السبت، 26 فبراير، 2011



من وثائق انتفاضة الطلبة المصريين 1972/ 1973


بعد انتصاره على خصومه في 15 مايو 1971، قرر الرئيس الراحل محمد أنور السادات أن يلبس ثوبا مغايرا لمرحلة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، واختار لهذا الثوب شعار: الحرية والديمقراطية وهدم السجون وإلغاء المعتقلات.


تحت هذه الشعارات كان لابد أن تعود مصر إلى أسلوبها الذي تعودت عليه وهو إعلان مطالبها عن طريق الاحتجاجات الشعبية، فقامت في يناير 1972 مظاهرات طلابية أعادت إلى الأذهان صورة المظاهرات الوطنية المجيدة التي اجتاحت القاهرة في الأربعينيات، ضد الاحتلال الإنجليزي، وضد الفساد السياسي، وضد كل ما كان معاكسا للمصلحة الشعبية.


وكما كانت مظاهرات الأربعينيات من القرن الماضي قوامها طلبة جامعة فؤاد الأول، كانت مظاهرات 1972، من القرن نفسه، قوامها طلبة كل الجامعات وعلى رأسها، جامعة القاهرة وجامعة عين شمس، وتم تأييدها بعناصر وطنية من المثقفين والأدباء والشعراء.


في ذلك اليناير عام 1972 كنت في مناسك فريضة الحج، أطوف حول البيت الحرام وأنا أبتهل من جوامع قلبي ونفسي: «يا رب على الحاكم الظالم». لم أكن ساعتها على علم بمظاهرات الطلبة الاحتجاجية، لكنني كنت على علم بالظلم الذي وقع على قلمي بمنعي من النشر والتعبير من دون سبب واضح أو مسوغ منطقي، وكنت قد رأيت في إجراءات التنكيل بي دليلا فاضحا يكذب كل شعارات «الديمقراطية» و«الحرية» و«الأمان» التي رفعها السادات. بعد عودتي من أداء فريضة الحج، حاولت أن أستعيد حقي في النشر عن طريق تقديم مذكرات، وعن طريق مقابلات مع مسؤولين لم يكفوا عن بث غرامهم بالحرية والديمقراطية.. إلخ ـ منهم بالمناسبة دكتور أحمد كمال أبو المجد الذي تولى وزارة الإعلام في المرحلة الساداتية لفترة ـ وخاب مسعاي والوجوه كلها ساقعة مثلجة.


في 29 ديسمبر 1972 تم اعتقال مجموعة كبيرة من الكتاب والمحامين والمثقفين والشعراء، ولم يكن بنقابة الصحفيين إلا المؤيدين للنظام بالحق وبالباطل. في موقف أقرب إلى التعبير الشعري ساقتني قدماي للانضمام إلى اعتصام طلبة جامعة عين شمس في 3 يناير 1973. قلت للطلبة، إنني أؤيد مطالبهم بتحقيق شعارات حرية التعبير وحرية الرأي، ولأنني ممنوعة من النشر فليس أمامي سوى أن أكون بنفسي بينهم متضامنة مع مطالبهم لأنها مطالب كل الناس لمصلحة كل الأمة. رحبوا بي، وكان الجو نقيا، والإحساس صادقا، والنفوس طيبة. كنت في الخامسة والثلاثين وكانوا بين 19 و24 سنة، معظمهم من كليات الطب والآداب والحقوق والهندسة. طالبات نابهات مفوهات بليغات في التعبير عن الأزمات وآلام الوطن وطلبة مثلهم وإن غلبت على الجميع لمسات طريفة من ناتج البراءة والسذاجة والعفوية.


حين تم اقتحام الاعتصام الذي استمر حتى 11 يناير 1973 تحلق حولي الضباط للقبض علي بدعوى أنني الرأس الكبير الذي تزعم كتيبة الطلبة وأنني مندسة بين صفوفهم، وكانت هذه هي التهمة التي أكدتها تحريات المباحث ووجدتها أنا شرفا لا أدعيه، فالحقيقة أن الشباب الطلابي كانوا هم العقل والحركة واللسان، وكنت مبهورة بعنادهم وصلابتهم ولم يتعد دوري المساندة والرصد والإعجاب والفرح بأن مصر قد أنجبت مثل هذا الجيل المتأجج بالحماس والحيوية. أشياء كثيرة قالوها وحوادث كثيرة تتابعت ومفارقات عديدة أضحكتني وآلام شديدة أوجعتني.


