السبت، 30 أكتوبر، 2010

مقال لي من سنة 2002 أما زالت له آذان تسمعه؟

 "ديوان الحماسة" .. أم سموم التثبيط؟

21/09/2002
    
يبدو أنها حكاية كبيرة ما حسبته في البداية سوء تقدير وزلة قلم، وهاجس خوف من البعبع الأمريكي الذي يلعب على مسرح العالم دور "الفك المفترس" و"الفيل أبو زلومة" الذي يريد أن يلقي الرعب في قلوب "الزغاليل" بأنه فيل جبار، "يبطط العشّ ويكسر القشّ، فيبطلوا التهليل.... الخ".. وإذا كان أول الغيث قطرًا، فالأمر كذلك مع المطر الأسود، الذي هو ليس بغيث أو غوث أو إغاثة، على الإطلاق، وإن زعم أصحابه أنهم يسدون النصح للنضال الفلسطيني.
هذا المطر الأسود صرنا نرتطم بمائه، كالمَهَل يشوي الوجوه، في الصفحات والأعمدة والأركان المنسية قليلة البركة، في صحف لها مقامها ووزنها المؤثر، هذا المطر الأسود، نرجو أن يكون (عارِضٌ مُمْطرنا)، وليس - والعياذ بالله - "ريح فيها عذاب أليم".
هذا المنطق الذي يطالب بوقف العمليات الاستشهادية على أرض فلسطين المحتلة، بدعوى الإشفاق على حياة الشباب الفلسطيني من جهة، ولأن مردودها - بزعمهم - غير مُجدٍ، في ملتهم واعتقادهم، لأنها بعد 11 سبتمبر صارت متهمة بالإرهاب، هذا المنطق الذي صار يدس علينا سموم التثبيط، لم يعد بإمكاننا النظر إليه بحسن نية، بل هو يستثير في النفس الرغبة العارمة للقراءة الجادة في "نظرية المؤامرة"، خاصة أنه صار يتشدد في لهجته ولا يخفي عداءه لمن يعارضه، ويستلهم المدد من القوة الزائفة في استعراض العضلات الصبيانية للإدارة الأمريكية تحت رايات مجموعة من المختلين عقليا، ولقد عرف التاريخ الكثير من هؤلاء المختلين عقليا من أباطرة الرومان، وملوك إنجلترا وفرنسا، حتى نابليون وهتلر وموسوليني وترومان، صحيح أنهم دمروا وقتلوا وأبادوا وأحرقوا الحرث والنسل، لكن قوى العقل والإيمان لم تكف عن مقاومة المفسدين في الأرض لحظة واحدة منذ خطا أبو البشر وأمهم، آدم وحواء، خطواتهما التائبة على هذه الأرض، وقتل قابيل هابيل، وانتصر "الشهيد" على "القاتل"، وهذه هي سنة الله التي نؤمن بها ونعلمها علم اليقين.
هل صار العرب يعيرون الآن بـ"الحماسة" بعد أن تمت بهدلتهم بـ"ظاهرة صوتية" و"غثاء السيل" على مدار السنوات الماضية؟ هل عندما ينهض العربي الفلسطيني ليتملك زمام المقاومة بيده، بعيدا عن إهانات المن والأذى التي ظلوا يشكشكونه بها على طول سنوات المأساة الفلسطينية منذ 1947، يقف من يقول له بوقاحة وقبح شديد: "لا.. للقنابل البشرية"؟ من أنتم لتقولوا "لا" أو "نعم" .. من أنتم؟ يا أهل التثبيط والخنوع، اذهبوا إلى مضاجعكم وموتوا كما يموت البعير! وليخرس هذا المنطق الملوث الذي قال عن الاستشهاديات الفلسطينيات: "إنني على يقين من أن آلاف المنظمات الأهلية النسائية في أنحاء العالم لن تتعاطف أبدا مع الرجل العربي الذي يدفع زوجته أو ابنته أو شقيقته لتفجير نفسها دفاعا عن وطنهما..."، "الأمم العظيمة هي القادرة على اتخاذ القرارات الصعبة، وتقديم المبادرات البناءة، وتغليب شجاعة اتخاذ القرار على الاستطراد في قراءة ديوان الحماسة الذي تغنى به العرب عبر القرون"(!)، ولكي نعلم ما هي هذه القرارات الصعبة والمبادرات البناءة، والشجاعة التي نغلب بها "الحماسة" يقولون: ".... خطاب إعلامي فلسطيني مختلف يقول للعالم إن الشعب الذي يستطيع أن يستشهد على أرضه في أية لحظة هو الذي يبادر الآن بإيقاف العمليات من جانبه مع التزام كامل من كافة الفصائل الفلسطينية بذلك..."، هذا هو مبلغهم من النصح للنضال الفلسطيني -لاحظ أنهم يقولون "نضال" هروبا من كلمة "مقاومة"!-.
هؤلاء الناس لم يتعلموا أبدا أن المقاومة غريزة مغروزة في كل كائن حي، حتى الجنين في بطن أمه يقاوم "الإجهاض" ويدافع عن حقه في رد العدوان، و"المقاومة" لا تبدأ بقرار ولا تنتهي بأمر. والاستشهادي لا يدفعه أحد، والرجل العربي لا يملك أن يدفع ولده أو ابنته أو زوجته إلى الاستشهاد أو يغريهم بالقعود عنه.
يا سادة "التثبيط" انفثوا سمومكم كما تشاؤون، وكما يشاء من يعجبه كلامكم ويشجعكم عليه، والمقاومة لديها "الترياق" ضد التسمم، ليس بـ "ديوان الحماسة" فقط ، بل أساسا بالوعي الإيماني المستمد من المداومة على قراءة "القرآن الكريم" الذي قال عنه اللورد كرومر منذ مائة عام: "لن تفلح أمة العرب طالما بيدها هذا الكتاب (القرآن)"، وكان الفَلاح عنده هو الخضوع للاحتلال الإنجليزي!

الجمعة، 29 أكتوبر، 2010

الوداد روح المحبة

في الستينيات كانت هناك مسرحية عنوانها «شركان في بيت زارا»، لمؤلف شاب رحل مبكرا، اسمه مصطفى بهجت مصطفى. كانت المسرحية تدور حول «زارا» السيدة الطيبة التي لا ترى الشر كاملا في أحد، ومن ثم فهي تأمن للجميع وتفتح بيتها لكل الأطراف المتصارعة، وتقدم لهم جميعا شراب اللوز المحلى بالسكر. كنت شديدة الإعجاب بالمسرحية التي كان بها صوت مخلص يقول: «إكرهي أعداءك يا زارا..»، لكن زارا لم تكن قادرة على تحمل مشاعر الكراهية، وقتها تمثلت في «زارا» صديقتي «وداد متري»، التي كان بيتها ملاذا بديهيا لكل علامات الثقافة في بلادنا، منهم من كنت أحبه ومنهم من كنت لا أطيقه، كانت وداد تبتسم كلما ذكرت أمامها، بنغمة عدم الرضى، أنها مثل «زارا» ولا ينقصها إلا طلبية من زجاجات شراب اللوز تحليه بالسكر وتقدمه للاجئين إلى مودتها، فترد  بدعابتها الهادئة: إيه رأيك بقى الطلبية وصلت وجاهزة في البوفيه.
                                                                          

على اختلافنا، كنا متكاملتين، لا تناوئني ولا أناوئها، إذا أردت تجوالا يشرح قلبي في أحياء مصر العريقة: الغورية أو الخيامية أو خان الخليلي أو التربيعة أو الصنادقية أو الحسينية...إلخ، تكون «وداد» هي الرفيقة المثلى لا تكف عن ترديد: «اللللللللههههههه...يا سلاااااااااااااام.....شكرا يا صافي»، مستمتعتان بكل لحظات الدقائق عند العطار وعند بائع القماش والملاءات والمناشف وعند بائع الأدوات المكتبية وعند بائع الكليم اليدوي، صناعات القرى المصرية من الصعيد حتى الدلتا، نستنشق معا فرحة إنتاج اليد المصرية، ونملأ بها صدرينا دواء نستشفي به من كل أوجاعنا، ونعود معا من الجولة وقد استشعرنا صحة تصالحنا مع الأيام ونسامح بها الزمن.

تجسد معنى «الوداد» في «وداد»، أغني جنب أذنها المقطع الصعب من أغنية أم كلثوم القديمة: «الوداد روح المحبة، واللي مال يبقى طول العمرفي أسر الجمال...»، راجية منها أن تضبطها بصوتها الشجي وأذنها الموسيقية شديدة الدقة، تسمع «وداد« كلامي وترددها حسب الأصول من دون أن تنسى مجاملتي:«بس أنت قولتيها أحسن»، وأكون عارفة أنني قد قد شخبطتها على الآخر!

في كتابي «صنعة لطافة»، الذي صدر يناير 2007 عن دار العين للنشر، أحببت أن أقدم تعريفا ببعض رائدات في نهضة المصريات اللاتي خرجن إلى العمل والإبداع والبحث العلمي والنشاط الاجتماعي والثقافي وأثبتن أنفسهم بقوة فعالة في بناء مصرنا المحروسة، بشكلها الحديث والمعاصر مع مطلع القرن العشرين. كانت «وداد» هي الشخصية رقم 11 بين عشرين شخصية مصرية من أول نبوية موسى والآنسة مي، حتى توحة الخياطة، مرورا بالدكتورة معصومة كاظم رائدة علم الرياضيات والدكتورة عفت بدر رائدة علم الهندسة الوراثية. قرأت لها كلمة ظهر الغلاف التي أستعرض فيها أسماء الشخصيات كلها قالت بتواضعها المشهور: «يااااا...أنا جنب الناس العظيمة دي؟» قلت لها: «يا وداد، ألم تدركي بعد أنك جوهرة التاج؟» ضحكت بعد أن حبكتها النكتة: "السلطانية"!

وداد متري شخصية ثقافية وفكرية، من رائدات الصحافة المدرسية، كانت أول فتاة يتم انتخابها باتحاد الطلبة بجامعة فؤاد الأول في مطلع الخمسينيات، حين كانت طالبة بارزة في كلية الآداب قسم الفلسفة، لها تاريخ طويل في العمل الوطني والنسوي، عندما كان هذا العمل المسمى النسوي يهدف إلى دمج المرأة المصرية ودفعها إلى المشاركة الوطنية والمواطنية لنهضة المجتمع وتقدمه، وليس للانفصال والتحدي لمبارزة الرجل والدخول في حلبة المصارعة بين فريقين في معركة التقسيم على أساس «النوع»، إناث ضد ذكور وذكور ضد إناث. ولم تكن في مصطلحاتها مفردات مثل «العصر الذكوري» و«الفكر الذكوري» الذي يجب أن تصرعه الضربات «الفيمينيزمية» لتطرحه أرضا عودا إلى العصر الأمومي الذي كان سائدا منذ «خمسين مليون سنة»، إلى آخر هذا «الهجص» الذي لا يمكن أن تكون وداد متري جزءا منه.

تشرفت بأن أكون معها ومع الدكتورة أمينة رشيد والسيدة شاهندة مقلد «أربع نساء من مصر» في فيلم تسجيلي أخرجته المصرية الكندية تهاني راشد عام 1997، ليعبر، عبر تاريخ الوطن، عن إمكانية الصداقة والتفاهم بين أربع شخصيات، تختلف في الأفكار والمعتقدات والآراء، لأنها ارتبطت برابط قوي موحد هو حب الوطن، والتراحم الإنساني، والاتفاق على كراهية المحتل ورفض الاستسلام للاغتصاب الصهيوني للأرض الفلسطينية.

ظل «بيت وداد» صالونا ثقافيا، وملتقى لمعظم الشخصيات الفنية والحقوقية والفكرية والأدبية التي اشتهرت أسماؤها وذاع صيتها، ولو أحصيت أسماء هؤلاء لملأت دفترا جامعا لموسوعة أسماء الأعلام والمشاهير والمثقفين والمفكرين والعلماء والأساتذة الجامعيين في مصر والوطن العربي الذي سافرت وداد إلى معظم أقطاره مع زوجها الأستاذ الجامعي الدكتور سعد لوقا.

مثل كل المصريين، تعرضت وداد للتنكيل الوظيفي المتواصل في المرحلة الناصرية، وحرمت من ممارسة مهنة التدريس التي أحبتها ونبغت فيها، بيد أنها حولت منفاها من وظيفة مكتبية خاملة إلى نشاط صحفي مدرسي ونقابي أدى توهجه إلى مضاعفة التنكيل بالحصار والاعتقال، وصاحبتها آثار التنكيل حتى بلغت سن التقاعد بأمراض الضغط والقلب وتوابعهما، لكنها ظلت على الدوام بتفاؤلها وبشاشتها وقفشاتها اللاذعة وهواياتها المرهقة في شراء كل الصحف والمجلات الصادرة وقراءتها.

من أهم الأنشطة التي حرصت وداد على الالتزام بها طوال مشوار عمرها، كتابة مذكراتها وتدوين تفاصيل زياراتها ومقابلاتها أينما ذهبت. في واحدة من زياراتي لها أخرجت لي دفترين عن العراق في الفترة من 23/10/1964 إلى 4/7/1967، ودفترا عن زيارتها للأردن والقدس في الفترة ما بين 12/4/1965 و 8/7/1967.

