الجمعة، 4 أكتوبر، 2013

ذكريات عصفت بي!

مايو 1975: عدت إلى منزلي في وقت متأخّر، أحمل نوارة على كتفي ونجم إلى جواري. صامتان. مقبوضة. الأشياء بغيضة، وإن كان تنفس نوارة المتقلقل يلفح رقبتي فأتذكّر أن هذه نعمة كبرى؛ أنا ونوارة وزوجي معاً، هذه حقيقة يمكن أن يطاح بها في أي لحظة، ربما الآن أو بعد ساعة أو هذا الفجر أوالذي بعده. ممنوعة من النشر منذ أربعة أعوام؟ نعم لكن الأكثر إيلاما هو أنني فقدت تدريجيا قابليّتي للكتابة. مُهانة. لا أستطيع أن أأتلف مع القهر ولو أخذ شكلا مُبسّطا. القهر: قهر؛ ليس هناك حد أدني أو أقصى للقهر، كل أشكال القهر إمتهان للإنسان ومهانة الإنسان سقوط لكل شئ.

حين حشدونا، خليطا من مُثقّفي مصرنا العزيزة، في صندوق اللوري المُظلم، نقلا من سجن القلعة إلى النيابة، إرتفع صوت بيننا يقرّر أن الأشياء في عصر السادات أفضل على أي حال من عصر عبد الناصر فنحن على الأقل ننقل إلى النيابة للتحقيق، ونحن على الأقل نُسجن فحسب بلا ممارسات التعذيب البدنية، ونحن على الأقل يمكننا الإحتجاج إلى النيابة إذا حدث تعذيب، ونحن على الأقل يمكننا الشكوى إلى المحامي إذا أصمّت النيابة أذنيها و.....جزعت نفسي: ما حاجتهم للتعذيب بعد؟ لقد نفذ سهمهم إلى مداه وتأصّل الإمتهان في الروح وهاهو الضحية يحمد لجلاده أنه صار يسجنه "فقط"! كيف يمكن أن يكون السجن "فقط"؟ ويسأل سائل: هل كانت المعاملة داخل السجن طيّبة؟ كيف يُمكن أن يطيب أي شئ داخل سجن؟ ناهيك عن سجن برئ؟

إحساسي أنني عريانة وأن بيتي نهب مُباح لكلاب يدهسونه في أي لحظة تعن لهم؛ يقلبون في الكتب والأوراق وأدمغتهم السميكة تتحرّك كالدوم الفارغ، بين حجرة النوم والمكتب ومخدع الطفلة، تبحث عن مستودع الشعر والفكر والرأي، يصد قابليتي عن الحياة نفسها. نكتب عن المسرح، عن الشعر، عن الاستعمار والاحتلال والمعاملة السيئة التي يلقاها العربي داخل أرض فلسطين المحتلّة وهذا الدوم الفارغ يطل فوق أوراقنا، لا يفقه شيئا، لكنه يملك أن يزوّر قضية وهمية لا يعتني حتى بمداراة بطلانها الواضح، فالوقاحة سمة لصيقة بالدوم الفارغ أسوة بالسماجة، يملك أن يضعنا في صندوق مُظلم نتن في لوري ينقلنا كالبهائم من سجن لسجن ولا يعدم أن يجد بداخله أو خارجه من يشكر الإجراءات الرحيمة، التي شملت نوارة وعمرها أربعة عشر شهرا محجوزة مع والديها في مرحاض ملئ بالجرب والقمل بقسم بوليس الوايلي.

أثناء هذا كله: 
مهرجان للأدب،
مهرجان للشعر،
مهرجان للمسرح،
والحاضرون:
1 ـ قتلة الأدب والشعر والمسرح،
2ـ الموالسون للقتلة،
3ـ أصوات قليلة مُغتربة تشاغب أحيانا في الندوات مُنخدعة بأكذوبة جدوى الحوار مع السفاحين!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق