الأحد، 20 أكتوبر، 2013

لا أمل في راحة للدماغ:

هذا الشئ الذي اسمه "سياسة

حين يقال أن الثقافة والتربية والتعليم والفن والأدب والمسرح.....إلخ أشياء أخرى غير "السياسة" فهذا لا يعني أنها صماء بكماء عمياء غير مسئولة عن مجريات الأمور والهموم  فالمقصود أنها أرقى من "السياسة" لأنها: متقدمة في الرؤية؛ ترى الأزمات المستقبلية وتحذر، كزرقاء اليمامة، من مغبتها قبل المداهمة التي تصبح شغل "السياسة" فيما بعد، كما أنها أعمق في استيعاب الخسائر الراهنة وأبعد إدراكا في تحليل مسبباتها ورصد شواهدها.

منذ المسرح اليوناني القديم إلى مسرح شكسبير وعصره حتى الحديث، وقضايا العدل والغدر والمقاومة ومصائر الناس وما إلى ذلك هي محاور العمل التي يتناولها كل زمان من زاويته بلغته التي تؤثر في الناس فيتجاوبون معها ويتعلقون بأطواق نجاتها. ولا نكاد
نرى في تراثنا العربي والإسلامي، البعيد والمتوسط والقريب، أدبا وشعرا وكلاما ذا قيمة لم تكن هموم الأمة وأزمات الوقت والإنسان هي مشغوليته وحافز وجوده إبتداءً.

ليس هناك شئ منفصل لوحده اسمه "سياسة" خارج مسيرة الحياة اليومية الملامسة لحياة سواد الناس؛ يبدو معها "السياسي" وكأنه يلبس شيئا طارئا، مثل "النوبة" أو النزوة أو الهواية أو المرض، مايلبث أن يتركه أو يعتزله أو يشفى منه حيث يكون تعبير "مهتم بالسياسة" يبدو أحيانا كتهمة وأحيانا كامتياز وتميّز فئة على الغالبية، التي يُتصوّر أن تستمر في طريقها خالية القلب غير مشغولة سوى بشأنها الخاص.

ما يحدث حولنا، الذي صار مسرحا حيا أكثر قسوة من مسرح القسوة الذي قدمه "أنتونين أرتود"، يفرض على "سواد الناس" القلق الذي يهدد وجودهم اليومي الروتيني بالفقد في أي لحظة، وهم لذلك مرغمون على الإهتمام والمتابعة ومعرفة ما الذي يحدث حولهم ولماذا يحدث، ليس لأنهم "سياسيون" أو مهتمون بما يسمونه "سياسة"، ولكن لأن الدمار ينتظرهم إذا تغافلوا.  الحقيقة التي صارت جلية هي أن "سواد الناس" هم الذين تنزف دماؤهم مباشرة، وهم الذين يذبحون ويشردون ويطردون من بيوتهم ويتلقون الكوارث بكل أنواعها ملتهبة بين أيديهم؛ بسبب هذا التماس الحاد مع "معرفة"، هي: الحياة أو الموت، فإنه لا يحق لكائن من كان أن يسمي متابعة مايجري هنا وهناك والبحث عن أسبابه ومسبباته " سياسة" من نتائجها تحويل "سواد الناس" إلى "سياسيين"، فيعطي بذلك الحق لمن بيدهم وسائل القهر منعهم من الخلط والإختلاط بـ "السياسة"!

المتابعة أي: "الوعي بما يحدث" هي باب حماية الزوجات والأطفال من الموت والتشرد خارج الديار؛ حماية للحياة اليومية بتفاهاتها المرحة ولذائذها البريئة ومآسيها الصغيرة، وهنا تصبح الثقافة، وتوابعها الفن والأدب والتربية والتعليم، مجبرة على مساعدة "سواد الناس" على الفهم وعلى النجاة، تماما كجندي الإنقاذ الذي يأخذ بأيدي من تهددهم الأخطار للخروج أحياء من بين الأنقاض والخرائب، بناء على ذلك يكون من السخف ومن اللجاجة التفتيش المتعنت والإلحاح لفصلها عما يسمونه "سياسة".

إن الذي يتعامل مع "الثقافة" و"الفن" بأفرعه و"الأدب" بأشكاله و"التربية والتعليم" بأحوالهما عليه أن يعرف أنه باختياره هذا الطريق يكون قد حمل أمانة أثقل وطأة من "المحلل السياسي"؛ لأن مهمته الدائمة،  لإفهام "سواد الناس" ومساعدتهم للوعي بمصالحهم، هي رصد الأحداث وتقييمها بمعيار الخسائر والمكاسب الإنسانية، وفقا لمبادئ العقيدة، بعيدا عن غبن مصالح الدول الكبرى.



هناك 3 تعليقات:

  1. مساء الخير يا استاذة .. فى بحث سريع على الانترنت وجدت كتاب ( ترانيم فى ظل تمارا ) الذى نصحتنى بقراءته .. بعد تحميله قلت لنفسى فلأنظر نظرة فى بدايته فلم اشعر الا وانا انهى صفحاته ال80 فى نصف ساعة ما بين رشفات من القهوة ودمعات سالت من عينى أحيانا وإحساس بالراحة والحزن رغم ذلك وانا اتنقل بين سطور وكلمات الكتاب .. كم هى تافهة مشاغل الحياة ولا تعنى شيئاً فى النهاية مشكلاتنا ونزاعاتنا .. ما اغرب ان تتحول حديقة صغيرة و مخلوقات تعد على الأصابع إلى حياة كاملة تكفى وزيادة تشمل الحزن والفرح والنشوة والفراق والوحدة والسعادة والبرد والدفء .. اعرف الآن ان احاسيس معينة ستظل تصحبنى من بين صفحات الكتاب الى يوم الممات (( شكرا على الكتاب الذى أشرت على بقراءته وأتمنى أن تتفضلين يوما ما بوضع قائمة بأجمل الكتب التى تختارينها لقراءك .. للاستمتاع بها )) .

    ردحذف
    الردود
    1. الحمد لله ياهبة؛ أنا سعيدة لك بهذه القراءة مبهجة الألم أو مؤلمة البهجة! شفت كيف تمكن محمد عفيفي من تصوير آلام من فقدوا أبناءهم في يونيو 1967؟ هؤلاء كانوا مصر كلها، لقد كتبها وأوصى بالنشر بعد وفاته وبالفعل تم نشرها بعد وفاته رحمه الله. صورة أمينة في الرواية تكاد تتطابق مع زوجته إعتدال في الحقيقة لدرجة أنني تصورت أن القصة حقيقية وأنه وزوجته فقدا ابنا لهما 5 يونيو 1967 لكنها رحمها الله نفت لي ذلك. ضحكت جدا عندما كان يكلم الأشجار فقالت له أمينة: وهيّ الأشجار ح تسمعك والشباك مقفول!

      حذف
  2. حضرتك كده صدمتينى .. لم يكن عندى شك فى انه يتحدث عن تجربة حقيقية وألم حقيقي .. ما أجمل الفن الصادق حقيقي يشبه الامطار التى تنزل فتمسح قلب الواحد منا .. وتغسله ولو بالدموع

    ردحذف