بعد الفراغ من قراءة دفاتر الترحال الحر والجريء والمغامر الذي قامت به مع زوجها دكتور سعد وطفليها ريم وسهيل، في مدن وقرى ودروب العراق والأردن، بدت لي مذكراتها التي سجلتها في دفترها عام 1952 إثر تخرجها في كلية الآداب وقيامها برحلتها الأولى خارج «الوطن»، الذي هو القاهرة، إلى حيث تم تعيينها لتعمل مدرسة للغة الفرنسية في ديروط بصعيد مصر، مضحكة وطريفة طرافة بالغة إذ تقول وداد في هذه «الغربة» خارج «الوطن» إلى «ديروط»: «....كنت أتظاهر بالمرح على الرغم من شعوري العميق بأنني مقدمة على عمل خطير، هذا إلى جانب شعوري بألم شديد لفراق الوطن...»، مرة أخرى كانت هنا تعني القاهرة!

هذا الدفتر يحكي عن الشوط الهائل الذي قطعه المصري في خلال ما يزيد عن نصف قرن ليتجاوز مخاوفه من الغربة والاغتراب، ليصبح على رأس قائمة المهاجرين إلى دنيا الله الواسعة. الذي أحب أن أضيفه هو أن وداد متري، تلك الشابة التي بدت خائفة في المسافة بين القاهرة وديروط في صعيد مصر، وقفت صامدة بعد هذا التاريخ بسبع سنوات، 10 يوليو 1959، محجوزة لمدة أربعة أيام في قسم الموسكي مع الفاسدات وقاذورات البول والبراز والقمل وخلافه، قبل نقلها معتقلة سياسية، إلى سجن القناطر للنساء في الزمن الناصري الغني عن التعريف.

في بيتها، فوق مقعدها الأثير، كانت صورتها في إطارها على الجدار كأنها وجه من "وجوه الفيوم" الشهيرة ،تلك التي قال عنها طه علي في تقريره لجريدة الشرق الأوسط:" تعتبر وجوه الفيوم حلقة الوصل بين فن التصوير قديما وفن التصوير في العصور الوسطى.."، وقد عثر عليها أبو المصريات "سير فلندرز بتري" عام 1888بالجبانة الرومانية بمنطقة هوارة شمال هرم الملك إمنمحتب الثالث، وهي 146 "بورتريه" من أجمل ما وصل إلينا ومعظمها يرجع إلىالقرنين الثاني والثالث والرابع الميلادي.

في عصر الخميس 18/1/2007 شاء الله سبحانه وتعالى أن يغيب عنا جسد «وداد متري أنطون»، لكن «وداد» التي هي «روح المحبة»، باقية ترفرف حولنا، وهي معي في كل طريق أستنشق فيه عبق مصر الأصيل.

الخميس، 28 أكتوبر، 2010

فزورة ابحث معي عن السبب

يا أهل الله: مرفق آخر مقال نشرته لي جريدة المصري اليوم بتارخ 19 إبريل 2010، قررت بعده، بأسلوب خال من الذوق واللياقة، منعي من النشر فيها إذ فوجئت بإلغاء عمودي الأسبوعي "ليالينا الحلوة"، الذي كان من المتوقع نشره 26إبريل 2010، من دون سابق إنذار أو إعتذار، ماشي، لكن يبقى أن تفكروا معي، بعد قراءة العمود الأخير هذا الذي بين أيديكم عن السبب المحتمل ولكم مني الشكر ومن الله العزيز المتعال الأجر والثواب، والحمد لله الذي جعل لنا في التدوين والمدونات شفاء الصدر وراحة القلب!

ليالينا الحلوة: صافي ناز كاظم

تابع شرح في أيام زمان

تداعيات خبِرتها في طفولتي حين كنا نسكن مطلع الأربعينيات في بيتنا، 9 شارع العباسية ذي الطابقين والشقق الخمس، وكنا العائلة المسلمة الوحيدة فباقي الشقق تسكنها أربع عائلات يهودية واحدة منها أرضية منفردة في مدخل العمارة يسكنها "فليكس" المخمور الذي يضرب زوجته "إلن" كل يوم وإذا حاول متطوع أن ينقذها يخرج مطواة ويقف بملابسه الداخلية مهددا :" أنا حماية فرنساوي!"، في سلوك يسيء إلى واحدة من عمارات العباسية المحترمة التي يملكها تاجر السجاد الإيراني مهدي رفيع مشكي.

كان اليهود بمذهبيهم: "الرباني" و "القرائي" كثافة عالية في حي العباسية والسكاكيني والظاهر المتاخمين له، نراهم مواطنين مصريين لكنهم كانوا يفضلون التحوصل؛ لايشترون ولا يتعاملون إلا مع الجزار والبقال والخردواتي والكواء حتى الإسكافي اليهودي، يفضلون أن يكونوا "خواجات" ومهما كان الود منا مبذولا كان الحرص منهم باديا. إذا استشعروا ضعفهم ابتسموا بتلطف وإذا أحسوا القوة تعجرفوا، لذا كانت سياسة أمي معهم هي "اعرف صاحبك والزم"، لايروا منا إلا حسن المعاشرة مع الإستغناء؛ يستعيرون أشياءنا ولا نستعير، وإن كنا نطالب باستعادة المستعار الذي غالبا ماكانوا يتعمدون نسيانه! يطلبون خدماتنا مغرب الجمعة ـ ليلة السبت ـ لإطفاء واشعال نور الكهرباء والنار ولمس النقود...إلخ، فكلها محرم عندهم القيام بها حتى ليلة الأحد، نحترم عقيدتهم في تسامح حثنا عليه ديننا رغم ما نلحظه من تعصب دفين؛ كل خادم ينادونه محمد مهما كان اسمه وكل خادمة فاطمة مهما كان اسمها. بيننا وبينهم تعامل هادئ في إطار حقوق الجيران التي تحترمها أمي أشد الإحترام فالنبي أوصى على سابع جار! لكن تلك الجيرة الطيبة لم تمنعنا من أن نرى المسافة الفاصلة بين تقاليدنا وتقاليدهم: كانوا أول من رأيتهم يلعب الورق بالفلوس ويشرب الخمر، رأيت من خلالهم كيف تفعل الخمر بالإنسان من صخب وشج رأس وقسم بوليس يخرج منه فليكس دائما حرا لأنه "حماية فرنساوي"! ناهيك عن حفلات "الدانس"ـ أي الرقص الأفرنجي ـ نتأذى لكن شعارنا "كل واحد حر في بيته". ارتبطت الخمر وكل هذه الممارسات "الألآفرانك" في ذهني باليهود، حتى أنني، فيما بعد، عندما كنت أرى مسلمين يشربون الخمر في حفلات استقبال دبلوماسية أو صحفية كنت أراهم صورة تؤلمني من جيراننا اليهود.

حين تصاعدت نذر "حرب فلسطين"، مع وباء الكوليرا (1947\1948)، لم يخطر ببالنا للحظة واحدة أن يهود مصر، جيراننا، يمكن أن ينحازوا لأعدائنا لأن أعداءنا لابد أنهم، بالمنطق والضرورة، أعداؤهم، لكن الصدمة تجلت حين كتبنا، أنا وأختي فاطمة، "فلسطين للعرب" على جدران سلم البيت وإذا بيد تشطب "للعرب" وتكتب "لليهود"، وعرفنا أنها راشيل حفيدة الحاخام التي كانت في مثل عمرنا، بين العاشرة وفوقها.

استمرت الغارات وكل مولود يهودي يولد يسمونه "فيكتور" و "فكتوريا"،(أي منتصر وانتصار). سافرت أسرة الحاخام كلها ليلا ومن قبلها هرب لازار إلى ما صرنا نسميه "إسرائيل المزعومة"، ذلك النتوء الشاذ لكيان صهيوني إرهابي عنصري إعتمدت عصاباته المجرمة القتل والتفجير وبقر بطون الحوامل وتقطيع اللحم الفلسطيني بلا توقف تمهيدا لإقتلاعنا شيئا فشيئا ليتمكن تعصبهم المتخلف ولنأكل الحصرم بتسامحنا المتحضر!

ثقافة "السلام" هي ثقافة "المقاومة"


يجب ألا تختل في يدنا عجلة قيادة حياتنا، يجب ألا ترغمنا الأحداث على اليأس والإحباط وهزيمة الروح والإصابة بعقدة "اضطهاد الذات". "النقد الذاتي" حنون وغير متهكم، و"اضطهاد الذات" عنف ضد الذات القومية والعرقية والثقافية يكسر في ضرباته كل أعمدة النهوض ويمزق أطواق النجاة.
ليست مهمتنا "الآن" أو "غدا" شرح "الإسلام" لمن اختاروا، بعد كل صور المذابح، أن يكرهونا ويفرحوا بما يصيبنا من كوارث. لا يهمني أن يعرف الغوغائي في الشارع الغربي، الصائح بوجه كل عربي "أيها المسلم القذر"، ما هو "الإسلام"، لأنه يستطيع أن يعرف لو شاء ولو أراد، لكنه يتعمد البحث عن "الجهل" !
الذي يعنينا أن يعرف العربي القوة الكامنة في "إيمانه"، أن يعرف "المسلم" دينه حق المعرفة، من دون استخزاء أو اعتذار أو تثبيط. أن نعرف جميعا أننا بدعوة "السلام" لا نقصد "التفريط"، وأننا بحب "السلام" نهبُّ للمقاومة.
لأنني من الجيل الذي يحمل وعيا، يبلغ من الأعوام63  سنة، بخسة الإرهاب الصهيوني منذ عام 1947 حتى الآن، فأنا لم أندهش من صور الوحشية المنقولة للسمع والبصر عبر أجهزة الإعلام من كل صوب ومكان.
لقدر ترعرعت مع جيلي على تفاصيل المجازر والذبح وبقر البطون وعصابات الهجاناه، وغيرها، التي كان من مجرميها الإرهابيون الرواد: بن جوريون، وبيجن، وموشى دايان، وجولدا مائير، ورابين.. إلخ، الذين تركوا وراءهم تعاليم تربى عليها شارون ونتنياهو وبيريز وإيهود باراك وخفافيش المستوطنات -(المستخربات لا المستعمرات)- من مصاصي الدماء العطشى دائما إلى تجرع دمائنا في انتشاء لا يكتفي بأي ارتواء.
حين تحدث البعض منذ سنوات عما أسموه "ثقافة السلام" و"كسر الحاجز النفسي" بيننا وبين عدونا الأبدي، لم يوضحوا للناس في بلادنا، أن تلك الأبدية في العداوة لم نكن نحن المسؤولين عن اختيارها لأن "العداء" اختيار يضعه المغتصب للحقوق ويأبى علينا أن ننساه لأنه باق لا يتزحزح عن كونه "المحتل"، السارق للأرض والوطن وهوية "فلسطين" شعبا ولغة ودينا وحضارة.
و"السلام" الذي هو "تحيتنا" له في تعريفنا دلالة لا تنفصل عن "الحق"، لا تنفصل عن "العدل"، لا تنفصل عن "الأمن" و"الطمأنينة" لأصحاب "البيت" و"الحقل" و"المسجد" و"الكنيسة" و"الأرض المباركة". وكل ثقافة تؤدي إلى تأكيد هذه الدلالة، التي نفهم بها كلمة "السلام"، هي فقط "ثقافة السلام" المعتمدة لدينا.
وحين نرى العدو الصهيوني، العدو الأمريكي، العدو "الأوروأمريصهيوني"، "يُشقلب" لنا معاني "السلام" لتصبح - وفقا لأهوائه الشريرة - خضوعًا لشروط اللصوص تحت تهديد الإبادة بالطائرات والمجنزرات والرصاص والقلوب التي هي أشد قسوة من الحجارة، فلا بد لنا أن نقف وقفة "الشاهد الشهيد" لنقذف بالحق على الباطل ليزهقه بحول الله وقوته، في مواجهة كل هؤلاء الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به "الحق"، وليس أمامنا سوى "ثقافة المقاومة" لتتحقق لنا وللعالم دلالة "السلام" الأصيلة والأصلية.
لم تكن بيننا وبين العدو الصهيوني المحتل الاستيطاني - المتمثلة فيه أبشع وجوه الاحتلال قاطبة- أي "حرب". لقد أعلنوا "هم" علينا الحرب العدوانية وأسموها كذبا وزورا وبهتانا "حرب التحرير"، وكان علينا أن نواجه العدوان بالصد وإماطة الأذى عن الطريق - فيما يجب أن نعرف كونه - بمعارك "المقاومة".
منذ 1948 ونحن نقاوم، بل منذ 1928 ونحن نقاوم، بل منذ 1917 ونحن نقاوم، بل منذ قبل ذلك وإرهاصات اللصوص تزحف بحركاتها ونحن نقاوم، ومعنا "ثقافة المقاومة" منذ نهاية القرن الـ19 وعلى طول القرن العشرين، التي تنبهت بجنودها إلى مخاطر ثقافة المحتل الإنجليزي والفرنسي والغربي بوجه عام، وقالت وقالوا: احذروا الطعام المسموم.
فالحقيقة أننا لا نقترح "بداية" لثقافة المقاومة، لأنها عميقة الغرس في تاريخنا وحضارتنا ونهضتنا العربية والإيمانية والإسلامية لكننا نؤكد على "المواصلة" لثقافة المقاومة، و"التنقيب" عن جنودها وروادها وشهدائها المطمورين تحت لجاجة وغتاتة عصابات النشل الحضاري وتجار الشنطة الثقافية، الملوثة لبيئة العقل والقلب والوجدان، بماركات "التنوير" منتهية الصلاحية منذ غروب الشمس عن إمبراطوريات الاحتلال الإنجليزي والفرنسي والإيطالي.

