقلّة الحيلة والجوع والأرض المسلوبة والتساؤل العريض أيهما أفضل: اختيار الموت أم حياة بعد اجتثاث الرجولة؟، بل هو التساؤل: أيهما يكون الموت حقا؟
***
تعتمد سينما توفيق صالح على قدر كبير من الصمت، الذي هو بالطبع ليس الخرس بل هو وسيلة خلق التواصل النفسي المشحون بين المشهد والمشاهد، حين تكون اللفتة ونظرة العين وكَدَر الوجه أو بسمة الشفاه هي المُعبّر الأبلغ أمام لا جدوى الكلمات؛ يختار وجه برلنتي عبد الحميد في "درب المهابيل" و "راوية عاشور" في "يوميات نائب في الأرياف"،  ومساحات الصحراء الشاسعة وأفق الشمس البيضاء اللاهبة وجذوع النخل وهاماتها العالية قمما نحو السحاب في "المخدوعون"، ويعطي جموع الفلاحين، الواقعة تحت الحصار في "صراع الأبطال"، حركة وتخبطات الفزع لقطيع يهيم بلا قيادة ينشد الفرار من دون أن يدري كيف وإلى أين.
قليلون الذين يحترمون الصمت ويفهمونه ويدركون طيات تربته وثرائها أما النادر فهذا الذي يعرف إدارته بكفاءة ويجيد طرحه ويدرك ضرورته الموظفة لإنطاق الفن السينمائي لغته الفريدة، وهذا القليل النادر هو لب أسلوب الإخراج عند توفيق صالح.
***
هم الآن، الأربعاء 21 أغسطس 2013، في سرادق عزاءك يا توفيق ظهرا تجنبا لحظر التجوّل في ظل الطوارئ، شاركت زوجتك الفاضلة "روضة" و ابنتك الحبيبة "ريم" العزاء هاتفيا، فلا يمكنني أبدا الذهاب إلى السرادق والمخاطرة برؤية الفنانين والفنانات، هؤلاء الوحوش البشرية الهاتفين بـ "أُفرم أفرم يا سيسي"!

الحمد لله يا توفيق الذي عافاك مما ابتلى به غيرك؛ رحمك الله وأثابك كل الخير.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق