الجمعة، 11 أكتوبر، 2013

رجعت ليالي زمان:



"الكُـــــتُـــبـي" وهبـة حســن وهبـة

طريقي إلى مكتبة الحاج وهبة حسن وهبة بدأته لأول مرة نهاية عام 1980؛ كنت أريد أن أنشر كراستي "في مسألة السفور والحجاب". كل الأبواب كانت مغلقة أمامي هي والنوافذ؛ ممنوعة من النشر في مؤسسات الدولة "المدنية" وفي غيرها والإقصاء الثقافي على أشده في ظل الديموقراطية ذات الأنياب، يكمم الأفواه ويكتم الحق والحقوق، والسهام متوالية تضرب التوجّه الشعبي النسائي الطوعي للإلتزام بغطاء الشعر، (ما تم تسميته ظاهرة التحجب في مغالطة مصطلحية مقصودة)، تحت قيادة السيدة جيهان صفوت رؤوف، زوجة رئيس الجمهورية السابق محمد أنور السادات، تفتي من غير مؤهل بأن الإسلام من التحجب براء، مؤيدة بقوى ميليشيات نساء ورجال نوادي الروتاري والإنرويل والليونز الشاكرين لها أنها السابقة بإعادة إدخال و نشر تلك النوادي المشبوهة على أرض مصر المحروسة، التي ورّثتها من بعدها للسيدة سوزان  ثابت زوجة رئيس الجمهورية المخلوع محمد حسني مبارك لتتمادى وتستفحل!

سرت في شارع الجمهورية أبحث في مكتباتها العريقة عن فرصة متاحة لنشر ردّي على العدوان الجائر الشرس، بالقرب من ميدان عابدين كنت عند مدخل مكتبته؛ كان الحاج وهبة حسن وهبة يجلس إلى مكتبه المزدحم بالأوراق وأكواب اليانسون التي شربها الضيوف. ألقيت السلام وردته الأصوات وكان صوته مركزها، سألت عن المسئول، "تفضلي ياستي أنا المسؤول". رفعت بشاشته معنوياتي المخذولة. كان أمامي كوب اليانسون وأنا أحدثه عن رغبتي في طبع الكراسة، "طلباتك ؟"، ليس لي طلبات سوى أن أراها مطبوعة متاحة للناس من دون أن أتكلف أنا شيئا، "أمهليني يوما أقرأها"، قلت في تأثر: شكرا.

كان الرصيف عند باب المكتبة منخفضا نصعد منه إلى المدخل بسلمة واحدة. الحاج وهبة في نشاط وتلقائية يتكلّم عن الكتب كأنها قبيلته التي يعرف مضاربها وبواديها، يجاملني بالمودّة من دون سابق معرفة، وبيدي كوب اليانسون أرتشف منه على مهل. تبدد غيظي شيئا فشيئا من مشوار الإهمال الذي قابلتني به سوق النشر فها هو الحاج وهبة يوافق على نشر كراسة لكاتبة لم يسمع باسمها من قبل ولم يخش أنها ممنوعة من النشر وتطاردها قوائم المنع وأكاذيب التحريات،  وكيف كان من الممكن أن أسمع عنه أو يسمع عني؟ في بداية مشواري الصحفي عام 1955 كان هو وراء الأسوار، منذ اعتقال 1954، يبدأ تنفيذ حكم عليه بالسجن خمسة أعوام بتهمة مساندة أسر المعتقلين في قضايا الإخوان بسداد إيجارات مساكنهم، وبعد عودتي من دراستي بأمريكا عام 1966، بعد غياب ست سنوات، لأبدأ مرحلة إنتعاشي الصحفي القصيرة جدا كان هو قد عاد إلى السجن مرة أخرى في دفعة البطش الناصري المروّع عام 1965 و لم يخرج منها إلا عام 1972، في الحقبة الساداتية التي صدر فيها قرار منعي من النشر ومن ثمّ السجن والنفي والتلطيم من أغسطس 1971 حتى 25 مارس 1983، فمتى كان من الممكن أن أستدل على مكتبته ومتى كان يمكن أن يسمع باسمي يا حبيبتي يا مصر؟

كراسة واحدة صدرت لي من مكتبته مطلع 1981 ثمنها وقتها كان 30 قرشا أكسبتني معرفة قدوة إنسانية أتمثلها أمامي كلما احتجت رفعا لمعنوياتي المخذولة.
***

يوم الأربعاء 7 محرّم 1421 الموافق 12 إبريل 2000 ذهبت إلى مكتبة الحاج وهبة حسن وهبة لأحقق ما أجلته طويلا وهو؛ أن أسجل مشوار تكوينه الإنساني والمهني والفكري. بدأت الاستماع إليه من الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا إلى الساعة الرابعة والنصف عصرا. جاهدت في كتابة اللقاء حتى تصورت أنني نجحت في رسم ملامح تقريبية لوجه اشتبكت فيه، منذ مولده بحي الخليفة 23 أكتوبر 1923، أيام وأحداث ودقائق ولحظات من سنوات الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات والستينيات حتى السبعينيات، وحين عرضت عليه ماكتبت قبل نشره قرأ الكلام وقال بحسم: كتبت عن "الكُتبي" وهبة حسن وهبة ويبقى أن تكتبي عن "الناشر" وهبة حسن وهبة، ابتسمت وقلت: حين أكتب عن "الأصل" لا يهمني أي "فرع"!

هو "الكُتـبي" العريق بكل مظاهره وتقاليده؛ دائما هناك الينسون، والرصيف أمام مكتبته يرصد تغير الزمن، يتساوى أولا مع المدخل فلا نصعده ثم يرتفع تدريجيا حتى نحتاج أن نهبط  درجتين إلى الداخل، هذا الجزء من القاهرة لا أمر منه أبدا إلا إذا كنت قاصدة متعمدة الذهاب إلى مكتبة وهبة. بين زيارة وأخرى تمر أعوام، لكنني أجده رغم تقدّم العمر كما عهدته؛ الصدر المشحون، والذاكرة الممتلئة، واللسان المتدفق يرتب إشارات المرور بين شحنات الصدر وامتلاء الذاكرة حتى تظل الكلمات هادئة ودقيقة وتعبيرات الوجه منتظمة، والابتسامة الدمثة في مكانها. لم يمكنني أبدا أن أتخيل كيف يمكن أن يتبدد هذا السلام المهفهف بأجنحته من حوله، ولا كيف يمكن أن تتبدل تعبيرات وجهه المرتاحة عند الألم والحزن والافتقاد والتعذيب. لقيته دائما والكتب مصنّفة، منسقة، والأرض نظيفة والعمل منساب كالحرير، لا شئ يتغير سوى مستوى إرتفاع الرصيف عند المدخل، مع ذلك لم ينس أبدا أن يذكّرني  كل حين، مشيرا إلى الأرفف، "كل هذا كان مُحترقا ومنسوفا!" ثم يقتضب حابسا الغصّة بابتسامته التي لا تفارقه والينسون الذي لا ينتهي.
***
أغيب قدر ما أغيب وأجده يواصل حديثه كأن لم يكن هناك انقطاع "شوفي ياستي.."، هكذا يبدأ الصوت الهادئ المهذب الخفيض واللغة التي تتلمس أقل الكلمات خشونة وتتخير أرفق الجمل لتعبر عن الفظ والقاسي والمتوحش والذي لا يُحتمل وعندما يهرب التعبير يصمت فأفهم ما وراءه من الهول!

في ذلك الأربعاء 12 إبريل 2000، حين كان المسجل الصغير يلتقط كلماته كان لا يزال متأثرا مما كتبه الأستاذ حسين أحمد أمين بخصوص الأستاذ محمود شاكر: "...الأستاذ حسين أحمد أمين لم يكن محقا فيما نسبه إليّ...الأستاذ محمود شاكر رحمه الله حضر إلينا في سجن أبو زعبل سنة 1967 وكنا نحن هناك قبله سنة 1965، رجل كبير، ولم يكن بينه وبين الإخوان موده، فهو الله يرحمه كان يتلفظ بألفاظ تجريح للأستاذ حسن البنا، لكنه كان وحيدا والسجن به حوالي  ثلاثة آلاف... محدّش كان يعرف قدر شاكر مثلي ...والله يرحمه كان مدخنا والدخان في السجن ممنوع وصعب لذلك كنت أعتبر أنه من واجبي توفير ما يحتاجه لكن هذا ماكانش يعجب الأخوان... كان في حمايتي عشان محدش يتعرض له، ولا أذكر له إلا كل ود قبل السجن وبعده ...هو كان حادا في تعبيراته وخشنا في كلامه لكن هذا لا ينتقص من فضله فهو عالم وعالم جليل....".

 ×××

قال له أبوه إحنا طلعنا لقينا نفسنا في القاهرة، كان والده صاحب مخبز بعابدين، والأم نالت قسطا من التعليم تميزت به في جيلها. هو الابن الأكبر لوالديه اللذين لم يعش لهما من الأبناء سوى "وهبة" و "زينب" التي تصغره بأعوام. معزّز مكرّم تربى بالحب و الحدب والعناية والخوف من فقدانه، قريب من أمه التي قرأت في الدين وتفقهت فيه، ذهبت به وعمره خمس سنوات إلى كتاب الشيخ أيوب بحي الخليفة، حيث كان مسكنهم الأول قبل الإنتقال إلى حي الحسين، فتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم: " كنا نكتب على صفيح بالحبر الشيني، قبل لوح الإردواز، بالقلم البسط البوص، والشاطر هو الذي يعرف يبري القلم سن تخين وسن رفيع عشان التشكيل، لما كبرنا بقينا بنشكّل بالحبر الشيني الأحمر الفتحات والضمّات، يقولوا عليه الآن الضبط وأيامنا نقول التشكيل.."، بعده ذهب إلى كتاب الشيخ عبد المقصود الذي يذكره بكل خير فقد أكمل فيه حفظ عشرة أجزاء كاملة من القرآن الكريم. أراده والده معه في طابونة الخبز لكنه فضّل العمل في مكتبة الشيخ محمد رشيد رضا، دار المنار، بشارع الإنشاء خلف وزارة المعارف العمومية. بدأ العمل معه مطلع عام 1933،قبل أن يبلغ العاشرة. يضحك معلقا: "عشر سنوات في ذلك الوقت كان يعتبر رجل"،وكانت مهمته مساعدة الشيخ زكي المسئول عن إدارة المكتبة، "كان الشيخ رشيد رضا يسكن فوق مكتبة دار المنار، فارع الطول أبيض أحمر الوجه، موضع احترام الجميع، كان لي بمثابة أب، في زماننا كان الشيخ له كلمة مسموعة أكثر من الأب، عدد الكتب بدار المنار كان محدودا، كلها مؤلفات الشيخ رشيد رضا مثل الوحي المحمّدي وتفسير المنار 12 مجلدا وكتب الأستاذ الإمام محمد عبده"، يذكر الحاج وهبة حادثة غضب الشيخ رشيد رضا لأن الشيخ زكي لم يلب واحدا من طلبات الكتب: "قال الشيخ رشيد رضا هذا طلب كتابا فلماذا لم ترسله؟ رد الشيخ زكي قائلا: يا مولانا هذا الرجل طلب منا كتابا من قبل ولم يسدد ثمنه، انتفض رشيد رضا بالغضب منفعلا: أتريد أن تدخلني النار يا شيخ زكي؟ تمنع العلم من أجل المال ياشيخ زكي؟ هل أنا أسأت إليك في شئ حتى تؤذيني؟ ... وظل يؤنبه ثم صاح: ياولد، ويا ولد كانت لا تعني أحدا سواي، فالمكتبة ليس بها سوى الشيخ زكي والولد هو أنا وهبة، قلت: نعم سيدي، قال: إمش هات الكتاب وضعه في غلافه  وأرسله بالبريد فورا لطالبه، نفذت الأمر وكنا جميعا نرجف، فالشيخ زعلان هذه كانت بالنسبة إلينا يعني القيامة قامت، عن حب لا عن خوف. كانت الحكمة ألا تمنع العلم أبدا؛ هذا لا يجوز، تعلمت منه ألا أحبس العلم لأجل المال؛ أرسل الكتاب لمن يطلبه قبل الدفع وتستمر المطالبة بثمنه بعد ذلك".  كان أجر الطفل وهبة عند الشيخ رشيد رضا قرشين صاغ يتسلمها كل جمعة، "شبرقة لأني كنت أعيش في كنف أبي وأشتري بأجري قصب وحلويات". بعد وفاة الشيخ رشيد رضا سنة 1935 إنتقل الصبي وهبة حسن وهبة للعمل عند مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي في شارع التبليطة بالأزهر، بعد حفظ صندوق الحروف في قسم الجمع تحول إلى قسم التجليد الذي استهواه ووجده فنا وابتكارا، " التنقل من قسم إلى قسم أفادني، والتجربة في مطبعة الحلبي علّمتني الدقة في حياتي مع شغلة الكتاب، رئيس المصححين كان اسمه الشيخ أحمد سعد، رجل صالح، قبل التصحيح، وكلها كانت كتب أحاديث نبوية وتراث، كان لازم يقوم يتوضأ ويصلي ركعتين وبعدها يطلّع القارورة، أي زجاجة العطر، ويتطيب واحنا شوية عيال نروح نمد أيدينا: والنبي ياشيخ نقطة هنا وهو لا يبخل، رئيس الطباعين الحاج علي الأشقر يزعق: ياشيخ أحمد وقفت حالنا، فيقول له: يا حاج علي أنا لا أقرب حديث رسول الله قبل أن أتطيب لينشرح صدري ويقيني الله من الزلل، هذه أشياء علمتني من الصغر ألا يقبل الإنسان على عمل قبل أن يتهيأ له، كنت عند الحلبي أتقاضى أربعة قروش في اليوم، طفولة جميلة، أمضيت عنده ثلاث سنوات، بدأت أكبر والذي يُعلّم لا يدفع أجرا مجزيا..".