الأربعاء، 27 أكتوبر، 2010

شقلباظات التبوير في مسألة الدولة المدنية

مضطرون إلى مواصلة السباحة في البدهيات لتوضيح أن الشمس تشرق من المشرق وتغرب إلى مغربها وأن القول بذلك لايعني أننا نمتلك الحقيقة المطلقة ولكنا نعرف الحقائق التي لا جدال فيها ونشير إلى البرهان الساطع أمامنا يؤكد أن الشمس شمس   وذلك بكل الحواس الرشيدة و بالعقل؛ الذي كم من المغالطات والمراوغات ترتكب باسمه.

رغم الإنزلاق المتسارع إلى تنحية الدين تماما عن قيادة حياتنا بكل تلك الترسانة من القوانين الوضعية المستجلبة من الدساتير الغربية، التي ما أنزل الله بها من سلطان، إلا أن ثمة ورقة توت كانت دائما تغطي سوءات ذلك الإنسلاخ من أرضيتنا العقائدية، الإنسلاخ الذي هو بلا شك ضد مصالح البلاد والعباد، فكان من المعتاد التنويه بالتمسك بقاعدة: إجازة القانون الذي لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية فحسب وإلغاء المتعارض مع الشريعة فيتوجب حذفه ورفضه ورده، إلا أننا صرنا نتفاجأ بتسربات المقولات الجديدة لتكتل الجماعة الرافعة لافتة "الدولة المدنية" والتي  لم تعد تطيق حتى ورقة التوت،تلك التي لاترضي ربنا ولا تنفع عبده، وتعتبرها دليلها الدامغ على الدولة الدينية المزعومة التي تهدد أسس الدولة المدنية، وقد بدأت تلك الجماعة، المزهوة بسُلطتها  وتسلطها، تغرقنا بتحليلاتها وشروحاتها التي تتدفق بجرأة وتدلف، بمزاحمة، لتمكين اللادينية على أرض مصرنا كنانة الله المحروسة وطمس كل ملامح الدين، تارة برمي مطبات في الكلام مغالطة ولامعنى لها مثل مقولة "الدولة لا دين لها"،وتارة بشقلباظات تبويرية  لاتتقي غيظ الحليم، وفي شقلبة مباشرة لقاعدة: "قانون الشريعة فوق القانون الوضعي"، قرأنا شرحا لما تتطلبه الدولة المدنية يقول بالحرف:"...فعندما تحل معادلة الحلال والحرام بديلا لمعادلة القانوني وغير القانوني فإننا نكون قد ابتعدنا عن المرحلة الوضعية إلى التحليق في سماوات العقيدة الروحية وآفاق المشاعر الدينية..."، أنظر: مصر الدولة المدنية والرؤية العصرية، د.مصطفى الفقي،الأهرام 7\9\2010، والمُقترح والمُتضمن  في هذا الكلام وسياقه هوالآتي: إذا تعارض الحلال والحرام مع القانوني فعلى الحلال والحرام أن يتنحيا ويضربان تعظيم سلام لحضرة القوانين الوضعية لاستكمال أركان دولتهم اللادينية تحت اسمها الحركي الدولة المدنية!

 إننا في خضم التعنت الصهيوني لوصم الأرض المباركة فلسطين بإطار "الدولة اليهودية" مع هلاوس المتهوسين لحرق القرآن الكريم، نستنكركل محاولة بين ظهرانينا تحاكي الحرق السفيه بالحض على تعطيل آيات كريمة من آيات الكتاب العزيز في سورة النساء أرقام 59 حتى الآيتين 64 و 65 اللتين تقولان:"وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"، صدق الله العظيم.


الثلاثاء، 26 أكتوبر، 2010

المغارة: أصل الحكاية من 30 سبتمبر 2008

أستحق التهنئة، ذلك لأني تمكنت أخيرا من الدخول إلى المغارة، التي يسمونها: الشبكة العنكبوتية الانترنت.
كنت قد ركنت الى اليأس وارتضيت أن أكون من ذوي الاحتياجات، أخضع لما تجود به ابنتي من وقتها وعافيتها لتكتب لي مقالاتي، وتقرأ لي بريدي متحملة عبارة: اصبري يا ماما، حتى صعبت علي نفسي أقول في سري: أصبحت يا ست صافي مثل الأمي، الذي ينتظر ابنه العائد من الكتاب ليقرأ له الجريدة أو العرضحالجي ليكتب عنه الجوابات.
لم يعجبني الحال بالطبع، أنا التي من صغر سني مطنجرة العمامة، على حد قول الموال الصعيدي، أأدخل في ثياب الذل، عصر الاتصالات؟ كلا وألف كلا: سأنزل غير هائبة إذا ما تلمظت المنيـــة للنزال، مستعيرة كبرياء جـــدتي كليوباترا، وهي ترفض بإباء وشمم أن تدخل في ثياب الذل روما مكان التاج من فرقيها خال.
طيب، كان التصرف الحكيم أن أعود تلميذة في محو الأمية الانترنتية، وكان أن بدأ أستاذي يعلمني الأبجدية الحاسوبية: وتاتا تاتا تخطيت العتبة نحو المغارة!
هذه المقالة أعافر في جمعها وحدي، وألاقي ما ألاقي من عذاب وعنت، هلكت أختكمو صحيح لكن من قال إن حفظ الكرامة بالساهل؟
المهم أنني صرت أعرف الدخول الى موقع «الشرق الأوسط» وأطمئن أن مقالي تم نشره من دون الإحراج الذي كان ينشأ، وابنتي تراقب قلقي أو إحباطي أو فرحي الطفولي عندما تجد مقالي فتصيح: نزلت ياماما نزلت! وأبدو كأني أنشر لأول مرة.

صرت أفتح بريدي الإلكتروني، بل وواثقة أحرك المؤشر إلى «إلغاء»، الللللللله! يا لها من كلمة، يا لها من خطوة جميلة!
أما لماذا أجد الإنترنت كما «المغارة» فذلك لأنني تهت في غياهبها والإشارات تزيدني حيرة حتى البكاء.
ليس لي فيها مقام، فهي زحام حاجتي إليه قليلة لا تستحق كل الجلبة المتاحة.
دعوت الله في سجودي: يا من علم آدم الأسماء علمني الحاسوب، واستجاب الكريم الودود الفعال لما يريد.
وتعلمت وأنا عجوز وهذا رأسي شائب.
30 سبتمبر 2008

وفي المغارة وجدت مالايسرني

تعلمت ،عن قريب جدا، التعامل مع الحاسوب وأصبح لدي جهازي الخاص المحمول، واسمه الشائع   للأسف هو اللاب توب، المهم أن إجتهادي أوصلني إلى نتائج إيجابية منها أنني أصف مقالي بنفسي وأرسله بمعرفتي إلى الجهة المقصودة للنشر عبر البريد الإلكتروني ولا الحوجة إلى الإستعانة بإبنتي التي كنت، أيام أميتي الحاسوبية ، أنتظر فراغها من مشغولياتها لتفتح لي بريدي وتصف لي مقالاتي ، مثل أي قروي أمِي ينتظر عودة إبنه من الكتاب ليقرأ له خطابات الأهل والخلان أو يذهب لعرضحالجي يكتب له الجوابات، حتى نهضت محتجة على تقاعسي عن الدخول المشرف لعصر الإتصالات وأحضرت المعلم الذي علمني الأبجدية التي خولتني لتخطي العتبة الحاسوبية . ولأن الطمع في المعرفة محبوب قادني طموحي إلى التجول في الشبكة العنكبوتية ، وأسميها "المغارة" ،ووجدت مايسرني وإلى جانبه الكثير مما لم يسرني من لغة التفحش ونهش الأعراض، التي لم أر ضرورتها لأصوات تأخذ سمت الغاضبين للحق!

كل هذه الألفاظ النابية ؟ لماذا؟  تساءلت وقد غمت نفسي وألوذ بالنقر على أمر الإلغاء.

أصوات تحب صياغات كشف العورات والعبارات منزوعة العفة والحياء، تلهو لهوها الكئيب مع العناكب والخنافس وخرفشا ت الحشرات المتنوعة ، وترى في ذلك المهارة والشطارة بل والجمال!

في مسرحية "بيرجنت" لإبسن يهبط البطل بيرجنت إلى عالم المسوخ ، تحت الأرض، الذي يقلب دلالات الأشياء رأسا على عقب فيعشق القبح ويجده القيمة المرجوة لـ "الجمال"،  ومازلت أذكر جملة زعيم المسوخ: "لا..لا.. إنها ليست قبيحة كما ينبغي" وهو ينشد أكثر الفتيات قبحا لتنال رضاءه!

أنا لست ممن يحبون مصادرة اختيارات الآخرين، وأرى من حق المسوخ أن يعبُوا من قصعات "المسوخية" حتى ترتوي كروشهم ، بل إن من حقهم أن يتجشأوا أبخرتهم الكريهة ، ويتمتعوا، في محافلهم القمامية،بالتعبير المعظِم لكل القبح الذي يعشقونه ويتبادلون الإحتفاء به في دوائرهم التحتية، أما الذي ليس من حقهم ، ولا من حريتهم ، أن يقطعوا الطريق على الأسوياء، قسرا وإرغاما ، ليحاصروا فرصهم في استنشاق الهواء النقي مستشرفين ضياء الشمس ونور القمر.



الاثنين، 25 أكتوبر، 2010

رسالتي القديمة المتجددة

وجدتها، تلك الرسالة التي كنت قد أرسلتها من شيكاغو، أكتوبر ١٩٦٢، إلي والدتي وقلت فيها قولا أجد من المناسب، بعد كل تلك السنوات، أن أعيده علي الأسماع، برهانا، قد يحتاجه البعض، علي أن أمريكا هي أمريكا، إذ في جوهر مبادئها وفلسفتها وممارساتها أسس كل ما نراه الآن من وحشية باردة.

أقول في رسالتي القديمة المتجددة:

 ...لا تخافي عليّ يا أمي من عصابات شيكاغو، علي أية حال أنا دائما أسير ومعي مطواة في حقيبتي أمسكها بيدي عندما أعود ليلا.

أما هؤلاء الذين تقولين عنهم يا والدتي إنهم يمشون بدون خناق أو احتكاك فأنا لم أقل عنهم خونة، أنا لا أتهم أحدا بالخيانة، لكنني أردت فقط أن أحكي لك صعوبة أن يقول الإنسان رأيه هنا، وأنه لابد من التغاضي لكي يمشي الحال، والتغاضي شيء عظيم لو كان في الإمكان. من طبيعتي عدم التغاضي ومع ذلك فليس كل العالم أعدائي هنا، لدي بعض الأصدقاء فلا تقلقي. إنما أردت أن أشرح لحضرتك كيف أن أي طالب أجنبي يصل ليتعلم هنا في جامعات أمريكا لن يفلت من محاولات اصطياده ليكون مسخا من صورة وصنع «الطريقة الأمريكية في الحياة» تمهيدا ليقوم بدوره كإحدي القواعد الحية التي تزرعها أمريكا لخدمة مصالحها وفكرها ومنطقها في العالم.

إن الجامعات الأمريكية لا يخفي عليها منذ اللحظة الأولي التي تعطي فيها منحة أو مساعدة للطالب الأجنبي أن هذا الطالب سيعود إلي بلاده وسوف يحتل المراكز المهمة ويشغل دورا حيويا في التوجيه الفكري في بلاده، والمحاولة تكون لجعل هذا الطالب تحت السيطرة الأمريكية ليكون قناة يعبر عليها المنهج الأمريكي في التفكير، نعم إن هذا الطالب لا يقصد به أن يدرب ليكون جاسوسا، فتدريب الجواسيس له بند تدريس آخر، لا: سيظل الطالب مخلصا محبا لبلده متصورا أنه يقدم لها خير ما يملك من خبرة وثمرات تجربته، كل ما هنالك أن يُصنع الطالب تدريجيا ليؤمن أن أمريكا هي صديقته، هي حامية حماه من الخطر، أن بلاده لا يمكن أن تصمد وحدها بدون يد أمريكا وراء ظهرها، أن وجه أمريكا طيب، صبوح، ضاحك، صريح، ساذجة أمريكا ربما، لكنها سذاجة الأطفال الأبرياء!

أن يُغسل مُخ الطالب الأجنبي فيتصور أنه، وهو يذم سذاجة أمريكا ويتهمها بالطفولة والبلاهة، إنسان حر لم تستطع دولارات المنحة الأمريكية ولا دعوات الغداء والعشاء ولا الفتيات أو برامج التأهيل المتعددة المخططة للاحتواء، لم يكن لكل هذا أن يؤثر في موضوعية تفكيره وحقه في أن يقول رأيه بصراحة في أن أمريكا ساذجة بلهاء!

