الاثنين، 21 أكتوبر 2013

عن فنان لا تنساه الذاكرة اسمه محمد على:

إرادة الطفو

مقالي هذا ليس سعيدا، لكنني أتمنى أن يكون طريفا وإيجابيا في الوقت ذاته.
ذات يوم، لعله في إبريل 2007، خطر لي أن أتصل بالفنان محمد علي، الضلع الثالث فيما سميته "الكيان الفني الشيخ إمام \ الشاعر نجم"، بعد أن تباعدت الرابطة بين الثلاثة بوفاة الشيخ إمام رحمه الله يونيو 1995، جاءني صوته ضعيفا واهنا:
ـ كيف حالك يا محمد؟
ـ عيان..
ـ سلامتك...أنفلوانزا؟
ـ لا: عندي شريان تاجي ومخ وأعصاب.
ضحكت. فهذا هو محمد علي بالتمام والكمال.
ـ طيب شريان تاجي وفهمناه، لكن إيه حكاية مخ وأعصاب؟
ـ مش عارف..ده اللي سمعته من الدكتور وباخد علاج شريان تاجي ومخ وأعصاب.
ـ وإيه أخبار الفن واللوحات؟
ـ مافيش. مش شالوني من التفرغ؟
ـ يا ساتر من إمتى؟
ـ من شهر ستة اللي فات...
ـ وبعدين؟
ـ مافيش إمكانية أشتري مونة الرسم....
ـ بس لاقي تاكل؟
ـ قلت لرفعت السعيد يكلم الوزير عشان يرجع التفرغ، قام قال لي ح ادفع لك خمسين جنيه في الشهر مساعدة.. ساعات يبقوا أربعين جنيه...
ـ معقول يا محمد تعيش بخمسين جنيه؟
ـ فيه جهة تانية نسيت اسمها حاجة كده زي الضمان الاجتماعي باخد منها ستين جنيه.. وواحد دكتور في التجمع جاب لي علاج أصرفه على حساب الدولة وأهي ماشية.
ـ ماشية إزاي يا محمد بس؟
ـ بنت أخويا خدتني معاها للعمرة...
ـ وهي عندها إمكانية للعمرة؟
ـ أيوة.. هي أصلها قدي في العمر وقالت لي أقدر بس آخدك العمرة.. يمكن نروح نموت سوا.. بس ما متناش ـ (يضحك) ـ
ـ إنت لسه تقدر ترسم يا محمد؟
ـ طبعا... وقدمت لهم في التفرغ شغل كويس بس فيه واحد في الوزارة دايما يقف في سكتي...
ـ ليه؟
ـ وأنا أعرف إزاي؟
ـ يا محمد عاوزة أساعدك.. بس أنا ماليش أي خط اتصال بوزارة الثقافة.. أنت فنان حقيقي وتستحق الرعاية.
***
انتهت المكالمة وقد ركبني الهم والغم. الفنان محمد علي لا يستحق صيغة جمع التبرعات أو المساعدة على سبيل التصدق. من حقه وهو يخطو نحو السابعة والسبعين أن تكون له رعاية كاملة، تمكنه من الرسم ومن عرض إنتاجه وحفظ كرامته.
نشرت مطالبتي له بالرعاية في جريدة «الحلوة» الأسبوعية القاهرية، في آخر عدد صدر لها قبل أن يقرر صاحبها إغلاقها.
عدت للاتصال بمحمد علي:
ـ يا محمد رجلك خضراء على جريدة الحلوة!
ـ إزاي؟
ـ قفلوها!
ضحك كأني قلت له خبرا مبهجا. عدت أسأله:
ـ هل اتصل بك أحد من وزارة الثقافة؟
ـ ولا الهوا. أنا بارسم لمعرض في الأوبرا، ونزل إعلان عن منح التفرغ...
ـ طبعا تقدم، استمر وراءهم، ده حقك.