 ومن ثم كان لا بد أن يستقل، " في ذلك الوقت، عام 1942، كانت مصر كلها فيها ثلاثة أو أربعة متخصصين في كتب التراث وكنت واحدا منهم والحمد لله، تخصصت  في كتب التراث؛ عرفت أتسوقها وأبيعها واشتهرت بذلك، ادخرت أربعين جنيه شايلهم عند أمي، اشتريت واجهة متر ونصف في متر، 176 شارع محمد علي بحوالي 25 جنيه والـ 15 جنيه الباقية اشتريت كتب وطلّعت السجل التجاري، نجحت وصار اسم وهبة له مكانتة بين أصحاب المكتبات، بعد ذلك اشتريت مكتبتي هذه في عابدين سنة 1951 مع الاحتفاظ بمكتبة شارع محمد على. عملت بنشاط واجتهاد من الساعة الثامنة صباحا حتى منتصف الليل، العلاقة بيني وبين الناس كانت تجعلني مش عاوز أروّح، كنت قد قررت ألا أتزوج إلا بعد امتلاك مكتبة فاختارت لي أمي زوجتي الفاضلة التي أنجبت منها حسن وحسين وإنصاف وعزة، إنصاف على اسم أمي وحسن على اسم أبي..".

 أكثر من عامل مؤثر ساهم في تكوينه الثقافي والفكري؛ كانت هناك الأم الذكية المتفقهة في دينها، مع كُـتّاب الشيخ أيوب، مع الشيخ رشيد رضا وتفسير المنار، وحوارات المتكلمين بمفردات الثقافة الإسلامية، واللجوء إلى المسجد الحسيني عند الضيق للتأمل والتفكير، وانتماء في البداية، عام 1938، للطرق الصوفية، ثم تركها إلى مجلس الشيخ محمد صبرة في مسجد الحسين حيث التقى عام 1941 بالشيخ سيد سابق والأستاذ خالد محمد خالد، الذي كان لايزال طالبا بثانوية الأزهر، ثم الالتحاق بالجمعية الشرعية في عهد الشيخ أمين خطاب السبكي بعد وفاة والده الشيخ محمود خطاب السبكي، وفي سنة 1946 أقام الإخوان مركزا لهم في العتبة أمام مكتبته فذهب مع صديقه خالد محمد خالد ليقابلا الشيخ حسـن البنا، "...بعد مقتل النقراشي 1948 حدثت الحوادث، اعتقلوني عام 1948 لكني لم ألبث إلا ليلة واحدة؛ أخذوني من قسم الموسكي إلى الحكمدارية في باب الخلق وكان المفترض أن أحوّل، بعد تحقيق النيابة، إلى الهاكستب ثم الطور لكن أمي راحت لمدير موظفي الداخلية وعضو الهيئة السعدية وأعطاها كارتا دسته لي في الطعام في زيارتها لي في باب الخلق، المحقق كامل قاويش رئيس النيابة كان رجل فظيع شتام أعطيته الكارت قبل التحقيق فسألني منين جالك الكارت ده؟ قلت له قريبي! فأعادني لقسم الموسكي ونجوت من إعتقال 1948 بفضل أمي رحمها الله. نحن نسمي المرحلة 1948 و1949 كلها أحداث 1948. عام 1950 تم الإفراج عن الإخوان في حكومة الوفد، وكان الأستاذ خالد محمد خالد قد تخرج وعمل مدرسا وطبع كتابه (من هنا نبدأ) ألفين نسخة وأعطاه لي للتوزيع، لأكثر من 20 يوما لم أبع سوى نسختين ثلاثة إلى أن كتب كاتب مقالا في أخبار اليوم يهاجم الكتاب ويقول إن خالد ينادي بما نادى به على عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم، وقرر الأزهر التحقيق مع المؤلف وسحب منه العالمية، بعد هذه الضجة الألفين نسخة اللي عندي طاروا، بعتهم كلهم، كان الكتاب بعشرة قروش، جاءني خالد محمد خالد وقال عايزين نطبع طبعة ثانية فقلت له: لأ! خالد صديقي لكن الحكاية أصبحت مبدأ وإسلام، خالد كان مستخسر إن فايدة المكسب تروح لحد ثاني، لكن أنا رفضت، فخالد راح مكتبة الأنجلو واتفق معهم، خالد كان رجلا نظيفا وشريفا وعفيفا، لكن لما الأنجلو طبعت الكتاب ثلاث طبعات في سنة واحدة والكتاب اتباع، أعداء خالد اتهموه بأنه مرتشي ويعمل لحساب الكنيسة، ويعلم الله أنه كان بريئا تماما، مما دفعني إلى الذهاب للأستاذ البهي الخولي، رئيس قسم نشر الدعوة وشهدت لصالح خالد وقلت لهم خالد نظيف ولم يكتب لحساب أحد. بعدها قمت بتوزيع كتاب الشيخ محمد الغزالي (من هنا نعلم) يفند به كلام خالد الخاص بفصل الشريعة عن الدولة..". سألته هل لديك نسخة من الطبعات الأولى لهذه الكتب؟ قال: " ليس لدي ولا ورقة من كل كتبي؛ هذه ثالث مكتبة أعملها، مكتبتين قبل هذه أخذوها: يوم 7 أغسطس 1965 وقعت عليّ الحراسة، الساعة 9 صباحا جاءت حملة من حوالي 7 أو 8 ضباط تحت قيادة أحمد راسخ رئيس مكتب القاهرة، وقسموا أنفسهم إلى 3 فرق فرقة في المكتبة هنا وفرقة كانت في مخزني بالداخل مكان سينما إيديال والفرقة الثالثة ذهبت إلى بيتي على الناصية هنا، فتشوا البيت ودلقوا الطعام وبهدلوا الدنيا واللي دخلوا المخزن جابوه من فوق لتحت واللي في المكتبة قطعوا الكتب وطلعوا الدوسيهات، مش عملية ناس بتفتش لا  ناس بتخرّب، وظلت هذه العملية من التاسعة صباحا حتى السادسة مساء، أنا كنت موجود هنا وساعات أروح البيت بناء على طلبهم لأفتح دولاب، عمليات إمتهان وانتقام، واحد طلب من زوجتي تخلع أساورها باعتبارها مال تحت الحراسة التي صدر فيها قرارين: قرار على وهبة حسن وهبة صاحب مكتبة وهبة وفروعها والآخر على وهبة حسن وهبة وعائلته، وعائلته هذه تشمل أقاربي حتى الدرجة الرابعة، كانت عزة بنتي عمرها ثمانية أشهر ونشر اسمها في الجريدة الرسمية : عزة وهبة حسن وهبة تحت الحراسة! قفلوا المكتبة وشمعوها وشمعوا المخزن وفي البيت فكوا السخان والمدخنة وقالوا بندور على الأسلحة! سلاح؟ أنا ح يبقى عندي سلاح أعمل به إيه، ده أنا مكتبتي أهه وبيتي أهوه وقسم عابدين في المنتصف! بعدها بيومين فتحوا المكتبة وجاء حارس قال لي كلمة لن أنساها قال لي: ماتجيش هنا تاني لا مشتري ولا بايع، لك أن تتصوري واحد يقول لي هذا الكلام وهو جالس على مكتبي في مكتبتي وأنا واقف أمامه، قلت له حاضر! بعدها بيومين تم اعتقالي من المباحث إلى سجن القلعة ومنه إلى سجن أبو زعبل، رحنا لقيناه النار الموقدة، به مكان يقال عنه المحمصة...".

يذكر الحاج وهبة فترة سجنه الأولى من 1954 حتى 1960 بالإمتنان مقارنة بالفترة الثانية المهولة التي إشتعلت نيرانها من أغسطس 1965: " بعد خروجي من السجن 1960 عوّضني ربنا عوضا كبيرا؛ ليل نهار ما كنتش أبطل شغل ودبت الحياة من جديد في هذه المكتبة التي كان قد علاها العنكبوت وخلت أرففها من الكتب القيّمة، على الرغم من الوضع المالي المتردي في البداية استطعت أن أستعيد توازني، ثم أغدق الله عليّ بطلبات من الخارج كأن ليس بمصر سوى مكتبة وهبة، وفي خلال هذه الفترة تعرّفت على الأستاذ سيد قطب الله يرحمه قبل لقائي به شخصيا عام 1963، بعد خروجه من السجن، كان محكوم عليه بعشر سنوات من 1954 لكنه خرج 1963 قبل إنتهاء المدة بوساطة عبد السلام عارف، وطلّعت له عدّة كتب وكنت بطبع لأخيه محمد قطب كتب  سنة 1948 من مكتبتي بشارع محمد علي، وعرفني محمد قطب بسيد قطب الله يرحمه، طلّعت للأستاذ محمد قطب حوالي 18 كتاب، وللأستاذ سيد قطب حوالي تسع أو عشر كتب، أما في ظلال القرآن فكان الأستاذ سيد قطب قد كتب طبعته الأولى في سجنه من 1955إلى 1960 وطبعها له عيسى الحلبي، وهوغير مصطفى الحلبي الذي اشتغلت عنده في صباي، الطبعة الأولى من في ظلال القرآن كانت نحيلة وقليلة وبدأ الأستاذ سيد ينقحها خلال الفترة من 1960 إلى 1963 وهو لا يزال في السجن، دوري أنا مع الأستاذ سيد بدأ من سنة 1960 لما خرجت من السجن وأعدت ترتيب المكتبة، كان الأستاذ سيد يضيف إلى الطبعة الأولى إضافات تكاد تصل إلى ضعفها أو أكثر، ويرسل المسودات مع العساكر اللي كانوا عارفين طريق المكتبة، ليعاد طبع في ظلال القرآن بصورتها المنقحة بالزيادة المضافة عند عيسى الحلبي، المسودات تأتيني ومن عندي يأخذها الأستاذ محمد قطب إلى مطبعة عيسى الحلبي؛ يأتيني الأستاذ محمد يوميا من الخامسة بعد الظهر حتى التاسعة مساء، نقفل المكتبة ونروّح سوا، فيما عدا الخميس والجمعة، وهكذا تمت إعادة طبع في ظلال القرآن بالزيادة والتنقيح وبلغت 8 مجلدات مقاس 70 × 100. بعد خروج الأستاذ سيد من سجنه سنة 1963 أصبح بيننا طباعة وكتب وتزاور، وكان له نظامه الخاص: يوم الخميس يوم قضاء الحاجات والمشتريات، ينزل من بيته في حلوان يلف البلد كلها لغاية لما المحلات تقفل الساعة إتنين، ثم يأتي هنا ناكل لقمة، رجل بسيط، أجلس أنا وهو نأكل ونصلي حتى تفتح المحلات مرة أخرى الساعة أربعة يروح يكمل بقية مشترياته حتى الساعة سته أو سبعة يعود هنا يأخذ أماناته كلها ويحطها في تاكسي وعلى باب اللوق يركب القطار إلى بيته في حلوان. كان مخصص يوم الجمعة للقاء الناس في جنينة بيته اللطيفة بشارع رستم، وابتداء من السبت حتى الأربعاء يدخل مكتبه من الصباح حتى المغرب أو العشاء ، ده كان شغله: قراءة وكتابة، هذه كانت حياة سيد قطب رحمه الله..".