مع ذلك فأنا لا أخشي علي الذين يعودون إلي بلادهم: فهم إما يعودون ويؤقلمهم الناس من جديد رغم أنفهم بطريقتهم في الحياة، أو أنهم يرجعون إلي أمريكا وهنا يزول خطرهم.

 وحين يرجعون أمامهم الاختيار الحقيقي: أن يبيع الواحد منهم نفسه كاملا للتغاضي حتي يصير طبيعة فيه أو يعيش منغص الحياة إلي الأبد. فأمريكا لن تكون ضاحكة وبسيطة ومرحبة إلا أمام ثمن غال جدا هو: أن يقبل الراجع إليها تخدير عقله وضميره وروحه ويصبح مجرد جثة آلية تتحرك بلا حس أو غيرة، ليصبح إنسانا مسلوخا عن وطنه وناسه.

ولقد قابلت أنماطا مصرية من هؤلاء: قابلتهم بعد أن تمت صفقة شرائهم وتحويلهم إلي مسخ مشوه حقير من الإنسان الأمريكي المضلل.

قال لي أحدهم إنه لم يعد بوسعه أن يعيش بمستوي أقل مما تعود عليه في أمريكا وإن أسلوب التعامل في مصر صعب جدا وإنه لم يطقه لأنه لم يعد بوسعه أيضا التعامل بغير أسلوب التعامل الأمريكي، وكان فرحا جدا بعربته الآخر موديل وشقته الأنيقة وعلاقاته الحرة الكثيرة مع فتيات شقراوات، وكان أحيانا يبلغ به تملقه أن يتأفف من الأمريكي الأسود ويبرر تعصب الأمريكي الأبيض بأنه: أصل يا مدموازيل الزنوج هنا وسخين، إنت ترضي تقعدي مع ناس وسخة؟ متجاهلا بالطبع الفقر والحرمان المريع الذي قاساه الأمريكي الأفريقي علي مدي قرون طويلة ومتجاهلا بالطبع أن الوساخة كلمة لها مدلولان وأنها كلمة أليق به من الأمريكي الأفريقي.

مثل هذا النموذج كنت أراقبه وأتصعب عليه كأنه أحد الذين نزلت عليهم قنبلة هيروشيما وشوهته تماما بحيث أصبح من غير الممكن التعرف عليه. كنت أحس أن القنبلة ألقيت داخله وحرقت عقله وفكره وأصالته كواحد منا، ولم تترك منه سوي شكله الخارجي زينة يتسلي بها الأمريكان ليعلموا أولادهم كيف تكون ملامح المصري، فأمريكا مثل جامع الفراشات يهوي جمع فراشة من كل نوع يغرس رأسها بدبوس ويترك جسمها سليما.




الأحد، 24 أكتوبر، 2010

فتح العرب لمصر: من تراث الترجمة إلى العربية

أصدر ألفريد ج. بتلر كتابه بالإنجليزية «فتح العرب لمصر»، عام 1902، وفي عام 1931 بدأ الأديب الرائد محمد فريد أبو حديد بترجمته إلى العربية، ترجمة مقترنة بالبحث والتحقيق، مما جعل من هذا الكتاب، 560 صفحة، أثرا نفيسا ونموذجا مبدعا في تراث الترجمة إلى العربية، وكان هذا بتكليف من ناشره: «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، التي أصدرته عام 1933.

في مقدمته لترجمة «فتح العرب لمصر» يقول أبو حديد: «ألف الدكتور ألفريد ج. بتلر هذا الكتاب منذ ثلاثين عاما، وعرفته منذ عشرين، فكان من الكتب التي خلفت في نفسي أثرا كبيرا، يمتزج فيه الإعجاب والتقدير بالرغبة في أن تتملك اللغة العربية بحثا قيما مثله، والأسف على أن يخلو تراثنا الأدبي من كتاب نظيره. وأي شيء أعجب من أن تكون لغتنا العربية وأن يكون الفتح العربي حدا فاصلا في تاريخنا يفتح صفحة جديدة في حياتنا، ثم مع هذا لا نجد وصفا عربيا لذلك الفتح يمكن أن يعتد على دقته، ويوثق بتحريه، فكانت النفس تتطلع إلى ضم كتاب الدكتور بتلر إلى ثروتنا الأدبية..... ثم أتيح لي أن أحقق ذلك الحلم بأن ناطت بي لجنة التأليف والترجمة والنشر ترجمة ذلك الكتاب الذي اختارته من بين الكتب القيمة التي تسعى أبدا في إظهارها ونشرها.... وأرى أن هذا مكان لائق لكلمة أقولها عن تلك اللجنة المباركة التي لم تقف خدماتها عند حد سياسي ولا عند وطن بل كانت خدمتها للناطقين بالعربية أجمعين، بادئة بالكنانة المحروسة، مصرنا المحبوبة، ولو كنت من غير أعضاء لجنة التأليف لوجدت مجال القول فسيحا... كان من حق هذا الكتاب أن ينقل إلى العربية منذ ظهر فإنه يسد ثلمة في تاريخ العرب ما كان لها أن توجد، وما كان أجدر بأن ينقله إلى العربية مصري، إذ أن الكتاب يتعلق بتاريخ مصر».

في تقييمه لموقف المؤلف الإنجليزي يحيي «أبو حديد» الموضوعية العلمية التي أخذ المؤلف بها نفسه فيقول أديبنا الراحل في ذلك: «... فمؤلف الكتاب معجب بالعربي ومعجب بالقبطي، فهو يذكر حوادث التاريخ ذكر القاضي الناقد، لا يعبأ أين تميل به الحجة، لأنه لا يقصد إلى نصر فئة ولا الدعاية لشعب، بل يذكر ما كان في الماضي، ويوضح ما فيه من المسائل من غير أن تكون في نفسه مرارة، أو أن يكون في حكمه زيغ. فهو إن رأى الحجة مع العرب أبان عنها بيانا شافيا، وإن رأى الحجة مع القبط كشف عنها كشفا صريحا، وفي نفسه سرور الباحث عن الحقيقة إذا وفق إلى كشفها، إذ ليس في قلبه ما يسخطه على تلك الحقيقة إذا هي تبدت في جانب دون جانب... فالمصريون في هذه الأيام يستطيعون أن ينظروا إلى الماضي نظرة إلى تاريخ جرت حوادثه جريانا طبيعيا، ساقتها إليه الظروف التي كان لابد من أن تسوقها فيه... كان للمؤلف فضل التعرض لبعض مفتريات التاريخ وكانت شائعة بين الناس يأخذونها تلقفا بغير تمحيص، وطالما كانت المفتريات عضدا لمن أراد البغي على المصريين... وإليك مثلين لتوضيح ذلك، فقد تناول في أول بحثه مسألة طالما رددها المؤرخون وهي اتهام المصريين القبط بأنهم كانوا دائما يرحبون بالغزاة الأجانب، وقد أظهر المؤلف... وكذب ما ادعاه المغرضون من المؤرخين، وخلص إلى أن القبط إنما كانوا أمة شاعرة بوجودها متماسكة فيما بينها مستمسكة بمذهبها الديني، وقد اتخذت ذلك المذهب الديني رمزا لاستقلالها، فضحت في سبيله بكل شيء، وكانت، وهي تفعل ذلك، تحافظ على استقلالها وشخصيتها من أن تندمج في أمة أخرى، ولكن المؤلف أظهر أن تلك الأمة التي حافظت تلك المحافظة على شخصيتها، لم تكن لترضى بأن تفتح ذراعيها لسيد جديد وتقف معه في وجه السيد القديم، بل كان كل ما فعلته أن بقيت مكانها لا تحرك ساكنا برغبتها، تاركة ميدان النضال بين المتنافسين، إذ لم يكن لها مصلحة في الدفاع عن سيد أذاقها مر العذاب في محاولته القضاء على استقلالها، وهكذا أظهر الموقف أمة القبط في ثوب العزة والأنفة ورمى عنها ما كان المؤرخون قد ألقوه ظلما عليها من التهم الشنيعة... ولكن هذه الروح العادلة التي حدت بالمؤلف إلى نصرة الحق في جانب أمة القبط، حدت به كذلك إلى نصرة الحق في جانب أمة العرب، فلم يحاول أن يخفي من فضائلها شيئا... ترى إعجابه بقائد القوم عمرو بن العاص، كما ترى إعجابه بروح البساطة والطهارة التي كان عليها غزاة العرب إذ ذاك، ثم نراه تعرض لمسألة خاض فيها المؤرخون المتأخرون ووجدوا فيها سبيلا للطعن في سيرة العرب، وهي إحراق مكتبة الإسكندرية، فأبان هناك عن الحق، راجعا إلى أسانيد التاريخ، حتى أظهر أن العرب عندما غزوا الإسكندرية لم يجدوا هناك مكتبة كبرى، إذ كانت مكاتب تلك المدينة قد ضاعت ودمرت من قبل غزوتهم بزمن طويل».

يشتمل كتاب «فتح العرب» على ثلاثين فصلا ويتدرج من: خروج هرقل، ويتناول فيه ملخصا لحكم أباطرة الروم من حكم «جوستنيان» إلى حكم «موريق»، وشواهد الأفول التي كانت تتبدى على الدولة الرومانية مع مطلع القرن السابع الميلادي، وحال مصر وشقائها في ظل تلك الفترة، ثم خروج هرقل وخطة حربه للقضاء على منافسيه، ويتناول الفصلان الثاني والثالث النضال الذي خاضه هرقل وجنده حتى يتم له فتح مصر باسمه. ويتناول الفصل الرابع ولاية هرقل ثم بعده فصل: مصر في حكم الإمبراطور الجديد. ويتناول الفصلان السادس والسابع فتح الفرس للشام ثم فتح الفرس لمصر. ويفرد الفصل الثامن للفن والأدب ويتناول البحث في التاريخ والطب والفقه والتصوير والفلك والعمارة والفسيفساء وصناعة المرمر بالإسكندرية وتفسير الكتب بالرسم والنحت والعاج وصناعة المعادن والخزف والورق والزجاج والمنسوجات والتجارة والسفن. ويختص الفصلان التاسع والعاشر بجهاد أصحاب الصليب على الفرس الوثنيين حتى يتم نصر الروم ويحتفلون بإعلاء الصليب في كنيسة القيامة. ثم يتناول الفصل الحادي عشر دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والاتفاق في الزمن بينه صلى الله عليه وسلم وبين هرقل وكتب النبي إلى ملوك العالم وأمرائه وما أجابوا به، ويحلل أسباب فوز الإسلام، ثم يتناول الفصل الثاني عشر فتح العرب للشام، والفصل الثالث عشر: الاضطهاد الأعظم للقبط على يد قيرس ثم مسيرة العرب إلى مصر، وتتوالى الفصول، أول الحرب، وقصة هليوبولس وحصن بابليون وحصاره وفتحه وفتك الروم بقبط مصر فتكا فظيعا، السير إلى الإسكندرية ثم تسليمها للعرب وفتح بلاد الساحل، انقضاء حكم الروم بمصر، وصف الإسكندرية عند الفتح، مكتبة الإسكندرية، إعادة بنيامين.. الذي يتناول دعوة عمرو بن العاص إلى بنيامين للعودة من منفاه وفرح القبط، الحكم الإسلامي، ثورة الإسكندرية بقيادة منويل وموالاة القبط للعرب ثم الخاتمة ووفاة عمرو بن العاص.

يرفق بهذا الكتاب التاريخي الهام سبعة ملاحق: 1 ـ عن الأثر الذي اسمه الصليب المقدس. 2 ـ في تواريخ الفتح الفارسي. 3 ـ في شخصية المقوقس. 4 ـ في تواريخ الفتح العربي. 5 ـ في سن عمرو بن العاص. 6 ـ في تواريخ بطارقة القبط بعد بنيامين في القرن السابع. 7 ـ وفيه بحث جديد للمؤلف في شخصية المقوقس.

إن عرضي لمحتويات الكتاب من فصول وملاحق ما هو إلا محاولة لإبراز أهمية هذا الكتاب الذي اعتنى رائد مخلص للثقافة العربية، محمد فريد أبو حديد، بترجمته منذ 78 عاما.

تسقط نظرية كلب حي أحســـن من سبع ميت!

من أرشيف مقالاتي أقدّم:

نظرية كلب حي أحسـن من سبع ميت، نظرية قديمة ودائما يقف أصحابها ليجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ونستعيذ منها بقوله تعالى:"الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ماقتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين".  الذي أهتم بقوله هو اليقين بأن ما أكدته البنت ليفني، في عقر دارنا، بأنهم سيغيرون "الحقيقة" على الأرض هو أمر مســـتحيل ولن يحدث أبدا مهما تزورت الخرائط وفرحت هي وعصابتها الســــفاحة بما أوتوا، فسـوف تأخذهم البغتة فإذاهم مبلسـون وعندها ستعلوا صرخاتهم : ياويلتنا ما أفدح إنتصارنا!