جاء يزورني لأرى صور آخر إنتاجه في فنه «التلقائي»، صعد معه البواب حتى باب شقتي. كان البواب مذهولا، فقد بدا محمد علي بملابسه وهيئته مزركشا زركشة تلقائية خليقة بأن يظنه من يجهله مجذوبا في أفضل الظنون. يرتكز على عصاه مع البنطلون والسترة الجينز الفضفاضة ولونهما الأزرق الكالح، بانت تحت السترة أطراف متعددة الألوان بين البمبي والبنفسجي والأخضر لملابس كدسها فوقه لتقيه البرد، ووضع على رأسه طاقية مغربية جوخ حمراء طربوشية فاقعة الاحمرار تاركا شعره الأبيض من تحتها مسترسلا طويلا، وعلى كتفه تعلقت حقيبة كبيرة سوداء بالغة الأناقة، تلك التي أخرج لي منها صور لوحاته التي ما زالت تدور حول الشيخ إمام والشاعر نجم، وأهل حارته وحجر رصف الطريق، وزخارف الشبابيك، والقباب والمآذن والألوان الزاعقة الصاخبة يكسرها ثم يعقلها اللون الأزرق.
قلت: قهوة يا محمد؟
قال: طيب
قلت: أو تفضل الشاي؟
قال: طيب
قلت: القهوة تركي أم نسكافيه؟
قال: أي حاجة
قلت: باللبن؟
قال: أي حاجة
كل إجابته تأتي بهدوء وبلا اهتمام فالأمور عنده متساوية. وضعت أمامه كوب القهوة باللبن والسكر الزائد حسب تقديري لما يمكن أن تكون رغبته، مدركة أنه من الصعب تحديد رغبة من لم تعد لديه رغبة في شيء.
محمد علي مولود في مايو 1930. يسكن في درب المقشات عند جامع الصالح طلائع، عند باب زويلة بعد أن تهدم منزله العريق في حارة حوش قدم المتفرعة من شارع حوش قدم المتفرع من شارع الغورية. ولد وعاش وتغيرت به الأحوال وتبدلت معه الحرف، لكنه في كل هذا لم يخرج عن عالم الغورية. كان صائغا حتى تعرف على الشيخ إمام عيسى، رحمه الله، ثم أصبح واحدا من ثلاثي فرقة الكيان الفني إمام نجم. لم يتعلم القراءة أو الكتابة، لكنه يستطيع توقيع اسمه «محمد علي». كان يمثل بطانة الشيخ إمام، يأخذ بيده في المشاوير، ويرتب له احتياجاته، ويرعاه ويستضيف الجميع في بيته، المكون من غرفة معيشة وغرفة نوم صغيرة جدا، ويحفظ ألحان الشيخ ويردد وراءه المقاطع المطلوب ترديدها مع الكورس. كان الشيخ إمام يشهد له بأذن موسيقية دقيقة تجيد النشان على المقام الموسيقي. يتحدث الشيخ إمام، يتكلم الشاعر أحمد فؤاد نجم ويصول ويجول مع الضيوف والمستمعين، ويظل محمد علي صامتا معظم الوقت إلا في المقتضب مثل «تشرب شاي؟»، و«اتفضل»، وتبقى لديه وسط الضجيج ابتسامة لا تفارق عينيه كأنه على وشك الانفجار بضحكة ساخرة. حين التقيت به أول مرة عام 1972، في إطار «إمام/نجم»، كان في الثانية والأربعين ووصفته بقولي «طفل» و«عجوز» مثل حي الغورية الذي أنجبه ونشأه وعلمه وألهمه. مثل الغورية «عجوز طفل» و«طفل عجوز».
حين عرف الغناء والموسيقى عرف معهما الألوان والفرشاة، فأصبح الرسم قراءته وكتابته، وحديث صمته الطويل الدائم. لا يعرف الحماس إلا عندما يؤكد أنه حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبل توبته عن المعاصي التي تمنى أن تغسلها عنه فريضة الحج، وقد أداها منذ سنوات، والتزامه بالصلاة في مواقيتها في جامع الصالح طلائع جار بيته.