بعد سنوات بلغت الثلاثين قام المحامي النبيل عادل أمين، الذي كان ضمن كتيبة دفاع وقفت بلا مقابل مادي تطالب لنا بإخلاء السبيل، بتجميع الوثائق الخاصة بالحركة الطلابية، بدأب وصبر وأمانة وأخرجها في مجلد من 632 صفحة، مبوبة ومنسقة مثل «ألبوم» لصور نحبها من أيام الشباب تحت عنوان: «انتفاضة الطلبة المصريين، 1972 – 1973، الجزء الأول، عادل أمين المحامي، القاهرة 2003، رقم الإيداع 14704 / 2002، طبع بالمكتب الفني».


معظم الأشياء التي وردت في تلك الوثائق كنت قد نسيتها تماما مثل ذلك البيان الذي أردت إرساله إلى نقابة الصحفيين تهريبا من سور جامعة عين شمس فصادره أحد ضباط مباحث أمن الدولة ليقدمه مع مستندات تحرياتهم عني التي تقول: «أصدرت بيانا يتضمن استنكارها لبيان نقابة الصحفيين الصادر في 29/12/1972، ووصفت هذا البيان بأنه لا يعبر عن الرأي الحر داخل نقابة الصحفيين، وأنها قررت الاعتصام مع طلبة جامعة عين شمس لإحساسها بالغربة والوحدة داخل نقابتها». وفي صفحة 57 من الوثائق التي قدمها الأستاذ عادل أمين وجدت، ويا للفرحة، نص بياني الذي كنت قد حسبته قد ضاع إلى الأبد، بعد أن ضاع تماما من ذاكرتي، وهو كالتالي: «بيان إلى نقابة الصحفيين رقم 2:

 في اليوم الخامس لاعتصامي تضامنا مع الاعتصام الطلابي بجامعة عين شمس، الذي انقضى عليه الآن سبعة أيام والذي يشكل استمراريته وصموده شكلا من أشكال الإرادة الرائعة والإصرار الجميل على المطلب الشعبي في تحقيق الديمقراطية وترسيخ مبدأ الممارسة الصادقة الفعلية لحرية الفكر والتعبير عن الرأي، أعلن تضامني مرة أخرى مع هذه الحركة الطلابية النزيهة أولا: بإدانة التشويه المتعمد لهذه الحركة الطلابية واحتجاجي الخارج من صميم الوجدان الشعبي على هذا التشويه الذي تشارك فيه بالدرجة الأولى الصحف المصرية كجزء من حملة إعلامية المقصود بها ضرب الحركة الطلابية لغير مصلحة شعبية.

 ثانيا: أعلن إضرابي عن الطعام بداية من يوم الاثنين الموافق 8/1/1973 تضامنا وتدعيما لقرار الإضراب عن الطعام الذي اتخذته المجموعة التي تمثل قوة الاعتصام الطلابي بجامعة عين شمس بقصر الزعفران حتى يتم الإفراج عن جميع المعتقلين الوطنيين الذين بدأت سلسلة اعتقالاتهم منذ يوم الجمعة 29/12/1972 والتي لا تزال جارية ومستمرة حتى الآن والمندرج بعضها تحت اسم قضية 902 لسنة 1972 حصر أمن دولة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. التوقيع: صافي ناز كاظم 7/1/1973».


الطريف في تلك الوثائق كان إصرار المباحث على تعريفي بـ«الماركسية»، ولم يكن قد مر على أدائي لفريضة الحج غير عام واحد، بينما لم تشر إلى حقيقة أي واحد ممن كانوا يفخرون بانتمائهم الماركسي والعلماني.


ومنذ ذلك التعريف المباحثي الأمني غير الصادق وغير الحقيقي، عن هويتي العقائدية، وأنا أواجه المصرين على تصديق «ادعاءات» المباحث وتكذيب «صدقي» في أنني لم أكن في أي لحظة من لحظات عمري ماركسية أبدا أبدا أبدا والله خير الشاهدين.