المقاومة فطرة إنسانية، بل هي فطرة في خلق الله أجمعين، أجل: وهي في ذاتها إنتصار! هي وسيلة لدفع الظلم والجور والعدوان وهي حق للمستهدف الذي يتربص به اللصوص، هذا كلام من البدهيات ولذلك انا لم افهم منطق السيد محمود عباس حين قال، وآلة البغي الصهيونية تجزر أهله المرابطين على أرضهم،"المقاومة ليست هدفا في حد ذاتها"، وكان الأولى به أن يتوجه إلى مجرمي الحرب المعتدين المحتلين ويقول لهم: لا يجوز أن تكون إبادة الشعب الفلسطيني هدفا مستمرا لكم لكي تســتشــعروا الأمان، فلن يتحقق لكم الأمن إلا بإعادة الحق إلى أصحابه ،ولن يســود السلام العزيز المرجو بين السارق والمسروق إلا بإعادة المســـروقات إلى أهلها المســروقين، أما ذبح الأطفال والنســاء والولدان وكل هذا التوغل الفاجر في دماء الضحايا الشهداء فلم ولن يؤد إلا إلى فضيحتكم أمام العالم وكشــف حقيقتكم الإرهابية المتوحشة التي حاولتم اخفاءها طويلا، وقد عرف الناس الآن من الذي يهدد من؟ ومن الذي يدك ويبطش ويســحق بسطوة أسلحة محرمة وعتاد ترسانة دمار شـــامل تصدقت به عليهم إدارة أمريكية مخبولة مهووســة بإراقة الدماء.  كان واجب أبو مازن أن يرى نفســه مذبوحا بيد هؤلاء الذين طالما ربتوا على كتفه وأخذوه بالأحضان والقبلات ليستدرجوه ويورطوه في وهم سلام يحقق لهم التسلح التام للبغي والعدوان ويســــلب الضحايا الحق في المقاومة، الحق الذي نصت عليه الآية رقم 39 من سورة الشورى:"والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون".

أينعم انتصرت المقاومة بالصمود الملحمي النبيل دفعا لوصمة الرضوخ لمذلة :"كلب حي أحســن من ســبع ميت"، ولأن الحقيقة، التي لن تغيرها المذابح، هي أن السباع وأشـــبالها نالت شـــرف الشــــهادة وكل من قبل المذلة والهوان ينتظره الموت عاجلا أو آجلا. وصدق الله العظيم القائل في سورة ابراهيم آية 46 و47:"وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ،فلا تحســـبن الله مخلف وعده رســله إن الله عزيز ذو انتقام".   

الخميس، 21 أكتوبر، 2010

اختلاط مياه الصحافة بقنوات أجهزة الأمن انتهاك لميثاق الشرف الصحفي

سميتهم "القتلة بالنوايا"؛ هؤلاء الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا مخالب الأجهزة الأمنية التي تنشب في لحم زملائهم، صحيح أن الأمر ليس بجديد ولا هو اختراع عهد بعينه، فهم قد كانوا ويكونون وسيظلون في كل زمان ومكان، لكن كثرتهم وديمومتهم لا تجعلنا نعتادهم ونرضى عن وجودهم في أروقة صحافتنا لأن اختلاط مياه الصحافة بقنوات أجهزة الأمن إنتهاك لميثاق الشرف الصحفي.

طبعا من حق أجهزة الأمن أن تشوف شغلها ولكن: لايجوز أن تتحول الصحافة إلى مرفق تابع لوزارات الداخلية في أي مكان. على عيننا ورأسنا جهود الداخلية، العين الساهرة، على حماية أمن البلاد، غير أن شغل الصحافة شئ آخر، له أهدافه النبيلة،كذلك، ودوره في حماية البلاد وحقوق العباد بعين ساهرة ليس من اختصاصها ولا من وظائفها أن تحول جنودها إلى عسكر يعملون بصيغة مغايرة ومناوئة لطبيعة مهامهم. ليس من مهام الصحفي إلقاء التهم جزافا مستقويا بقربه من أجهزة الأمن يحرضها على البطش بهذا وذاك من دون قرينة، وفقا لمنهج الضربات الإستباقية ومبدأ تجفيف المنابع الذي يسحق في طريقه الأبرياء: ضحايا عشوائية الشبهة والإشتباه، وعلى نقابة الصحفيين أن تضخ الحياة في ميثاق الشرف الصحفي بعد أن تخرجه من ملفات الإماتة وتعيد به تأهيل من ينتهك مبادئه من أعضائها لإعادته إلى الإستقامة على الصحيح والسليم والسوي في العمل الصحفي.

إن الوشاية للأمن بالزملاء، بل وبالمواطنين كافة، تنتقص من قدر القائم بها والسالك في دربها والمقترف لإثمها وتبقى وصمة في تاريخ صاحبها تلاحقه بعارها مهما طال الزمن، ولا ننسى في هذا السياق مانشرته الشرق الأوسط ،في عددها الصادر 15\10\2008، تحت عنوان: " محضر سري يتهم الروائي ميلان كونديرا التشيكي الأصل بالتسبب في اعتقال مواطن له عام 50"، وجاء في تفصيل الخبرما نشرته مجلة "رسبكت"ـ وتعني الإحترام ـ لوثيقة تتهم كونديرا بتسليم الشرطة، عام 1950، شابا معارضا وقد حكم عليه بالسجن 22 عاما.....واهتم كونديرا بنفي التهمة الشنيعة قائلا:"أحتج بقوة على هذه الإتهامات التي هي محض أكاذيب...أنا مندهش تماما من هذا الأمر الذي لم أتوقعه مطلقا وأجهل كل شئ عنه ....والذي لم يحدث أبدا...".

المؤكد أن السلطة التي تقبل بتحويل صحفييها ومثقفيها وأدبائها إلى كتبة تقارير الوشايات ومقالات التحريض والإفتراءات تخسر أول ماتخسر تشوفها الواقعي للمخاطر التي تتهددها وتتهدد البلاد، فلم يحدث أبدا أن أفاد مرتزق سيده فالإرتزاق مفسدة لايتولد منها إلا كذبة لاخلاق لهم لايتأثمون من البهتان.

لقد شاهدنا جرائم اغتيال وقتل بالقلم والكلمات اقترفها البعض، ومازال هناك من يقترفها،بلا روية ولارحمة، فوابل رصاص الكلمات انهمر وينهمر على كل نفس إسلامي يقول: إني هنا في شارع الناس ولي ثقلي وعندي للوطن أحلام ورؤية ووجهة نظر.

إن "القتلة بالنوايا" يمارسون الإرهاب بالكلمة ويستعدون السلطات على تيار في الشعب راسخ، ويسدون النصائح العرجاء الشوهاء إلى المسؤولين أن ابطشوا واجهضوا ولاحقوا وأقلقوا المضاجع ولاتتوانوا، ولقد آن لهؤلاء "القتلة بالنوايا" ،قبل أن يكبح توحشهم ميثاق الشرف الصحفي، أن يتذكروا الآية رقم 42 من سورة القلم:"يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون"، صدق الله العظيم.

أهل كايرو ليسوا أهل القاهرة

خرجوا من قاهرة المعز لدين الله والتحقوا بـ "كايرو" السياحة والصفقات واللعب في الطبائع والتلاعب بالقوانين وتزييف القيم وتغيير الملامح تحقيقا للمصالح الفاسدة: هذا هو تلخيص صفة "أهل كايرو"، الذين هم ليسوا "أهل القاهرة"، في المسلسل الذي لاحقته بعد انقضاء شهر رمضان الفضيل، تأليف الشاب النابغة بلال فضل وإخراج نابغة شاب آخر اسمه محمد علي وبطولة خالد الصاوي ورانيا يوسف وكندة علوش وكارولين خليل وزكي فطين عبد الوهاب، (ابن ليلى مراد)، ومجموعة بديعة من الممثلين المعروفين وغير المعروفين.

يشد هذا المسلسل، بغايته النبيلة، الإنتباه لتكامله وتوازنه وإحكامه الفني عبر العناية بكل أطرافه الرئيسية والفرعية والتي تبدو هامشية؛ إنه عمل فني يحقق مايمكن إيجازه بقول: تم كما يجب أن يكون.

في مزج ذكي ولطيف بين الدعابة والجدية والمزاح والغضب والبشاشة والحزن، وهي سمات مصرية أصيلة يحرص عليها المصريون، تضافرت جهود المؤلف والمخرج لبيان نتائج تحقيق حثيث، هدفه كشف دوائر قتلة الوطن المستترين وفضح جرائمهم بأذرعها الأخطبوطية المتحالفة للإفساد والتخريب وضرب مصالح البلاد والعباد المرتجاه بإلحاح، تحقيق تفصيلي دؤوب، لا يترك شاردة ملهمة ولا واردة مفحمة، أخذ مجاله في حيز ضيق محصور ومحاصر لا يخرج عن الفندق الفخيم 7 نجوم وشركات ومكاتب ومنتجعات مترفين، من رجال أعمال ووزراء وصحفيي الفضائح وكتاب الضلال والتضليل ونساء متسلقات، إختلطت في غرفهم وحدائقهم وأحواض سباحتهم شهوات المال والجنس والسلطة والتسلط باتفاقيات تبادل المنافع برعاية مبادئ الأبالسة والشياطين. تحت غطاء ما قد يبدو أنه بحث عن قاتل لسيدة مجتمع شهيرة صباح حفل عرسها الصاخب في الفندق 7 نجوم، والذي تم افشاله بتدبير من زوجة غيور لرجل أعمال كان على علاقة بالعروس، كانت الحيلة الدرامية الموفقة للسعيٍ نحو الهدف الأكبر والأهم ألا وهو: تسليط الضوء والإنتباه على قتلة الوطن المستترين.

لم يخترع المؤلف بلال فضل تفصيلة واحدة يكذبها الواقع حتى يتهم بأنه يلبس نظارة سوداء، فالواقع شهد دوي مقتل سوزان تميم وتوابعه، ومن قبلها المغنية ذكرى، وحوادث أخرى كثيرة لامست فنانات وراقصات شهيرات لعبن الخطر مع رجال لهم شأنهم في مدارات الثروات وفي تأثرهم وتأثيراتهم في حراك السلطة الحكومية والإعلامية.
إن الدخان السام؛ المتصاعد من أخبار الفساد والمفسدين، الذي ظل "أهل القاهرة" يستنشقونه كان لابد أن تتحرر منه الصدور وتشفى عبر عمل فني لا يكتمه ولا يداري سوءاته، عسى أن يسترد البدن القاهري صحته، وعسى أن يدرك "أهل كايرو" أنهم مرصودون موصومون وإن نالوا إخلاء سبيلهم على كر السنوات.

الثلاثاء، 19 أكتوبر، 2010

آدي البير وآدي غطاه

أخيرا بعد بحث في كل حاويات أوراقي وكراكيب مشواري الصحفي والكتابي وجدت عدد نصف الدنيا 18 يونيو 2000 الذي نشرت به مقالي عن الفنانة الرائدة سميحة وحاولت نقل 3 صفحات منه إلى هنا، وبعد إنتظار تحميل ساعتين كانت النتيجة الصفحة الثانية والثالثة فقط، أظن كفاية، وبالنسبة لحكاية الفصل البايخ وجدت أنه من الأفضل عرض مقالي "قل الحق ولو على نفسك يا دكتور عماد أبو غازي"؛ الذي نشرته في الدستور بتاريخ 10 سبتمبر 2010، وهو كفيل بتوضيح البواخة من دون لت وعجن.
قل الحق ولو على نفسك يا دكتور عماد أبو غازي
في كلمة كتبها الدكتور عماد أبو غازي في الدستور 1\9\2010 تحت عنوان "الأستاذة صافيناز"، ولعله يقصد "صافي ناز"، ذكر ملابسات حرمان الرائد الإذاعي العظيم محمد محمود شعبان \بابا شارو من حقه وحق مصر في تكريمه بجائزة الدولة التقديرية، بزعم أن " ترشيحه للجائزة تم بعد وفاته"، والحقيقة أن هذا الزعم غير صحيح إذ أن ترشيح جامعة المنيا لبابا شارو قد تم قبل وفاته، وقد أبلغني بهذا الترشيح الدكتور جابر عصفور نفسه عبر الهاتف يوم السبت 2 يناير 1999 الموافق 14 رمضان 1419، وقمت بإبلاغ الخبر لبابا شارو وزوجته الأستاذة صفية المهندس على الفور وعبرا عن فرحتهما وإن لم يخف بابا شارو تعجبه من أن يأتي الترشيح من جامعة المنيا وليس من جامعة القاهرة التي تخرج فيها عام 1939 وقال لي بالتحديد: "كيف تتجاهلني جامعة القاهرة وأنا خريجها منذ 60 عاما الوحيد الباقي على قيد الحياة؟"، بعدها إتصلت بالدكتورة عواطف عبد الرحمن وقالت أنها ستنقل الخبر إلى الأستاذ عبد العظيم حماد لنشره بالأهرام وقد تم نشره بالفعل يوم الإثنين 4 يناير 1999، وكل هذا كان قبل وفاة الفقيد الكريم  ظهر يوم السبت 9 يناير 1999الموافق 21 رمضان 1419، وفي يوم الأحد 10 يناير تم بث لقاء مع رئيس جامعة المنيا في سهرة إذاعية على البرنامج العام، قدمتها الإعلامية شيرين غالب، عبّر فيها عن تشرف جامعة المنيا بترشيح بابا شارو لجائزة الدولة التقديرية وأنه سعيد بأنهم فعلوا ذلك قبل رحيله بأسبوع. وهذا الكلام  لا أنقله من الذاكرة ولكن من وقائع مسجلة لا تسمح بالنسيان. لذلك عند إعلان نتائج الجوائز في وقت إعلانها عام 2000 كانت دهشتي بالغة، ليس بسبب عدم حصول بابا شارو علي حقه ولكن بسبب تصريح الدكتور عماد أن اسم بابا شارو لم يعرض على اللجنة أصلا بدعوى أن ترشيحه للجائزة تم بعد وفاته! فكيف حدث هذا التزوير في مؤسسة ثقافية محترمة ولأي مصلحة؟

يبقى ماقاله السيد الدكتور عماد أبو غازي عن إقتراحي، الذي وافق عليه الدكتور جابر عصفور يوم الخميس 15 يونيو2000، بتكريم الفنانة الرسامة الرائدة سميحة حسنين التي أطلقت عليها بحق "ملكة فن لوحة الغلاف لنصف قرن"، وعوّقه سيادته مانعا تنفيذه ولا يتردد حضرته اليوم في أن يسمح لنفسه أن يستهين بتقديرى لها، كأني بياعة فجل لا أملك ما أملك من العلم والدراسة والخبرة التي تؤهلني للتقييم، قائلا: "فنانة تشكيلية تقدرها هي، وقد رأت لجنة الفنون التشكيلية أن هناك عشرات الأسماء من الفنانين الأحياء والراحلين تستحق التكريم قبلها ..."، وكان الأولى أن يسائل هذه اللجنة عن اسم واحد فقط، بين هؤلاء العشرات التي يزعمونها، له السبق، الذي حازته الفنانة سميحة بكونها أول رسامة مصرية رائدة تملكت تلك القوة الباهرة الجاذبة في رسم لوحة الغلاف للمجلات والكتب منذ 1947 وعلي مدار نصف قرن، تشهد لها بها إصدارات دار الهلال ومجلة التحرير والرسالة الجديدة والبوليس، وبكونها أول مصرية تقتحم هذا الطريق في الصحافة المصرية وتسجل فيه ريادة راسخة.