ألم تكن تخاف من التضرر الأمني بسبب هذه الصلة بآل قطب؟ يرد الحاج وهبة بابتسامة رائقة: " لا والله حكاية السجن دي مش مهمة، كنا عارفين إحنا بنعمل إيه، واللي بنعمله لا يغضب ربنا وإذا الناس غضبت فهم أحرار. كان لقاؤنا اليومي مع الأستاذ محمد قطب يحضر فيه الأستاذ خالد محمد خالد على الرغم من إختلافنا، وكان يحضر معنا الشاعر محمود أبو الوفا، كان رجل لطيف ومهذب، كلهم ناس أدباء وشعراء ومثقفين قعدتهم فيها مرح وفيها نكات وقفشات، نشرب شاي، نشرب قهوة وتكون هناك مناقشات وانتقادات، جلسة علني والباب مفتوح على الشارع، الكلام كله في المباح لغاية أول أغسطس 1965 راحوا فتشوا بيت الأستاذ سيد قطب وكان هو على قدر علمي في رأس البر، فتشوا البيت في غيابه بطريقة همجية وكان الأستاذ محمد كذلك غير موجود فلما علم الأستاذ سيد بما حصل احتج على تفتيش البيت في غيابه وأرسل احتجاجه إلى المباحث العامة، عاد الأستاذ محمد إلى البيت وشافه متبهدل بهدلة شديدة وعلم أن الأستاذ سيد مطلوب القبض عليه، كنا يوم 3 أغسطس 1965 عندما وصلني الخبر إن الأستاذ سيد مطلوب، وإنه ليس ببيته وساب البيت اللي نازل فيه برأس البر، يوم 5 أغسطس جاءني الأستاذ سيد في تاكسي متخفي وقال إن حصل كيت وكيت وإنهم اعتقلوا محمد قطب وإنه مطلوب ومع السلامة ..مع السلامة ..ومشي، كانت هذه آخر مرّة رأيته فيها 5 أغسطس 1965، حتى سمعت خبر  إستشهاده  شنقا حتى الموت أغسطس 1966"!

