الخميس، 24 أكتوبر، 2013

شوفوا كنت ماذا أقول: مع شادية بور سعيد!

كان تقرير لجريدة الوفد القاهرية 29/7/ 2007 قد أفاد بأن الصيف في مدينة بورسعيد ذلك العام، مختلف تماما بسبب الازدحام الرهيب الذي تشهده المدينة منذ أول يونيو 2007، لاستضافة بورسعيد بطولة الجمهورية للشركات التي ملأ أفرادها شوارع وفنادق وأسواق بورسعيد بأعداد تزيد عن العشرين ألفا، وكانت بشارة خير لتجار هذه المدينة التي اشتكت طويلا من الكساد والإهمال. جريت إلى استعلامات السكة الحديد متوقعة خبرا سعيدا عن قطارات جديدة مكيفة وممتازة درجة أولى وثانية وثالثة، ولكني أحبطت بصوت الموظف يؤكد لي أن قطارات بورسعيد درجة ثانية مكيفة فقط، لا أولى ولا ثالثة.

لم أكن قد ذهبت إلى بورسعيد منذ هزيمة 5/6/1967، فلما شدني الاحتياج إلى التنفس قلت لابنتي نوارة الانتصار، سميناها هكذا، لأنها ولدت مع نصر أكتوبر: ما رأيك يا نوارة الانتصار في أن نهرب إلى بورسعيد التي لم تشاهديها أبدا منذ ميلادك 8/10/1973؟ ابتسمت وأشرقت عيناها.
لأن لدي معوقات في وسائل المواصلات، بحيث لا أرتاح حاليا إلا بركوب القطارات، اخترت موعد قطار الساعة الثانية وخمس وثلاثين دقيقة للسفر. لم أعرف الرصيف. جريت أنهج متسائلة: رصيف قطار بورسعيد من فضلكم. الرد هادئ: على مهلك.. على رصيف نمرة خمسة. لم يكن هناك وقت متاح لشراء بطاقات، من فضلك أي القاطرة درجة أولى مكيفة؟ ليس هناك في كل قطارات بورسعيد «درجة أولى» خالص! ماذا إذن؟ هذه الثانية المكيفة، والثانية المتميزة. حاضر، نجلس في الثانية المكيفة. هل هناك بوفيه؟ لا. هل هذه فعلا درجة ثانية أم ثالثة؟ لا يوجد درجة ثالثة. القاطرة تعبانة، الباب مخلع، والأرض قذرة، والشباك مهربد، والحال لا يسر، لكن الشهادة لله: كان التكييف يعمل بكفاءة. الكمسري الطيب يسألني عن البطاقات فأشرح له رغبتي في شرائها من داخل القطار، قال: تدفعين ستة جنيهات غرامة. لا بأس، متى نصل من فضلك؟ قال: الساعة السابعة قبل المغرب إن شاء الله. أربع ساعات ونصف من القاهرة إلى بورسعيد؟ ببشاشة المطمئن يرد: تماما. أفكر: إذا كانت المسافة إلى بورسعيد مساوية تقريبا للمسافة إلى الإسكندرية، فلماذا لا نقطعها في ساعتين؟ يضحك مسؤول القطار الطيب ولا يرد كأني أمازحه بسؤالي.

لا تهمني الساعات الطويلة في القطار المتأرجح وباب القاطرة المخلع الذي يفتح ويغلق برزعة الهواء، المهم أنني أجلس جوار الشباك. نقف عند كل محطة، أقرأ اللافتات، وكل لافتة لها في قلبي دقة وذكرى، عاصرتها أو قرأت عنها. «القصاصين». أقول لنوارة الانتصار: حادثة القصاصين. تقول: ماذا عنها؟ ثم أقول: التل الكبير وأعود فأكرر معركة التل الكبير! أي واحدة؟ كلها. «التل الكبير» لا بد أن تستكمل في تداعياتي بـ«معركة». «الفردان»، «راس العش»، «القنطرة». لا أتوقف عن إلحاق «معركة» بكل لافتة محطة.