رحم الله بابا شارو \ محمد محمود شعبان، ورحم الله الزاهدة السميحة التي أشاعت برسوماتها الضياء الخلاب وآثرت دائما أن تبقى بعيدا بعيدا حتى أن أحدا لم ينتبه لرحيلها مساء الثلاثاء 29 \ 6\2010، ونشر أهلها نعيها بصفحة وفيات الأهرام 1  \7\2010 باسم شهادة ميلادها : بهيرة حسنين علي سالم، من دون تنويه باسم شهرتها الفنية "سميحة"، فلم أتعرف عليها إلا من سياق؛ "والدة منى وأماني الكاتب المسرحي سعد الدين وهبة"!

الاثنين، 18 أكتوبر، 2010

عن رسومات سميحة


لم أكن أعرف كيف أنزّل صور في المدونة حتى ساعدتني أستاذتي نوارة، ونستحمل القليل من القنزحة ماجراش، ولم أجد مجلة نصف الدنيا التي نشرت بها منذ سنوات مقالي عنها ورسومات لها، لذلك لم يسعفني، لتلبية طلباتكم العزيزة، سوى ماعندي بالقرب مني على باب مكتبتي وباب الخروج لطفلين، وغلاف من روايات الهلال وآخر من كتاب الهلال. وإذا كانت سميحة نفسها لم تكن تملك لوحاتها التي ضاع معظمها فكيف يكون حالي؟

على فكرة لدي حكاية عن تصرف بايخ ارتكبه الدكتور عماد أبو غازي  في حق هذه الفنانة الرائدة سوف أحكيها لكم بعد يوم أو يومين لأني متعبة الآن.

السبت، 16 أكتوبر، 2010

مواصلة كلامي عن الفنانة "سميحة" 2




لا أدري لماذا بدا لي دائما أن لقائي بها مستحيل على الرغم من أننا كنا نعمل في مؤسسة واحدة هي دار الهلال، هي بها منذ 1947 وأنا منذ 1966، وكنت أكتب في المجلة التي احتضنت معظم نشاطها الفني وأعني مجلة الهلال الشهرية، تمنيت لقاءها منذ زمن بعيد لكنني كلما سألت عن طريق إليها أتتني الإجابات شاردة حتى توصلت مطلع 2000 إلى رقم هاتفها من ساعي الدار الذي كان يحمل شغلها إلى المجلة. حين هاتفتها لأحدد موعدا تأخر بشكل لايمكن الإعتذار عنه جاءني صوتها، على الرغم من ضعفه، هاشا باشّاً، قلت لها أنني من جمهورها الممتن لفنها فاندهشت متسائلة: هل أنا أعني أي شئ لأحد؟ ذهبت إليها حيث كانت تقيم مع حفيدتها في شقة ابنتها منى سعد الدين وهبة بالزمالك، تناديها حفيدتها: أنّة، أي جدتي بالتركية، على الرغم من أنها صعيدية ابنة عائلتي مسلّم وحسنين من سمالوط، المنيا. أكدت لها أنني اهتممت بارتداء صياغة لونية تجعلها تقول لي شاطرة!، وأنني لبست حذائي الجديد لأن مقابلتي لها مناسبة أحتفل بها، وأنني أرى في أعمالها العذوبة والجمال. بين يديها كانت تتجمع حفنة قليلة من كتب رسمت أغلفتها ومالا يزيد عن 50 قطعة رسم بالجواش وألوان الماء على ورق سميك 30× 30 سم: "هذا كل ما تبقى من شغلي"! سألت: "والبقية؟"، قالت بهدوء: "كله ضاع في المطابع..لم يرد لي أحد أصولي ولم ألح في المطالبة بها!" قلبت اللوحات لأختار ما أنشره من هذا القليل المتبقي من الحياة الحافلة لمن تستحق عن جدارة لقب "ملكة فن لوحة الغلاف لنصف قرن"، أشارت إلى واحدة :" هذه تعجبني، تصوري أنني لم أتأملها من قبل ..أرسم وأعطي وأنسى.. أول ما أطلع الرسم أهمل اللوحة لكن وأنا أجمع لك هذه اللوحات لم أصدق أنني التي أنجزتها!". ضحكت!

كنت قد أحضرت معي جهاز التسجيل. لاجدوى من التسجيل فهي لاتتكلم إلا باقتضاب شديد، أفهم ماتريد بالإحساس والإستنباط. أعمالها مبعثرة، أوراقها ضائعة، صورها الشخصية اندثرت:" فيللا العائلة هدمت وكل واحد أخذ نصيبه وضاعت صناديق مليئة بالصور والأوراق..ولا يهم..أنا ح أكون إيه؟ تراب!"

درست في أكاديمية رسم خاصة كانت بميدان مصطفى كامل وأحرقت في حريق القاهرة 26 يناير 1952، والتحقت شابة في مطلع عشرينياتها بدار الهلال بين عامي 1946 \1947 لتكرس توجهها "رسامة صحفية" ولتكون مع عزيزة عيد، ابنة الرائد المسرحي عزيز عيد والفنانة فاطمة رشدي، أول مصريتين تقتحمان هذا الطريق في الصحافة المصرية وتسجلان فيه الريادة، هاجرت عزيزة إلى إنجلترا وبقيت "سميحة" تكمل وحدها مشوار الريادة. تقول:" عندما بدأت بدار الهلال اشتغلت في كل شئ؛ في المطبعة والإعلانات والتحرير ولم أرفض أي تكليف رسمت في الإعلانات وتفوقت وصاروا يطلبونني بالإسم، وكنت أكافأ في نهاية العام بكام جنيه!"، مولودة 13 \ 10 1925، تحمل سمات برجها الميزان: "أنا انطوائية، لا أسعى إلى إقامة صلات وعلاقات، منسحبة من الأضواء والزحام، أرسم وخلاص، سعادتي في الرسم والصمت والإختفاء".

لاتذكر متى تزوجت من الكاتب المسرحي سعد الدين وهبة ولا متى وقع بينهما الطلاق، ولا متى أنجبت ابنتيها منه "منى" و "أماني"، أسألها: "متى قابلت سعد وهبة؟" فترد بسرعة: "هو اللي قابلني في مجلة الرسالة الجديدة عند عبد العزيز صادق وطلب مني أرسم لمجلة البوليس التي كان يرأس تحريرها."

لاجدوى من أي سؤال خاص بتحديد "أي سنة؟"، لاتذكر أي تاريخ، عرفت تاريخ مولدها من حفيدتها، تذكر فقط أن طلاقها من زوجها سعد وهبة تم أثناء ولادتها لابنتها الصغرى أماني، ولا تحب أن تخوض في ذكر الفنانة المسرحية التي استحلت بانتهازية أنانية مفرطة خطف زوج من زوجته الحامل في شهورها الأخيرة، تألمت بتكتم ونبل: "عندي المقدرة إني أنسى وألغي، أغرق في الرسم، كنت ألبي طلبات الرسم في دار الهلال لكل إصداراتها، ولا أمتنع عن طلبات الإعلان، أنا أحترم فني وأشوف أن عملي في رسم الإعلانات كان تجربة خصبة، كل طلب رسم أهتم به وأخدمه بضروراته باخلاص. واجباتي في الرسم كانت كثيرة؛ رسمت لمجلة التحرير والرسالة الجديدة رسمت فيها رواية لنجيب محفوظ ورسمت طبعا لمجلة البوليس. كانت حياتي هي الرسم وتربية ابنتي بعناية واهتمام ولم أغضب من أحد، ظلت علاقتي بسعد وهبة محترمة إلى النهاية، حزنت لوفاته ومرضت بسبب هذا الحزن، كنت أريد أن أسلم عليه قبل رحيله..".

"أرسم من وجوه جميلة مختزنه في ذهني"، هل كانت ترى الدنيا مثل ألوانها مرحة وجياشة أم كانت ترسم ماتمنته؟ ترد: "أنا شايفة الدنيا كده ..مرحة جياشة!".

لم تجد الفرصة لإقامة معرض خاص بلوحاتها لكنها تذكر أن لها لوحتين في متحف وأخرى في بينالي. تهدي لوحاتها ولم تبعها أبدا، تقول ضاحكة: "بكامل وعي بددت ثروتي الفنية!".

حين سألتها: هل لديك لوحة الفنانة بريشتها؟ قالت ببشاشة: " أنا غير معجبة بنفسي!"، طيب لماذا؟ تواصل: ".. لاأعرف حقوقي .. لابد أن يمسك أحد بيدي ويعطيني حقي على الرغم مني!"

توشوش لي بفرحة غامرة تسكنها بسبب ما حدث لها منذ سنوات وهي تزور قبر الرسول عليه الصلاة والسلام: "لم يكن هناك زحام على الإطلاق، كنت أجلس مع قريبتي تقول الدعاء وأنا أردد وراءها، وشعرت بيد تربت على ظهري فتلفت ولم أجد أحدا...مرّتين يتكرر الأمر، قالت لي قريبتي الملائكة تربت عليك، تخوّفت، قالت لاتخافي...هذه الحكاية تظل على قلبي بردا وسلاما........".

تواصلت معها عبر الهاتف حتى فوجئت بنشر نعيها بالأهرام الخميس 1 \7\2010 باسمها المكتوب في شهادة ميلادها "بهيرة حسنين علي سالم"!

عرفت من ابنتها أن رحيلها كان مساء الثلاثاء 29 \ 6 \ 2010، وشيعت إلى مثواها الأربعاء 30 \ 6 \ 2010.

طيب الله ثراها "سميحة" الجميلة التي أشاعت برسوماتها الضياء الخلاب وآثرت أن تبقى دائما بعيدا بعيدا عن الأضواء.


مأخوذ بتصرف من كتابي: صنعة لطافة، دار العين، 2007.

الجمعة، 15 أكتوبر، 2010

الرسامة الصحفية الرائدة "سميحة" ملكة فن لوحة الغلاف لنصف قرن

متيمة مغرمة برسوماتها منذ وعيت التذوق وحب الفن. لم تبهت أبدا في ذاكرتي، منذ كنت في العاشرة من عمري، صورة تلك الطفلة الجميلة الباكية التي رسمتها "سميحة" وشغلت صفحة كاملة من صفحات قصة مترجمة بعنوان "اليتيمة"بمجلة الهلال بين عامي 1947 و1948. تعلقت عيني بالصورة التي أثارت شغفي فقرأت القصة وأنا أتطلع بين كل سطر وآخر، متأثرة غاية التأثر، إلى الوجه الحزين المعبّر الذي رسمته "سميحة" للبطلة الصغيرة التي كان عليها أن تثبت جدارتها في تحمل مسئوليات البيت بعد وفاة الأم. توحدت مع العيون الدامعة وحاولت أن أحاكيها. أكثر من نصف قرن الآن واللوحة بذاكرتي لم تبهت.
كانت رسومات "سميحة حسنين" و"عزيزة عيد" تشد انتباهنا، نتابعها ونتكلم عنها ونعلن النتائج أيهما هذه المرة أفضل: "سميحة" أم "عزيزة"؟ كنا نحب رومانسية "عزيزة" وخطوطها المشغولة كالدانتيل وحروف اسمها التي ترسمها ممطوطة تائهة نهايتها كالدخان المتلاشي، لكنني حسمت موقفي وأعلنت انحيازي الكامل لـ"سميحة"وقلت لشقيقاتي وأصحابي : أنظروا إلى خطوطها التي تجتمع فيها الرومانسية الهفهافة والحيوية النابضة والحضور الطاغي، ثم هذا التناسق الأنيق في توقيعها الذي يبدو فيه اسمها مبتسما سمحا حقا "سميحة" هكذا باختصار وبساطة ولطف.
صاحبتني رسومات "سميحة" من طفولتي وصباي وشبابي إلى وقتنا الحالي أبحث عنها وأتوق إليها وأتعرف عليها؛ لايمكن أن يقع ناظري على رسم لها ولا يستوقفني.