صنفه النقاد تحت لافتة «الفنان التلقائي»، ولكني اخترت له فنان النبض الشعبي، لأنه نهل من النبع الأصلي مباشرة بلا واسطة، فهو في موقع ومن موقع التماس البكر مع رؤية الشعبيين ونبضهم، وهذا هو الإنجاز الباهر الذي حققه محمد علي في تعبيره الفني بلا جهد أو اصطناع، لأنه كان تماسا حميما مع تكوينات نفسه وعينه وذاته. لوحاته الكثيرة كلها رجال ونساء وأطفال تعكس التعب والمشقة والقهر والصبر ولا عجب، فهي وجوه سواد الشعب المصري المتعب العامل دأبا في احتمال ونكتة تحت طحن الرحى. مع التعب والشقاء المنعكسين بإلحاح في لوحاته لا تجد اليأس أبدا، فالطفل والعجوز داخله يدركان بالبراءة والخبرة أن دوام الحال من المحال، وإن مع العسر يسرا، لذلك تجد الفنان محمد علي قد أغرق لوحاته بالألوان الجياشة المرحة التي تحمل في مرحها الفرح والشجن متلازمين.
كنت قد سألته، وهو يرشف قهوته، ما أخبار الفنان محمود اللبان؟ قال: مااااات. قلت: وما أخبار بيت الشيخ إمام؟ قال: مش عارف.. قلت: أخته لا تزال تسكن فيه؟ قال: ماااااتت... قلت: أنا زرت حوش قدم وشفت أنقاض بيتكم القديم، وقابلت صاحب القهوة جاركم حسن بطنجهة. قال: ماااااااات.
كل مرة يخبرني فيها بموت أحد ترتسم على وجهه ابتسامة تتهلل فيها نظرة عينيه كأنه يعلن عن نيل المتوفى لجائزة «اكسب المليون» و«عقبال أمالتك»!
ما كل هذه البشاشة مع سيرة الموت يا محمد؟
سعل ضاحكا، أو ضحك سعالا، وهو ينظر في اغتباط أمامه إلى الأفق وراء زجاج النافذة، ثم استطرد: محمود اللبان مات صباح حصوله على قرار منحة التفرغ. بعد قوله هذا ظل يهز رأسه بما يمكن أن يكون تعجبا من المفارقة أو أسفا لتأخر صدور القرار حتى مات محمود اللبان، ثم أردف بابتسامة واسعة: أنا ما أخدتش منحة تفرغ. قلت: هل قدمت؟ كرر: ما أخدتش تفرغ.
لماذا تبدو السعادة كلها على وجهك يا محمد، كلما ذكرت خبرا مؤسفا؟ هل أنت مسرور لأن توقعاتك كلها جاءت في محلها؟
بادرته: هل استطعت أن تبيع معرضك الأخير؟ قال برضاء: بتوع المقتنيات أخدوا ثلاث لوحات بس ما صرفتش، قالو السنة الجاية الصرف.
بعد قوله هذا انتابته حالة، ولم استطع أن أعرف هل كانت قهقهة عالية أم نوبة سعال حادة.

حالا مرت 4 أعوام على رحيل الفنان محمد علي، الذي تمنى الرحيل فجاءه 9 سبتمبر 2009، هذا الفنان المنكر لذاته  واهبا بيته في عطاء لا حدود له للكيان الفني: الشاعر أحمد فؤاد نجم والموسيقي المغن الشيخ إمام عيسى على مدى كل السنوات العجاف من 1967 حتى 1995، وكان بحق الضلع الثالث لثنائيتهما من دون منازع أو إدعاء.


من لوحات محمد علي فنان النبض الشعبي


هناك تعليقان (2):

  1. شخصيتان مختلفتان حد التقابل صافي ناز الكاتبة السياسية التي تجعل من قلمها سيفا حادا بتارا وصافي ناز التي تكتب دررا وجواهر أدبية لكن يظل القاسم المشترك انسيابية اللغة وجماليتها لا أقول أغبطك إنما أحسدك عليها
    محمد علي رحمه الله زارنا مع الشيح و النجم في الثمانينيات

    ردحذف
    الردود
    1. تقدير أعتز به من ناقد كبير؛ شكرا جزيلا.

      حذف