هناك 10 تعليقات:

  1. نوارة

    لا يوجد من يستطيع ان يزايد عليك ولا ينبغي

    ولكن أقول شيل كفنك وانزل التحرير فلا وقت لحفر القبور
    أقولها بشرعية الثورة تلك الشرعية التي اصطفاكم الله لتكونوا لسان حالها

    الإشكالية إن الثورة في مصر مفتاح الشرق الأوسط وسط كله هذا هو قدر مصر وقدرها

    لذلك فإن الجيش في مصر لا يتفاوض مع قوى الهيمنة في العالم على حدود مصر ولكنه يتفاوض على دورها الإقليمي و ، بسب زخم الثورة هناك من الأخبار ما لم يتوقف أمامه الناس في زحمة الأحداث وهذا مفهوم وطبيعي منها تصريح لملك السعودية يقول فيه إن السعودية ستساعد مبارك إذا تخلت عنه أمريكا؟
    تناقلت وكالات الانباء أن النظام المصري يرفض التدخل الأمريكي في شؤونه الداخلي كما صرح
    وزير الخارجية المصري احمد ابوالغيط بقوله : إن الاتصال الذي جرى بين نائب الرئيس المصري
    عمر سليمان ونائب الرئيس الأمريكي جون بايدن والذي دار حول تسريع انتقال السلطة وتشكيل
    وزارة مؤقتة من المعارضة والحكومة الحالية التغير الدستور وإجراء انتخابات برلمانية حرة لاختيار
    رئيس دولة قادم .
    فقال احمد ابوالغيط إن مصر دولة ذات سيادة وثقل دولي وعربي لا تقبل أن تملي عليها أمريكا أو غيرها سياستها الداخلية أو تتدخل في شؤونها الداخلية.

    بهذا التصريح قطع النظام المصري شعرة معاوية بينه وبين الإدارة الأمريكية مما يعني إن التدخل
    الأمريكي في مصر سيتغير من تأييد النظام المصري إلى تدخل سافر من اجل التغيير بواسطة الجيش
    أو بدعم إرادة الشعب المناهض للنظام الحالي بعد إن يفرض النظام الأمريكي شخصية مصرية
    معارضة للنظام المصري ومقرب إليها يستطيع إن يبقي على مصالحها ومصالح إسرائيل وخاصة
    المحافظة على الاتفاقيات الأمنية والعسكرية والاقتصادية الإسرائيلية المصرية الحالية.

    ومن جهة أخرى تناقلت وكالات الأنباء أن السعودية والكويت والإمارات تعهدات هذه الدول للنظام
    المصري إنها سوف تدفع له خمسة مليارات دولار سنويا في حالة توقفت المعونة الأمريكية لمصر
    والتي تقدر ب خمسة مليارات دولار سنويا
    وهذا يدل على إن السعودية والإمارات والكويت سوف تنافس أمريكا على مصالحها في مصر بتعهدها
    المالي هذا وهو يعتبر تهديدا مباشرا لأمريكا وسياستها الخارجية الدولية فهل هذه الدول لديها القوة
    في منازعة مصالح أمريكا في المنطقة؟

    أم أن هذه الدول والتي تعتبر دول تابعة ومحتلة من أمريكا تسير حسب الخطة الأمريكية المصممة على
    التغيير في مصر.

    نعم كل هذا تجاوزته الإحداث وقامت الثورة بتفكيك الواقع ولكن الثورة كفعل تغيير هي حافز للتطهير وليست فاعل له التطهير هو ما تستقر عليه روح الثورة التي تحمليها أنت والثوار ولهذا الناس تسمعكم وتصدقكم وتستعد بما لتتخيلوا ولا تتصوروا
    هذه لحظة تاريخية قل أن يجود بمثلها الزمان لم يحدث من آلاف السنين أن يعبر الشعب المصري عن وجوده وقيمته للعالم على هذا المستوى وهى لحظه تعانق فيها الأرض السماء
    لقد تساءلت يا نواره سؤال مشروع وهو هل الجيش المصري خائن؟ وإنما الشرعية – هنا- مصدرها الثورة التي تجب ما قبلها بافتراض بديهي هو أننا نعلم كلنا أن مؤسسات مبارك كلها كانت تدار من قبل قوى الهيمنة في العالم على المستوى الإستراتيجي فما الذي يجعل الجيش المصري عصى على إغواء السامري؟
    أن الخوف من الجيش المصري والتعامل معه على أساس انه وطني حساب خاطئ فلم تثبت الإحداث ومنذ البكاء الوطني للمشير الأخير للجيش المصري عبد الغني الجمصي في حادثة فض الاشتباك الثاني بعد حرب أكتوبر
    انه جيش وطني وفى كل ما حدث بدا الجيش المصري وكأنه دخل حظيرة الهيمنة العالمية ولم يخرج منها حتى الآن , نعم هناك رجال في الجيش المصري كشومان وغيره كثيرين وهناك من هم مثل مبارك داخل الجيش المصري ويجب أن تطهروا الجيش المصري ولن يتطهر إلا عندما تتخلصوا من وهم الجيش وتتعاملوا معه كمؤسسة وعلى الشرفاء في الجيش المصري إن ينقذوا الجيش المصري

