الأحد، 1 سبتمبر، 2013

بمناسبة ذكرى مرور 31 سنة على رحيل الزعيم أحمد حسين يوم 26 هذا الشهر، سبتمبر، و الأشياء بالأشياء تُذكر!

هدى جمال عبد الناصر بأبيها مُعجبة: لا بأس بس بالمعقوووول!

المثل العربي يقول: " كل فتاة بأبيها مُعجبة"، هذا مقبول لو لم يتجاوز الإعجاب حدّه إلى إلصاق صفات بالأب لم تكن يوما من شيمه، ولقد آلت الدكتورة هدى جمال عبد الناصر على نفسها من خلال مقالات كانت تنشرها بجريدة الأهرام كل حين أن تربط، بشكل أو آخر، ثورة الشعب المصري 25 يناير 2011 بالحقبة الناصرية، مثال ما أسمته في مقالها المنشور بالأهرام السبت 17 مارس 2012: " دليل عمل يجمع بين النظرية والتطبيق ويستند إلى تجاربنا الماضية..."، قالت الدكتورة ما قالت حتى ارتطمت عيني بفقرتها التالية: "ويعتقد جمال عبد الناصر أنه يجب الاعتماد على الأسلوب الديمقراطي في حل التناقضات داخل الشعب؛ فلا يمكن للثورة أن تؤدي مهمتها إلا بالاعتماد على جماهير الشعب. ويجب على القياديين أثناء القيام بعملهم أن يعتمدوا أسلوب الإقناع، وأسلوب التثقيف بطريقة ديمقراطية، وإن اعتماد الأساليب الإدارية والإكراهية أمر لا يمكن القبول به بتاتا"، عندها إنفجرت ضاحكة ضحكا مجلجلا لم ينتابني من "فشْر" أبو لمعة الأصلي ولا من أشد صفحات السخرية والمزاح  قدرة على بعث القهقهات، مسرعة إلى مهاتفة صديق من ضحايا "الزمن الجميل لديمقراطية عبد الناصر" أقرأ له الفقرة فلم يجد بدوره التعليق المناسب على هذا التزييف الباطش بحقيقة الواقع الذي عايشناه، نحن شهود الحقبة الناصرية الذين لم نمت بعد، سوى مشاركتي في الضحك ونحن نردد "إنهم لا يتوقفون عن بيع الترام للأجيال الحاضرة والمقبلة!".

من كتابي "الخديعة الناصرية: شهادة مواطنة مصرية على سنوات عاشتها"، الذي صدر في طبعته الأولى عام 1982، أنقل من طبعته الثانية الصادرة عام 2009 عن دار العلوم للنشر والتوزيع ما جاء صفحات 23 و 24 و25: "...كانت السلطة خائفة من هياج الفلاحين المتجمع كما خافت من قبل في بدايات أيامها من هياج العمال المتجمع، ورغم أن هياج الفلاحين كان مستندا إلى دعمه 23 يوليو 1952 وللسلطة الحاكمة باسمها، كما كان هياج عمال كفر الدوار من قبل في 8 \ 1952، إلا أن السلطة الحاكمة كانت تعرف نفسها وحقيقتها أكثر من معرفة الفلاحين والعمال بها؛ كانت تعرف أنها سلطة فوقية لا يمكن أن تسمح للفلاحين والعمال، بالذات، بمبادرات يمكنهم من خلالها المشاركة في تسيير البلاد، كانت تعرف أنها سلطة فوقية ارتدت الثورة رداء مستعارا ويمسك بتلابيبها فرد واحد لا يسمح لرأس مستقل وحر وعزيز أن يرتفع أمامه حتى ولو كان مخلصا محبا له مدافعا عن سلطته ممثلا لشعاراته ............ولقد طار من قبل رأس الشهيد العلامة عبد القادر عودة عام 1955 لأنه استطاع أن يسكت بإشارة من يده الجماهير المتجمعة في عابدين مارس 1954 بعد أن عجز عن ذلك عبد الناصر الواقف إلى جواره، فلقد عقد عبد الناصر العزم بعد انفراده بالحكم على ألا يسمح لكائن من كان أن يرتفع في مصر على أيدي الجماهير أو أن تفرز الجماهير باختيارها من تراه ممثلا لها............................".

 هناك روايات عديدة أوردت جريمة إعدام الشهيد المستشار العلاّمة عبد القادر عودة ظلما فوق ظلم بقرار من عبد الناصر شخصيا، منها واحدة سمعتها من الأستاذ محمد عودة الكاتب السياسي الناصري وأخرى من الأستاذ فتحي رضوان رحمهما الله، وشهادة الأستاذ أحمد حسين التي نشرها، رحمه الله، قبل وفاته بأيام في جريدة الشعب 7 \9 \ 1982 ص 6، ولأهميتها أنقل منها هذه السطور: "............... نحن الآن في عام 1955 أُفرج عني وتنازلت عن القضية ولكني ظللت مجروحا فلم يحدث في كل تاريخي النضالي أن أهنت كما أهنت واعتدي عليّ كما اعتدي عليّ في ظل الثورة...........أطلق الرصاص في ميدان المنشية على جمال عبد الناصر، وكان الضارب شخصا يدعى عبد اللطيف من الإخوان المسلمين، وعلى الرغم من أن عبد الناصر قد نجا فقد ظن أنه أصيب في مقتل وراح يثرثر بكلام فارغ يكشف عما في عقله الباطن، وأخذ يخاطب الشعب بقوله: غرست فيكم العزة والكرامة! واستغل هذا الحادث للبطش بالإخوان المسلمين وتألفت محكمة خاصة لمحاكمتهم وقضت على زعمائهم بعقوبات قاسية وعلى الرغم من أن واحدا منهم وهو عبد القادر عودة كان مسجونا قبل وقوع الحادث فلم ينج من عقوبة الإعدام، فزعت من هول المحاكمة ومن فظاعة أحكامها وأدركت أننا أصبحنا نعيش في ظل عهد جديد: حيث لا قانون ولا حدود وإنما إرادة الحاكم ومطلق مشيئته فقررت أن أهاجر من مصر، وإذ كان الوقت هو موسم العمرة فقد قررت أن أسافر السعودية طلبا للعمرة ومن السعودية أختار البلد الذي أتوجه إليه، وإمعانا في التمويه والتعمية طلبت مقابلة عبد الناصر لاستئذانه في السفر وبالرغم من أنني كنت مقررا أن لا أتحدث في غير التحيات والسلامات والمجاملات العادية فقد كان هو الذي دفعني للكلام حيث لم أتمالك نفسي عن نقده. سألني ما رأيك في الإخوان المسلمين؟ قلت إنك تعرف رأيي ـ أقصد الموقف الأخير ـ ووجدتني أندفع بلا وعي أندد بإعدام عبد القادر عودة، قلت: لقد كان بإستطاعتك أن توفر 50% من النقد الذي وُجّه إليك لو وفّرت حياة إنسان واحد، وأسرع يقول: تقصد عبد القادر عودة؟ قلت: نعم، فإن عبد القادر عودة برئ من الحادث الذي وقع، كما أنه برئ من أعمال العنف، ومضيت أترافع في حماسة: وهناك ثلاثة أدلة يكفي كل واحد منها لتبرئة عبد القادر عودة كلها أمام المحكمة؛ الأول إنه كان سجينا قبل وقوع الحادث بعدة أسابيع، والثاني إنه اقترح بعض الأعضاء القيام بمظاهرة مسلحة فأنكر عبد القادر عودة هذا الاقتراح بشدة، والثالث إن البعض اقترح القيام بمظاهرة سلمية فرفض عبد القادر عودة القيام بأية مظاهرات. وأصغى عبد الناصر لمرافعتي ثم قال: والله يا أحمد نحن لم ننظر للأمر من الناحية القانونية بل نظرنا إليه من الناحية السياسية!
غادرت مصر إلى السعودية وأنا لا أكاد أصدّق أنني هربت من الجحيم الذي أصبح فيه الأبرياء يُعدمون لأسباب سياسية.............". إنتهى المقتطف من شهادة أحمد حسين.

وبعد: يجدر بي الآن، مستعينة بموسوعة ويكيبيديا، أن أنعش الذاكرة بتعريف مختصر عن الأستاذ أحمد حسين، المولود بحي السيد زينب 8 مارس 1911، الذي ظهر كزعيم جماهيري ثوري منذ أيام دراسته في الجامعة، وتبنيه في تلك الفترة لمشروع وطني عرف بـ"مشروع القرش"، ويهدف إلى تحقيق الاستقلال الوطني في ناحية الصناعة، كما عرف عنه أنه كان أول من أدخل إلى الحياة السياسية المصرية فكرة التنظيمات شبه العسكرية للأحزاب السياسية، كما أنه كان من رواد إدخال الإسلامية إلى العمل السياسي في مصر عقب إنشائه "الحزب الوطني القومي الإسلامي" الذي دعا إلى الوحدة العربية، ووجود الشريعة الإسلامية في دستور البلاد.

كان أحمد حسين ضيفا متكررا على السجون، وبعد الحرب العالمية الثانية اتخذ موقفا متشددا، وطالب بالجلاء الناجز للإنجليز عن وادي النيل، وشارك بحزبه "مصر الفتاة" مع قوى وطنية أخرى في حملات لمقاطعة البضائع الإنجليزية.

في عام 1948 وضع حزب مصر الفتاة برنامجا سياسيا واجتماعيا كشف عن بعض ميوله نحو الاشتراكية، ودل برنامجه على امتداد التفكير السائد في الحركة الوطنية قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو التغيير في حدود النظام القائم مهما يكن التمرد عليه، وبدت هذه الروح المحافظة في برنامج عام 1948 في أنه أبقى على شعاره التقليدي (الله.. الوطن.. الملك)، معتبرا أن حجر الزاوية في الدستور هو "الملكية الدستورية"، كما تمثلت الروح المحافظة في برنامجه الاجتماعي، وفي محاولة تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتحقيق الاستقلال، مغفِلا بذلك فكرة الصراع الطبقي.

لكن البرنامج حدد بعض النقاط المهمة في خط التطور الفكري للحزب، وفي تخطيه للمفهوم القديم، فقد دعا لتحريم تملك الأجانب واستئجارهم للأراضي بجميع أنواعها، وتحريم تملك الأجانب للشركات ذات المنفعة العامة، وتصفية شركة قناة السويس بوصف القناة مرفقا مصريا عاما، وطالب البرنامج بوضع حد أعلى للملكية الزراعية، وأن تلغى الضرائب المباشرة وغير المباشرة على السلع الأساسية للشعب، وطالب ببعض الإصلاحات في أجور العمال، وتحديد ساعات عملهم بثماني ساعات يوميا.

طالب الحزب بإلغاء كل ما يتعارض من القوانين مع الشريعة الإسلامية، مع مراعاة عنصر التطور، ويبدو أن الهدف المباشر من وراء هذا المطلب كان منافسة الإخوان المسلمين في مسألة الدفاع عن الدين وقضاياه، لكن الحزب طالب بإبقاء القوانين الوضعية مع اقتصار التعديل والتغيير على ما يتعارض منها مع الشريعة الإسلامية، ويرى المستشار والمؤرخ طارق البشري "أن الحزب وضع هذا المطلب في قالب علماني" كمحاولة لامتصاص جزء من شعبية الإخوان ورصيدها في الشارع.

كان هناك تطور في فكر الحزب، لكنه لم يصل إلى حد الفكر الثوري، فكانت الأفكار الإصلاحية من داخل النظام، وليست خروجا عليه. في المقابل كانت أهداف مصر الفتاة مرفوضة من النظام، ويرى البشري "أن برنامج الحزب كان مؤقتا"، ولكنه وضع الحزب على مفترق الطرق، وكان لا بد أن يخطو نحو الأمام للصدام مع النظام القائم.

ثم كان التغيير في حزب مصر الفتاة، ففي البداية كان شعاره (الله.. الوطن.. الملك)، و(الملك نعظمه، ونلتف حول عرشه) ثم استبدل بذلك شعار (الله.. الشعب)، وكان إسقاط الملك من الشعار واستبدال الشعب به دلالة واضحة حول الرغبة في التغيير، بل إنه تغير اسمه من "مصر الفتاة" إلى "الحزب الاشتراكي"، واعتبر أحمد حسين "أن الاشتراكية من لب الإسلام وصميمه".

حدد الحزب في برنامجه الجديد الملكية الزراعية بخمسين فدانا، وطالب بأن يحل الإنتاج الجماعي محل الإنتاج الفردي، وأن تكون الصناعات الكبرى والمرافق وغيرها مملوكة للدولة. كان هدف الحزب تحرير مصر، واستقلال وادي النيل، وتوحيد الشعوب العربية كلها في دولة واحدة على غرار الولايات المتحدة، وتأليف جيش عربي واحد. رفض الحزب مبدأ المفاوضة لتحقيق الاستقلال، وهاجم الولايات المتحدة وزحفها الاقتصادي على مصر من خلال الدولار، وكان يرى أن تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي لا يكون إلا من خلال إطلاق الحريات على أوسع نطاق.

أوضح الحزب تمايزه في تبنيه الاشتراكية عن الشيوعية، فرأى أن الشيوعية تتنكر للماضي وتتنكر للدين، في حين أن الاشتراكية ترى أن أساسها الدين، وكان أحمد حسين يؤكد دائما على مبدأ الإيمان بالله تعالى، وأن الإسلام دين ودولة، وكان يرفع شعار: "إن الإسلام يحرم الربا فهو يحرم الرأسمالية"، وأن الاستعمار هو ذروة الرأسمالية، وأن الاشتراكية هي ترياق الاستعمار. كان الحزب معترفا به، وكانت له صحيفة يلتقي من خلالها بالجماهير، فكان أكثر التنظيمات تمتعا بالنشاط العلني.