تميزت برسم غالب لوجوه حلوة بؤرتها العيون، معسولة وآسرة حزينة كانت أم مبتهجة، جادة أو مراودة، مفكرة أو لاهية. ريشة نذرت نفسها للتوهج والوسامة، لاتحتمل الإنطفاء ولا تجيد القبح.

فاصل وأواصل بحول الله وقوته.

إعتذار مؤقت

فجأة إنتابني الكسل، تركتني الهمّة التي تجلسني إلى مكتبي.

كنت أريد يوم 13 \ 10 أن أكتب تحية للفنانة الرائدة سميحة حسنين بمناسبة يوم مولدها 13 \ 10 لكني اكتفيت بقراءة الفاتحة موهوبة إلى روحها التي صعدت إلى خالقها يوم الثلاثاء 29 \6 \ 2010 ونشر نعيها بالأهرام باسمها الأصلي بهيرة فلم يشعر برحيلها أحد. هذه الفنانة الرائدة كانت أول أمرأة مصرية تقتحم فن رسم لوحة الغلاف منذ 1947 واستمرت تعمل على مدى أكثر من نصف قرن تتألق لوحاتها على أغلفة مجلة الهلال وروايات الهلال وسلسلة كتاب الهلال. فنانة عظيمة نفخر بها ومع ذلك لا يكاد يعرفها أحد، أنكرتها حتى دار الهلال الجديرة باسم دار الهلاك، فهي دار شحيحة في المعروف والبر بأبنائها الذين أعطوها زهرة أعمارهم. هذه نبذة صغيرة عن "سميحة"، عندما تعود لي الطاقة سأكتب عنها بما يفيد إن شاء الله.

الاثنين، 11 أكتوبر، 2010

السيد البدوي يزهق روح "الدستور"

ولا ينبئك عن وجع القلب كمن ذاق المنع والقهر والبطش وكسر الروح في معيّة كسر الأقلام في ساحة النشر والرأي المُسمّاه: بلاط صاحبة الجلالة الصحافة!

شاهد فجر الثلاثاء 5 أكتوبرزائرا يختلف عن زوار الفجر التقليديين، كان خبرا صحت له صحافة مصر تتحسس رقبتها وهي ترقب إزهاق روح جريدة سيارة، اسمها "الدستور"، لها شعبيتها التي تناطح شعبية منافسيها في الميدان المسمى: "صحف المعارضة"، وتتجاور فيه، مع ذلك، أقلام الحكوميين وتيارات المعارضة مختلفة المشارب من أول المطالبين بإلغاء المادة الثانية للدستور، التي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، حتى المطالبين بتأكيد مبدأ "الإسلام دين ودولة"!

في مداهمة صادمة أعلنت الإدارة الجديدة المالكة للجريدة إقالة رئيس التحرير ابرهيم عيسى الذي ارتبط بالجريدة منذ تأسيسها عام 1995 رئيسا لتحريرها وراسما لسياستها ومبتكرا للغتها ومُشكّلا لطابعها الخاص، المازج بين سخونة الطرح وخفة الظل، مما استوجب، بالضرورة، إستقطاب مجموعة من شباب الصحافة والكتابة، لديهم موهبة إلتقاط وإبراز زوايا الأحداث المثيرة للإهتمام و يمتلكون ناصية فن التعبير اللاذع في نقد مايعن لهم في السياسة والثقافة والفنون وأحوال البلاد على العموم، كونوا مع رئيس تحريرهم علاقة عمل متناغمة متفاهمة تغلب عليها روح الهواية غير الضّانة بالبذل والعطاء قبل حسابات المكاسب والمنافع.

وبواقع أن الإدارة الجديدة بدت غير مقدّرة لطبيعة المشروع الصحفي، الذي تمثلته هيئة تحرير الجريدة و ارتاح له كتابها الثابتون والمشاركون بمقالات الرأي من الخارج، المكلفون للكتابة والمتطوعون لنشر مقالاتهم بلا مقابل لجوءا إلى منبر يتسع صدره للإختلاف، كان من المنطقي أن يؤدي قرار إقالة رئيس التحرير إلى ذلك الإرتطام المدوي بين عقليتين متباعدتين عن بعضهما بعد المشرق عن المغرب: عقلية مالكة جديدة ليس لها باع في فن إدارة الصحف والنشر؛ صماء عمياء، تشبه إلى حد كبير العقلية العسكرية التي جثمت على أنفاس دور الصحف المصرية، فور قرار تأميمها عام 1960، فأزهقت روحها بفصل رؤوسها عن أجسادها وأطاحت بنوابغ الفن الصحفي إلى شتات إنتزع منهم فتيل التوقد والإبتكار والفرح، في مقابل عقلية لم تخف سعيها الرومانسي، إن صح التعبير، لبعث صحافة الرأي وتأكيد حق وحرية الإختلاف و حاولت بجهد جهيد أن تتواصل مع تراث فن كتابة المقال بمحاولات شابة جديرة بالإعجاب والتقدير.

المسألة إذن ليست ، كما قد يبدو للبعض، مجرد إجراء روتيني مما يحدث عادة في مؤسسات صحفية ترى المصلحة في تغيير رئيس تحرير بل هي نزع فتيل التوقد لجريدة اتسمت بالحيوية، وإزهاق فظ لروحها بلا مبرر و من غير مصلحة .

ولا حول ولا قوة إلا بالله!

الأحد، 10 أكتوبر، 2010

عرفت أنقل المقال لوحدي

عرفت أنقل مقال طفل من القرية لوحدي بس لم أعرف كيف أكبر بنط الخط.

لا بأس فالخط معقول!

طفل من القرية

لم أستطع أن أضع يدي على هذا المرجع الهام "طفل من القرية"، الذي يُستشهد به عند الكتابة عن حياة وطفولة الشهيد سيد قطب، حتى أهداني أستاذي وصديقي الناقد العلامة وديع فلسطين نسخة مُصورة من الكتاب كان سيد قطب قد أهداه إليه في 28 \3\1946 موقعا: "هدية إلى الأديب الفاضل وديع فلسطين مع مودتي، المخلص سيد قطب".

يفتتح سيد قطب كتابه "طفل من القرية" متوجها بكلامه: "إلى صاحب كتاب الأيام الدكتور طه حسين بك، إنها يا سيدي أيام كأيامك، عاشها طفل في القرية، في بعضها من أيامك تشابه، وفي سائرها عنها إختلاف؛ إختلاف بمقدار ما يكون بين جيل وجيل، وقرية وقرية، وحياة وحياة، بل بمقدار مايكون بين طبيعة وطبيعة، واتجاه واتجاه، ولكنهاـ بعد ذلك كله ـ أيام من الأيام".

يحدد سيد قطب تاريخ إنتهائه من مؤلفه 1 \ 7\1945، وقد بلغ مرحلة نضجه 39 سنة، مشيرا إلى أنه يرجع بذكرياته إلى "ربع قرن من الزمان" فهي "صور من حياة القرية التي عاصرت طفولتي ..."، وهذا يعني عام 1920 الذي ترك فيه قريته لإستكمال دراسته بالقاهرة وهو في الرابعة عشرة من عمره، وقد رأى أن تسجيل تلك الصور من قرية طفولته بمثابة "... إحتفاظ بصفحات من الحياة القومية والتاريخ الحديث في سجل الفنون، والكثير منها لايزال يعيش، ولكن أهل المدينة المترفين لا يكادون يتصورونه، لا في عالم الواقع ولا في عالم الخيال، وفي تسجيله هنا مايطلع الجيل الجديد على صور من الريف القومي بخيرها وشرها لعل لهم رأيا فيما ينبغي أن يبقى منها وما ينبغي أن يزول!"، ويقدم 12 صورة منها: المجذوب، ضابط الجمباز، بعثة طبية، سيد الحكيم، حركة ثقافية، قانون اللصوص، جمع الأسلحة، أحزان الريف. وإذا كنا نعرف أن سيد قطب ولد في 9 أكتوبر 1906 فهذا يعني أنه حين يعود إلى بداية وعيه الطفولي في سن الرابعة يكون قد بدأ تسجيل صور من حياة قريته سنة 1910 ويكون كتابه قد غطى عشر سنوات من تللك الذكريات التي ينهيها بأسطر من فصل "أحزان الريف" كاتبا:
"وترتد القرية إلى ظلامها الدامس، وإلى حرمانها الموروث، وإلى أحزانها التقليدية، فتجتر هذه الأحزان، التي تسميها أغلاب الزمان: غلب الفقر، وغلب الحرمان، ثم غلب الجور من الحكام، فالريفي مرهق أبدا بالحكام...... ثم سُخرة الجسور، وسُخرة تنقية الدودة في مزارع الأثرياء، وتفاتيشهم خارج القرية، ومكافحة الجراد، وما لا يحصى من هذه المأموريات التي يحس القروي فيها أنه سائمة أو حمار شغل على الدوام، ثم غلب الكد المتواصل في الأرض والزرع لتوفير قوته من الذرة وياليته يجدها على مدار العام، ثم غُلب التقاليد، وبخاصة على المرأة التي لا ترتفع في نظر الرجل عن السلعة.........".

بعد "طفل من القرية" قدم سيد قطب كتابه "العدالة الإجتماعية في الإسلام" سنة 1947، ولست أدري هل قرأ جمال عبد الناصر هذه الكتب كما قرأ لتوفيق الحكيم "عودة الروح"؟ وكيف سُوّل له ظلم نفســـــــــه بقتل سيد قطب 20 أغسطس، وفي قول آخر 29 أغسطس، 1966؟

مسكين عبد الناصر!

9 \ 10 \2010 ذكرى مولد الشهيد سيد قطب

مرور 104 سنة على مولد الشهيد العلامة سيد قطب تقبله الله سبحانه مع الصديقين والشهداء والأبرار، وكنت أحب أن أنقل هنا مقالي عن كتابه الجميل طفل من القرية، ولكني نسيت ماعلمته لي نوارة في هذا المضمار، سأسألها الخطوات مرة أخرى عندما تستيقظ إن شاء الله.

الجمعة، 8 أكتوبر، 2010

..وعادوا بأوبرا عايدة لنعود ونذكّر

مثل الحمى الموسمية تعود أخبار تلك التي يصرون على تسميتها أوبرا "عايدة" وهي في حقيقتها أوبرا "أييدا" غير العربية وغير المصرية وغير الفرعونية؛ فهي الجاسوسة عدوة مصر بنت أبيها ملك أثيوبيا القادم على رأس جيش لقتال مصر، فلا هي بنتنا ولا جدتنا ولا نعرفها ولا علاقة لها بأهراماتنا ولا بأمجادنا ولا ملابسنا الفرعونية، التي نوّه بها الخبر الذي وزعته دار الأوبرا المصرية أخيرا بما مفاده: أنها العرض التاريخي الذي يعود بعد ثماني سنوات في الهواء الطلق بين الأهرامات في جو محمل بعبق التاريخ المصري الفرعوني ، على حد تعبيرمخرج العرض الدكتور عبد المنعم كامل رئيس دار الأوبرا المصرية في بيانه الصحفي،و إن الأوبرا تقدمه لمدة أربعة أيام مساء 4 و 5 و 6 و10 من أكتوبر بالتزامن مع إحتفالات مصر بنصر أكتوبر! (ماشاء الله) وتقام العروض على مسرح قامت الأوبرا ببنائه خصيصا للمناسبة على مساحة 1600 متر مربع في ساحة الأهرامات بمدرجات مشاهدة تتسع لأربعة آلاف مشاهد، واعتبرالدكتور عبد المنعم كامل، مخرج العرض ومدير الأوبرا، أن أوبرا عايدة "تعد إحدى العلامات الفنية المصرية أمام العالم"، (هكذا ومؤلف الحكاية الفرنسي أجستو مارييت والموسيقي فيردي ، وقائد أوركسترا العرض المزمع إقامته هو المايسترو الإيطالي مارشيللو موتاديللي وكورال أكابيلا بقيادة ألدو مانياتو ومايا جيفينيريا!).


إنني والله عاجزة عن معرفة سر غرام مسؤلي الثقافة في مصر بأوبرا «آييدا»، التي تمجد قيم الخيانة والنذالة والخسة رغم شرحنا لمضمونها العديد من المرات ودعوتنا لمقاطعتها خضوعا لكرامة الشعب المصري وإحتراما لمشاعره إذ كيف يمكن التغافل عن أوبرا تقوم أساسا على خلق التعاطف مع قائد مصري يقع في حب إبنة ملك أجنبي من الأعداء ويسرب من خلالها أسرار جيشه في خيانة واضحة لبلاده و يصر عليها حتى لحظة موته بلا ندم؟.


دعوني أنعش ذاكرتكم وأحكي لكم بكل أمانة محتوى هذه الأوبرا التي تم تقديمها لأول مرة على خشبة مبنى الأوبرا الخديوية بالقاهرة 24/12/1871.