    إن الثورة كفعل تغيير قامت بتفكيك الواقع ولكنها كفعل تطهير إنما تكون بمدى إيمانكم بها كثورة وهنا كل حدود تفترضوها وهما أو تحسبا سوف تشكل وجه الثورة وكل ما تقدمونه من جسارة سوف يساهم في تحديد مستقبلكم
    ومستقبل أولادكم وأحفادكم وقد يهون العمر إلا ساعة وتهون الأرض إلا موضعا
    والموضع الآن هو ميدان التحرير وقوى الهيمنة حددت لكم هذا الموضع وسوف تقاتلكم عليه فهل انتم مستعدون؟

    ما يحدث فى مصر يرتبط ارتباط جنيني بما يحدث في ليبيا ومصير مبارك يرتبط بمصير القذافى
    فاجعلوه مصير الكلب السعران

    ردحذف
  2. ملحوظة
    هل وثائق ويكي لكس تصدر عن وحى منزل من السماء؟
    ؟ أنها من أكثر النصوص قابلية للتأويل في العصر الحديث وما يخص الجيش المصري منها من الممكن قراءته قراءات مختلفة ومنها- إن صراع مؤسسة الجيش المصري مع الإدارة الأمريكية كان صراع على إمكانية استمرار مصداقيته وليس خلاف على الأهداف وهو خلاف لا يفسد للود مصلحة إن قوة الجيش المصري إنما هي في وهم ثقتكم بيه لا تثقوا إلا في ثورتكم فهى المقدس الوحيد فى هذا العالم الآن ولهذا فالدماء ترخص لها وبمقدار بعد اي مؤسسة عن بدا هات الثورة او قربها من هذه البد هات تكون مصدقيها لا استثناء في ذلك لحزب أو جماعة أو حتى جورب
    إما عن الثورة المضادة فإياكم وشلل التحليل

    وانتبهوا لخدعة عمر بن العاص برفع المصاحف على اسنة الرماح فإذا كان كتاب الله تم استخدامه كخدعة فهل تستعصى الديمقراطية فهناك من يستخدموا الديمقراطية ككلمة حق أرادوا بها باطل فمن يدافع عن النظام السابق انما يدافع عن الديكتاتورية ولا حل وسط فى الثورة

    ومقدار ما يحمل الإنسان من كرامة هو نفسه قدر ما يستطيع أن يقدمه من كفاح

    لابد أن يتخلص الجيش من أوهامه وهمليتيته فهى لا تليق ( برجال) اقسموا أن يدافعوا عن الشعب المصري أن يضربوا شبابه الثورين فلا شرعية إلا للثورة
    ولتعلموا ان من تخادعتم له ونال منكم مأربه فقد خدعكم
    أن الشعب المصري قادر علي تمويل جيشه بما يريد ويرضي وقادر أيضا على حمايته إن أراد الجيش المصري ذلك وحسم أمره

    ردحذف
  3. الأستاذ (علان العلاني) أحول؟
    دي مدونة (لساني حصاني) وليست (جبهة التهييس الشعبية)

    ردحذف
  4. السادات و عبد الناصر فرعونان ولكن تختلف الاساليب
    و كما قلت يا أستاذة صافي ناز من قبل في المقارنة بين بوش و أوباما الاول يقول أنا حاخزق عينك والثاني يقول لو سمحت قوم علشان أخزق عينك
    ينطبق هذا القول تماما في حالة السادات و عبد الناصر

    ردحذف
  5. حسنا سيد إسلام

    هذا ليس أول تعليق لي في مدونة السيدة الفاضلة المحترمة والمناضلة وهى اسم له تاريخ في عالم النقد أولا وعالم الفكر ثانيا ومرفأ موثوق لضمير مصر الحي دائما وقد قرأت لها معظم إنتاجها ومقالتها وأعرف عنها ما هو معروف عن من لايبيعوا دينهم بدنياهم ناهيك عن دنيا غيرهم وهى بعد من المحتسبين

    واعتقد بأنها تستطيع بكل سهولة من أي نص أن تعرف بصمات صاحبة وشفرته المعرفية كناقدة لا يشق لها غبار

    ولا يوجد فرق جوهري بين لساني حصاني وجبهة التهييس الشعبية لمن يملكون بصيرة في اعتقادي فهنا وهناك لسان حال الثورة المصرية وصوت ضميره النابض أبدا بأذن الله