 ×××

جاء حسين ابن الحاج وهبة يحادثه في شأن من شئون عمل المكتبة، قلت: الحديث ذو شجون، فردّ مازحا: بل الحديث ذو سجون! السجون التي قضى فيها 12 سنة من عمره؛ خمس سنوات من 1954 حتى 1960، ثم سبعة أخرى من 1965 حتى 1972، تنقل فيها بين السجن الحربي، سجن مصر، سجن المنيا، سجن أسيوط، ثم بني سويف ثم المنصورة والواحات، قال: " السجون المدنية لم يكن بها تعذيب إهانات فحسب، تكدير لكنها كانت فترة ثرية جدا فيها ناس أفاضل، أدباء وعلماء، استفدت منهم فائدة كبيرة كان مسموح أحيانا بالكتب والكراسات فينا من حفظ القرآن ومن جوّده ومن أكمل دراسته، قابلت الشيخ يوسف القرضاوي ومعه الشيخ محمد الغزالي والشيخ البهي الخولي في السجن الحربي.

مثل مطر مفاجئ أربك المرور داهمته نوّة بكاء مباغتة، كل تفاصيل السجون والعذاب والخسائر مرّ عليها باسما فما الذي تذكره فجأة ليهطل بكل هذا التفجع؟ كان، حين صدر الحكم عليه عام 1955 بالسجن خمس سنوات، قد أرسل إلى صديق رسالة: "قل لأمي تطمئن لأن حالة المحكوم عليه بالسجن أفضل من المعتقل"، لكنها حين بلغها النبأ صرخت: "إبني!" واندفع الدم من أنفها وماتت على الفور في 30 سبتمبر 1955 ولم تكن قد بلغت الخمسين، حملها أبوه إلى القبر ولم يمكث بعدها سوى شهر واحد فلحقها في 30 أكتوبر.  ذكّرته بالآية 70 من سورة الأنفال التي واساني بها عند لقائي الأول به: "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أُخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم" صدق الله العظيم.

***

في فجر الجمعة 20 ذو الحجة 1423، الموافق 21 فبراير 2003، كان موعده ليرجع إلى ربه راضيا مرضيا وليهدأ أخيرا في صحبة أبويه وينتهي التفجع ولا يبقى على الأرض سوى غرس نضير للكُــتُـبي المجاهد "وهبة حسـن وهبة".

هناك 4 تعليقات:

  1. لايعرف الوفاء الا أصحابه تحية للقامة الكبيرة السيدة صافى ناز كاظم وددنا لو تحدثينا عن الأستاذ أحمد رائف حمه الله جزاكى الله خيرا

    ردحذف
    الردود
    1. الأفضل ألا أتحدث عنه هذا الأفّاك، فهو الآن في ذمّة الله يستقبل حكم الله عليه فيما اقترفه من ذنوب رمي المحصنات بالإفتراء والكذب والبهتان، ولا يجوز ذكر اسمه جوار الطيبين والأبرار.

      حذف
  2. أتمنى يا أستاذتنا أن تجمعى لنا كل هذه الكتابات القيمة فى كتب لتعم و تمتد الفائدة

    ردحذف
    الردود
    1. لا أحد يقرأ الكتب يا هدى: نحن نجري وراء القارئ كما تجري الأم بالساندويتش خلف أولادها على السلّم لحظة الخروج للمدرسة؛ وممكن يأكلونه وممكن يعطونه لأول عابر سبيل! ثم إن معظم الناشرين، ولا مؤاخذة، ثقلاء الظل! المدوّنة والفيس بوك حرراني من بواخة البايخين. يا باااااااااااااي! حرّيتي هنا إلى حد كبير.

      حذف