آييدا بنت ملك إثيوبيا، وحكايتها تبدأ بوقوعها في أسر المصريين الذين كانوا، في تلك المرحلة التاريخية، في حالة عداء وحرب مستمرة مع الإثيوبيين، تأخذها ابنة فرعون مصر إمنريس في خدمتها بين عبيدها. يقع الجندي المصري الشاب راداميس في غرام آييدا، كيف؟ ولماذا؟ لا نعرف، وتبادله آييدا الحب في الوقت الذي نعرف فيه حب إمنريس، ابنة فرعون، له. يقوم الكهنة بتكليف راداميس قيادة جيش الدفاع عن الأراضي المصرية، التي تم الاعتداء عليها من قبل الإثيوبيين. تغني له ابنة فرعون المحبة "عد منتصرا"، وتعرف آييدا أن والدها، ملك إثيوبيا، قادم على رأس الجيش الذي سيواجهه حبيبها راداميس فتغلب حبها لبلادها وأبيها، على حبها لـراداميس وتكرر أغنية "عد منتصرا" وفي نيتها نصر والدها ملك إثيوبيا، ونصرة بلادها التي تشتاق إليها. تكتشف ابنة فرعون علاقة الحب بين خادمتها آييدا وبين حبيبها راداميس، ومثل كل العاشقين تدب الغيرة في قلبها وتناصب غريمتها آييدا العداء ولكن ليس لدرجة الإيذاء. حين يعود راداميس محققا النصر لمصر يقرر فرعون مصر إكرامه بتزويجه ابنته، لكن راداميس قلبه متعلق بـآييدا التي تتعرف على والدها، ملك إثيوبيا، بين الأسرى الذين جلبهم راداميس حبيبها. يطلب ملك إثيوبيا الأسير من ابنته آييدا عدم الإعلان عن حقيقته الملكية ويؤكد لها أن المعركة مع المصريين لم تنته وأن حشودا إثيوبية مستعدة للتحرك، ويحثها على الهرب معه بعد أن تعرف من القائد المصري خط سير القوات المصرية. تخضع آييدا لمطلب والدها وتنجح في استدراج حبيبها، إلى فخ الإدلاء بالسر العسكري، ويتم تقديمه للمحاكمة بتهمة الخيانة ـ طبعا! ـ ويحكم عليه الكهنة بالدفن حيا حتى الموت. يأسف راداميس حين يعرف أن آييدا هربت مع والدها ملك الإثيوبيين من دون أن يراها ويودعها ـ (لاحظ منتهى الخسة والنذالة من قائد يفضل غرامه على حب البلاد التي مجدته وحملته الأمانة) ـ تتضرع ابنة فرعون إلى راداميس ليتزوجها لأنها تحبه وهي كفيلة بإنقاذ حياته، لكنه يؤكد أن الموت عنده أفضل من خيانة آييدا. ويهبط القائد الخائن الخسيس إلى قبو الموت، وإذا به يجد آييدا تنتظره لتموت معه، بعد مقتل أبيها الذي كان ينوي إذا نجح في الهرب إعادة الاعتداء على مصر في معركة جديدة. وتنتهي الأوبرا بلقاء العاشقين مرحبين بالموت معا بينما تكون ابنة فرعون فوق القبر تبكي الحبيب بلا طائل، ونجد النهاية الدرامية تمجد القائد المصرى الخائن وتوحده مع ابنة الأعداء آييدا، (فهل هذه هي القيمة المناسبة لتتزامن مع الإحتفالات بنصر أكتوبر؟).


أن يفتقد الموسيقار فردي الإيطالي، مؤلف الأوبرا، الحساسية تجاه مشاعر المصريين، وأن يقدمها للخديو فهذا مفهوم، لأن فردي لا تفرق معه إهانة المصريين لصالح أعدائهم، كما أن الخديو إسماعيل لم يكن يفهم الحكاية تماما، كما يبدو، فهو جاهل ومغرم عمياني بالفن الخواجاتي بالإضافة إلى أنه لم يشعر بالانتماء إلى التراث المصري القديم المليء بجو الفراعنة والكهان والمعابد؛ لكن يبقى السؤال: هل تفحص وزير الثقافة فاروق حسني دلالات القصة التي تدور حولها هذه الأوبرا التي يتحمس لها ويصر عليها ويسميها، ويا للعجب، "عايدة الهرم"؟ هل استوعب مخرج العرض جُمل الغناء والموسيقى المصاحبة وهي تنعي إلى المشاهدين مصرع العاشقين الخائنين لمصر لينفطر من أجلهما القلب؟ هل هذاجهل أم إستهبال أم إستهانة بتدفق السموم الثقافية التي تجعلنا نصفق لقاتلينا؟ كيف بكل هذا الحماس يصر هؤلاء الناس على هذا العدوان الثقافي المتمثل في أوبرا تمجد قيم الخيانة والنذالة والخسة وتقدمها لتتزامن مع إحتفالات البلاد بانتصار أكتوبر 1973؟

الخميس، 7 أكتوبر، 2010

عيد إنجابي لنوارة الإنتصار منذ 37 سنة

أنا ليس لي إرتباط بقرار نوارة بنتي عدم الإحتفال بعيد ميلادها يوم 8 أكتوبر، هي حرّة وأنا على كيفي! رأيي أن الإحتفال أجدر بمن أنجب ويتذكر يوم إنجابه، وأنا منذ أنجبت نوارة في احتفال مستمر، كنت أدون في مفكرتي كلام مثل: مرور أسبوع على مولد نوارة، وأظل أدون: أسبوعان، ثلاثة، أربعة، ثم شهر، شهران، ثلاثة إلى تمام العام حتى وصلت إلى 37 سنة! ولم تزل نوارة بعيني طفلة لم تزد عن أمس إلا إصبعا! بس الحقيقة مع أنها بنت نكتة وتملك فن الفكاهة والمزاح إلا أنها تعز البكاء والنواح معزتها للشيكولاته والكشري، ومن شابه أباه فما ظلم! الحمد لله على نوارة أدامها الله عليّ نعمة وحفظها من الزوال وعوّضها بخير مما أُخذ منها وغفر لها ففي قلبها الخير الكثير لدينها ووطنها وخلق الله أجمعين. بهذه المناسبة أحب أن أعيد هنا نشر " غنائية أم لرضيعة وُلدت في ثالث فجر معارك التحرير الإثنين 12 رمضان 1393 \ 8 أكتوبر 1973"
ليستشعر جيل إبنتي كيف استقبلنا النصر واحتضنته مشاعرنا باعتباره "نوار إنتصار"، أي بداية لثمار طيبة نجنيها، ذلك قبل أن يخذلنا قرار وقف إطلاق النار، وقد أدركنا لحظته أنه وقف إرغامي تنفيذا لتعليمات قهرية أكبر جدا من تعليمات يوسف السباعي التي أجبرت فكري أباظة على الحسم برفض نشر "الغنائية" في مجلة المصوّر!

هاكم غنائيتي التي كتبتها 10 أكتوبر 1973 فاسمعوني:

حين تأخر المخاض والميلاد لم أفزع؛ آمنت أن الخروج من عنق الرحم لابد آت وسيكون رائعا طالما أن الحمل غير كاذب وأن هناك من يريد أن يولَد.

في شهر أكتوبر يختار فلاحو مصر أن يطلقوا نوارة اسما لكل أنثى تولد تيمنا ببشائر المحاصيل، كد الأيدي، غذاء الحياة لمصر، وحين قررت نفسي أن أتبع التقليد لم أكن أعرف أن حصادا غاليا مباركا طال توقنا إليه سوف يهدينا نوارته، وفوق الألم ارتفع صوتي: انصر مصر يا الله! وأنجبت ابنتي "نوارة الإنتصار" في فجر اليوم الثالث لمعارك التحرير في أجمل ربيع عرفته مصر وهلّت بشائره في فصل الخريف.

ولقد كان اليقين ثابتا بأن مصر حبلى، وكان اليقين أن ما نراه ليس تضخما أو ورما أو انبعاجا كاذبا: ليس في حوزة مصر سوى أن تحمل صدقا وشرفا وغضبا طيبا وحنقا أخضر، فمن هي مصر قبل كل شئ؟ أليست هي: الخصب الذي أعطى إنسان العالم بشارته منذ فجر التاريخ؛ نوارة مجد وحضارة البشر؟

أليست مصر هي: كنانة الله التي حفظ فيها أنبياءه؛ يوسف وموسى وعيسى ودعوة الإسلام العزيزالذي جاء بها محمد خاتم الأنبياء والرسل أجمعين، ولتظل "مصر" هي مستودع "الإسلام" دائما وإلى الأبد بأمر الله؟

وحين تنحني رقاب الأسرى من الأعداء؛ الشعث ضخام الجثة، لمصر تعرف مصر أن الأمر غير جديد فهكذا كان الحال دائما، وهكذا يعتدل الميزان وتكون مصر هي مصر كما شاء لها الله.

يقف الجندي المصري الفلاح النحيل الأسمر، يحارب حرب جندي شريف في معركة، بينما القتلة في انقضاضات اللصوص وقطاع الطريق يحرزون الإنتصار على البيوت والمدارس والأطفال والنساء، وحين تستبد بنا النقمة وتسوقنا إلى رغبة الثأر بالمثل تزجرنا آيات القرآن وتوقظنا آلاف المآذن ومسئولية مصر أن تظل مصر.

وكان لمصر أن تصبر، وكان لمصر أن تقلق، وكان لمصر أن تتململ وتغضب، وكان لها أن تحنق، ولم يكن لمصر أن تصمت، أو أن يغشاها اليأس أبدا. ثم.......... ترهف الفرحة، وترق وتعذب والقطرة عند المقلة تتردد في التعبير عن نفسها.

هي مصر تستعيذ برب الفلق وتقرأ آية الكرسي وتهمس في ترقب:
ربي يسّر ولا تعسّر، ربي تمم بالخير،
ربي تمم بالخير، ربي تمم بالخير.

والحمد لله

10 \10 \ 1973
إنتهى، " مأخوذ من كتابي رؤى وذات الصادر عن الهيئة العامة للكتاب 2003".

وكل عام وأنتم بخير وتعيشون وتفتكرون!

3 \ أكتوبر 1973

في اليوم التالي، الأحد 11 رمضان \ 7 أكتوبر، كانت الإنتصارات تتوضح وتتوالى في تصاعد، والخارجون من المعتقلات يشعرون أن إلحاحهم لشحذ الوعي والهمم للخطو نحو المعركة كان في محله، وأن ضغوط التذمر الشعبي قد آتت أكلها. تتصل بي طبيبتي الدكتورة نجلاء مصطفى لتخبرني أن مكاني في مستشفى دار الشفاء قد تم إلغاؤه لأن المستشفى محجوز بأكمله لطوارئ المعارك، تفاعل الفرح والمفاجأة والتوتر، ومشوار السير من ميدان طلعت حرب حتى الحسين يحقق المرغوب، وتبدأ طرقات الجنين تدق تعلن عن رغبته في الميلاد، وفي الساعة الرابعة فجر الإثنين 12 رمضان \ 8 أكتوبر 1973، ثالث فجر معارك التحرير تعلو صرخات وليدتي كأنها الهتاف وأسميها: "نوارة الإنتصار"؛ الاسم من اختراعي واقتراحي ولكن الناس تقول الآن عندما تسمعه: طبعا مش أبوها شاعر! ليلة واحدة في المستشفى الخاص على طاولة العمليات في أزمة طوارئ النصر، ما أن أتمالك نفسي، وماتزال بي أوجاع ما بعد الولادة حتى أمسك بالقلم لأكتب "غنائية" تحت إلحاح مشاعري وفرحي، وبتصوري أن النصر قد غسل من قلوب المصريين كل غل وكل حقد أرسل غنائيتي إلى رئيس تحرير المصوّر الأستاذ فكري أباظة، معتقدة بيقين أن عينيه ستدمعان وهو يؤشر عليها بالنشر حتما وفورا، ولم لا؟ أليس هذا الفرح حقنا نحن الذين لم ننس وجع الهزيمة لحظة؟ غير أن تفاؤلي بطيبة هؤلاء الناس ينهار وأذني على الهاتف يصفعها صوت فكري أباظة: متأسف يابنتي إنت عارفة التعليمات، وبعدين يوسف السباعي يفتكرني بتحداه...! لا أصدق فأجهش: يوسف السباعي إييييييييييييه ...إنت فكري أباظة بحاله ...هو ماله يوسف السباعي ومال دار الهلال ماخلاص خرج منها! يكرر فكري أباظة، طاويا تاريخه الصحفي والوطني والبرلماني المجيد، قوله بضعف واستكانة: معلهش والله ما أقدر أنشر لك شيئا...!
تأخذ منى أنيس "الغنائية" إلى نقابة الصحفيين لتنشرها في نشرة تصدرها النقابة، يتسلمها حسين عبد الرازق، بشهامة لا أنساها، ويتابعها لتظهر مع رسم جميل وإبراز صحفي يملأ الصفحة الأخيرة من النشرة، أمسح دموعي وأشعر بانشراح حين أكتشف أن قراء نشرة نقابة الصحفيين كانوا أكثر من قراء مجلة المصور المكبلة بتعليمات الحقد والغطرسة والإنحياز الظالم.