    وهى أيضا تستطيع الدفاع عن مساحتها الفضائية بسهولة إزاحة الذباب عن صفحة الوجه

    أما عن البصر فلا أرى في الحول ما يدعو إلى سخرية

    دامت ليك نعمة البصر
    ما دمت تقوم بحقها

    ردحذف
  6. النص والزمن

    أولا: بإدانة التشويه المتعمد لهذه الحركة الطلابية واحتجاجي الخارج من صميم الوجدان الشعبي على هذا التشويه الذي تشارك فيه بالدرجة الأولى الصحف المصرية كجزء من حملة إعلامية المقصود بها ضرب الحركة الطلابية لغير مصلحة شعبية.

    العلاقة بين السلطة ومقاومتها كما يعلنها هذاالنص
    علاقة تخترق الزمن فهذا النص يحمل نفس توصيف اللحظةالحاضرة دون اضافة او ابدال

    ولايزال احتجاجك يصدر من نفس المنبع

    صميم الوجدان الشعبي

    ردحذف
  7. يا إسلام أرجو أن تعتذر لعلان العلاني!

    جزاك الله الخير وشكرا.

    كلكم أولادي وأحفادي.

    عبد الناصر والسادات وجهان لنظام واحد ونفسية واحدة؛ ولم يكن السادات رقيقا بالمرّة؛

    ولا ينبيك عن خلق الليالي كمن فقد....

    ردحذف
  8. متابعات

    يتأسس منطق الثورات السلمية على مبدأين اثنين:

    المبدأ الأول: أن السلطة المستبدة ليست جسدا واحدا أصم، وإنما هي بناء ديناميكي مركب، وهي لا تتحكم في الناس إلا لقبولهم بذلك. لذا فإن الثورة لا تحتاج إلى مواجهة النظام القمعي مواجهة مباشرة، وإنما يكفيها أن تحرمه من التحكم في المجتمع، وتظهر عجزه أمام العالم. فالتحكم هو رأسمال الحاكم المستبد، فإذا فقد التحكم في حياة الناس فقد الثقة في نفسه، وأصبح سقوطه محتما.

    ويستخدم هشام مرسي ووائل عادل وأحمد عبد الحكيم في كتابهم المشترك "حرب اللاعنف" –وهو من منشورات أكاديمية التغيير- مصطلحا بديعا للتعبير عن هذا المبدأ، وهو مصطلح "التجويع السياسي". فالثورات السلمية لا تهدم النظام المستبد مباشرة، وإنما تستنزفه من خلال حرمانه من دعم بعض مكونات سلطته، فينهدُّ البنيان الاستبدادي من تلقاء ذاته.

    المبدأ الثاني: أن العنف الدموي المباشر ضد السلطة المستبدة ليس خيارا مناسبا، والمقاومة السلمية أجدى وأبقى. وقد بين المنظِّر السياسي الأميركي جين شارب في كتابه المعنون "من الدكتاتورية إلى الديمقراطية" أن الثورات السلمية تنبني على فكرة "البطولة الهادئة" التي ترفض الرد على عنف الاستبداد بعنف مضاد. فالانجراف إلى العنف الدموي يمنح الاستبداد أخلاقية الرد العنيف، ويسبغ على تمسكه بذاته طابعا شرعيا.

    لكن الثورات السلمية ليست مبرأة من العنف بإطلاق، ولا من الممكن أن تكون كذلك، بحكم تعرضها لعنف السلطة المستبدة. بيد أن عنف الثورة السلمية عنف رمزي ودفاعي، لا يستهدف القتل أو الأذية الجسدية كما يفعل المستبدون، وإنما يستهدف زعزعة إيمان المستبد بنفسه، وإضعاف ثقة الناس فيه وفي بقائه، تمهيدا لتفكك سلطته في النهاية.

    فالنيران المتصاعدة من مقر حزب حاكم كان يضفي الشرعية على الاستبداد، أو من مركز شرطة قمع كانت حربة المستبد، عنف رمزي بامتياز، وهو يحمل رسالة سياسية وإعلامية على قدر كبير من الأهمية.

    وقد تحتاج الثورات الشعبية إلى عنف دفاعي في حالة التعامل مع أنظمة لا تتورع عن شيء. والعنف في هذه الحالة لا يتنافى مع المنطق السلمي للثورة.

    فالوقفة الباسلة التي وقفها شباب ميدان التحرير في وجه الأوباش الذين بعثهم النظام المتهاوي في مصر كانت حاسمة في معادلة الصراع. ولم يكن لدى أولئك الشباب من سلاح سوى الحجارة، لكن التصدي بها لأولئك الطغام كان ضروريا.

    وحينما يكون رأس نظام الاستبداد في مأزق لا مخرج منه بحكم تراكم مظالمه وجرائمه، وسوء علاقته بالعالم –كما هي حال القذافي- فإنه يقاتل قتال اليائس، ويجعل ثمن الثورة غاليا. وفي هذه الحالة يحتاج الشعب الثائر إلى الاستعداد لدفع ثمن أكبر، كما يحتاج إلى شيء من العنف الدفاعي أمام سطوة المستبد اليائس.

    الثورات الشعبية مزيج من العفوية والتنظيم، فالعفوية تعصمها من الاستئصال، والتنظيم يعينها على حسن التسديد. وتحتاج كل ثورة إلى قيادة، لكن القيادة في عصر الإنترنت قيادة انسيابية، وليست هرمية، وهذا ما يجعل استهدافها عسيرا، واستئصالها مستحيلا.. تطارد النظام المستبد فتدركه، ويطاردها فتفوته، كما قال سلمة بن الأكوع رضي الله عنه للمشركين: "والذي كرَّم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني". فهذا النوع من القيادة الانسيابية تجعل للمجتمع اليد العليا ضد السلطة التي اعتادت الهرمية القيادية.

    كما تحتاج الثورة الشعبية إلى خطاب، ولا بد أن يكون خطابها هذا بسيطا، سهل الاستيعاب، وأن يكون جامعا لا مفرقا. فالثوار تجمعهم المبادئ وتفرقهم البرامج، ومن أهم شروط نجاح الثورات أن يركز الثوار على المبادئ الجامعة، ويتجنبوا الخوض في البرامج التفصيلية أثناء الثورة. فالشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال، والاختلاف وقت مقارعة الاستبداد مُهلك للثورات.

    ويحسن التأكيد هنا على أن أخطر ما في الثورات ليس البدايات، وإنما النهايات. ففي عام 1948 حاول أحرار اليمن الثورة على حكم الإمام المتحجر، وفشلت الثورة. فانقلب إمام اليمن على الثوار الأحرار تقتيلا وتنكيلا. وكتب شاعر اليمن عبد الله البردوني تعليقاً شعرياً يأخذ فيه على الأحرار اليمنيين ضعف الإرادة وسوء التخطيط، جاء فيه:

    والأباة الذين بالأمس ثاروا *** أيقظوا حولنا الذئاب وناموا
    حين قلنا قاموا بثورة شعب *** قعدوا قبل أن يُروا كيف قاموا
    ربما أحسنوا البدايات لكن *** هل يحسُّون كيف ساء الختامُ

    فمع ميلاد كل ثورة تولد ثورة مضادة، تحاول وأدها في مهدها، أو تحريفَها عن مسارها، أو السطو على ثمراتها. ويعتقد عالم الاجتماع تشارلز ميلز أن وجود الثورة المضادة هو أبلغ دليل على أن الثورة تحمل رسالة تغيير جدية.

    ردحذف
  9. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  10. وأحيانا تنجح الثورة في معركة الهدم، فتهدُّ النظام القائم هدًّا، لكنها تفشل في معركة البناء، ويقطف ثمارها آخرون من فلول النظام القديم، أو من المتسللين تحت غبار المعركة. وأسوأ ما يصيب الثورات أن يصادر ثمارها متسلقون في جنح الظلام، فيحيلونها نسخة منقحة من النظام الاستبدادي القديم، أو أن يتحول بعض مَن أشعلوا الثورة إلى وقود للثورة المضادة، جرَّاء أنانية سياسية مزمنة، أو لمجرد سوء التفكير والتقدير.

    إن غاية الثورات الشعبية ليست استبدال حكام بآخرين، بل حكم الشعب نفسَه بنفسه، وبناء فضاء مفتوح يملك آليات التصحيح الذاتي سلميا، ويقسِّم الحرية والعدلَ بعدلٍ. فالحذرَ الحذرَ من التنافس على مغانم الثورة، أو رفع المطالب الجزئية في لحظات الحسم الكلية. فغاية الثورة تحرير الشعوب لا حكمها

    http://www.aljazeera.net/NR/exeres/2A6C22EA-9A95-4E87-A3FC-DD2E76D7D0BE.htm?GoogleStatID=2

    ردحذف