شكل الحزب مجموعات من المتطوعين في أثناء حرب فلسطين عام 1948، واشترك أنصاره في الحرب غير النظامية على العصابات الصهيونية.

كانت رؤية الحزب الاشتراكي أنه بقدر ما يتحطم حزب الوفد ينفتح الطريق أمام الثورة القادمة، وحكم هذا المنطق سلوك الحزب الاشتراكي، فكان أحمد حسين وحزبه يشنون هجوما قاسيا على الوفد ورجاله، وكان نقده اللاذع للوفد محاولة منه لتخليص الجماهير من تراث الوفد الماضي الذي أصابه التكلس؛ حتى إن أحمد حسين نادى في 24  يناير 1952 بإسقاط حكومة الوفد، ودعا أكثر من مرة إلى تكوين جبهة ثورية، وبذل جهدا كبيرا في التقارب مع التنظيمات الشعبية والثورية.

كانت صحيفته "الاشتراكية" توزع ما يقرب من 80 إلى 100 ألف نسخة؛ وهو ما يؤكد أن نشاط الحزب اتسم بنوع من الإيجابية والفاعلية السياسية.

في 24 يناير 1952 عقد مؤتمرا صحفيا أعلن فيه أنه قرر الانسحاب من الحياة العامة، متوقعا تردي البلاد في الكوارث، وكان ذلك قبل حريق القاهرة بيومين، وقد وجه له البعض أنه يقف هو وحزبه وراء حريق القاهرة الشهير، وقدم إلى المحاكمة، وطالبت الحكومة بإعدامه، وكاد حبل المشنقة أن يلتف حول رقبته.

 أفرج عن أحمد حسين بعد قيام حركة يوليو 1952، وإسقاط النظام الملكي، وعاد لنشاطه، لكن حل الأحزاب شمل حزبه في 1953، ثم ما لبث أن تعرض للسجن والتعذيب الوحشي في السجن الحربي إبان "أزمة مارس" الشهيرة عام 1954، والتي دار خلالها صراع على السلطة بين الرئيس محمد نجيب وجمال عبد الناصر الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء، وذلك بسبب برقية أرسلها إلى الطرفين قال فيها: "إن مصر ليست ضيعة أو عزبة تتداولونها".!

عندما أفرج عنه انتقل أحمد حسين إلى منفاه الاختياري في سوريا، ثم لبنان، ثم لندن، ثم السودان، ولم يكف خلال هذا التجوال عن إرسال البرقيات إلى جمال عبد الناصر-الذي كان عضوا سابقا في حزب مصر الفتاة- يطالبه فيها بالديمقراطية، ويحذره من الاستبداد والديكتاتورية.

في عام 1956 طلب أحمد حسين العودة إلى مصر على أن يعتزل العمل السياسي، واستجيب لطلبه، فعمل بالمحاماة فترة، ثم اعتزلها 1960، وتفرغ للكتابة، وأصدر مجموعة من المؤلفات منها: "موسوعة تاريخ مصر" في خمسة أجزاء، وعدد صفحاتها (1500) صفحة، وإيماني، والأرض الطيبة، وفي الإيمان والإسلام، ووراء القضبان، ورسالة إلى هتلر، وحكومة الوفد، واحترقت القاهرة، والاشتراكية، ثم اتجه إلى تفسير القرآن الكريم لكنه لم يكمله.


توفي أحمد حسين في 17 ذو الحجة 1403هـ الموافق 26 سبتمبر 1982.

هناك تعليقان (2):

  1. صباح الخير استاذة صافي ناز .. سبحانك يا رب وهل يعيد التاريخ نفسه بهذه الفجاجة ؟؟ يا ربى انها نفس التفاصيل ونفس سيكلوجية الاشخاص .. وهل جزاء الطغيان إلا النكسات ؟؟ هل هناك صلة قرابة بين احمد حسين والاستاذ مجدى أحمد حسين ؟؟

    ردحذف
    الردود
    1. طبعا فهو إبنه، و الأستاذ عادل حسين رحمه الله هو الشقيق الأصغر للأستاذ أحمد حسين، لكن أحمد حسين غير مسؤول عن غيره!

      لا جديد تحت الشمس! هل هي عبارة للعزاء؟

      طالما أن البشر هم البشر فلا بد أن تكون الأشياء كما نرى.

      حذف