 قناة السويس إلى يميني. الماء أزرق داكن. هيا نقرأ الفاتحة لأرواح الشهداء، من حفروها ومن دافعوا عنها. لم يتوقف لساننا عن قراءة الفاتحة على طول مسافة بلغت في حقيقتها خمس ساعات.

 هذه إذن بورسعيد؟ يهفهف قلبي. هدوء. كرم. وداد. أدب. ترحيب. أسعار لا تقبل المنافسة حتى في فندق الخمسة نجوم. هذا المستوى بالإسكندرية أضعاف مضاعفة. أتعب من السير فأشير إلى حنطور. أريد الذهاب إلى البحر. فقط؟ الذكاء متوقد في عينين مرحتين حزينتين. أنا اسمي جلال وينادونني عبده وأنا سأطوف بكما بورسعيد ما رأيك؟ كثر الله خيرك، بس الحصان يتحمل؟ أولا هي فرسة وحامل واسمها شادية، وشادية جدعة تلف البلد من غير توجيه.

 هذا هو المتحف، انزلي يا نوارة الانتصار ونحن ننتظرك. تغيب قرة عيني ساعة وتعود متورمة العينين من البكاء لمشاهد تراها صورا وعشناها حياة وسنوات وشهورا وأياما ولحظات. في ساعة غياب نوارة أقول لعبده متلطفة أنت أكيد برج الأسد ويبدو لي أنك مواليد 1936. أفرح بفراستي حين يخرج بطاقته وأجد أنه مولود ثلاثة وعشرين يوليو 1936. نحن جيل واحد يا عبده يا أخي، وإن كنت أصغرك بعام. عبده يسمي نفسه: عربجي. أقول له: لا أنت سائق حنطور. يقول: لا أخجل من مهنتي. أقول: وأنا لا أطلب منك ذلك، لكن البرنامج الإذاعي العريق يغني: «الجوز الخيل والعربية سوق يا أسطى لحد الفجرية»؛ إذن فأنت أسطى، يضحك عبده.

الحقيقة التي تبينتها بعد قليل أن «عبده» لا هذا ولا ذاك بل هو قلب بورسعيد ونبضها الذي لا يتوقف عن الخفق بأيام 1956، 1967، 1973، ويزيد هو: وحروب الاستنزاف.

 يأخذنا لتركب نوارة المعدية إلى بور فؤاد رايح جاي مجانا. ركوب المعدية مجانا. نوارة رايح جاي لا تكف عن البكاء في المعدية وقراءة الفاتحة لأرواح الشهداء.

في كل شارع، وكل حي، خاصة الحي العربي، لا يكف عبده عن التلويح للجالسين أمام حوانيتهم، ردا على صيحاتهم: أهلا يا عبدوووووووووووه. يشير إلى البيوت والعمائر ويحكي عن الحرائق وعن البناء بعد الحرائق وعن تضميد الجراح وهو يبتسم ابتسامة من هدأ على تكسير النصال على النصال. يا عبده هناك من يقترح إعادة تمثال دليسبس إلى قاعدته في موقعه على القناة. يرد بتهكم: يا سلام، هي القناة حفرها الفرنساويين وللا المصريين؟ تسحبنا شادية إلى قاعدة دليسبس الخالية، فيقول عبده: ومالها كده؟ خليها خالية تقول احنا رمينا دليسبس! أقرأ لافتة «مطعم دليسبس»، أشير إليها، فيشيح بيده باختصار: خيبة!

عند البحر، عند الشاطئ الهادئ النظيف، الطيب، الوقور، الذي يحترم ناسه ويحترمونه، غسلنا أقدامنا، ومهما توغلنا في البحر فلا مطبات مغرقة. يا شاطئ بورسعيد المفتوح كقلبك، لكل الناس من الفقير حتى الثري، ومن الفرحان إلى الآتي إليك ليفرح: مبروك عليك الزحمة ورواج التجارة ولافتة «لا توجد أماكن خالية» ولو بعد صبر طويل. وعسى أن يرزقك الله يا بورسعيد بقطارات من بركات قطارات الإسكندرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق