الأربعاء، 25 سبتمبر، 2013

اليوم أحتفل بعيد ميلاد بابا شارو وعائشة صالح:

بابا شارو هو الرائد الإذاعي النابغة محمد محمود شعبان الذي غذى طفولة جيلي بأروع مستوى من التربية والتعليم والتثقيف والإمتاع عبر برنامجه: "حديث الأطفال" الذي كان يذاع الجمعة في العاشرة صباحا والثلاثاء في الخامسة والنصف عصرا، وهو صاحب "ألف ليلة وليلة" و "الأغاني للأصفهاني" و "مرزوق" (صاحب السلطانية)، و"الراعي الأسمر" و الكثير من الأعمال الإذاعية الباهرة؛ وقد وُلد 25 سبتمبر 1912 وتوفي إلى رحمة الله 9 يناير 1999، ويوم ميلاده يوافق يوم ميلاد زميلتي وصديقتي الغالية عائشة صالح المولودة 25 سبتمبر 1934 والمتوفية 2 يناير 2011، وأعيد هنا ملابسات وفاتها إهمالا كما كتبتها في حينها.

 عائشة صالح التي لم يمهلها المرض

ربما لايكون عنواني دقيقا، ربما كان الأوفق أن أقول: التي قتلها خطأ المعالجة الطبية وتهرب المسؤول. عائشة مرضت فجأة لكنها ذهبت، صباح الأربعاء 29\12\2010، على قدميها المستشفى للعلاج مستبشرة وتتوقع العودة لبيتها في اليوم نفسه، كما أفهمها الطبيب، تسألني الدعاء أن تكون الخطوة التمهيدية "البسيطة" كافية للدخول في العملية الرئيسية الناجعة المنتظرة للقضاء على العلّة يوم الأحد 2\1\2011. لم تتم الأمور كما ينبغي فقد فشل الطبيب في إتمام "الخطوة" وأخفى فشله وتنصّل. وجدنا عائشة في حالة مُبهمة لايمد لها الطبيب فيها يد العون على مدى أربعة أيام طويلة عريضة، لا تأكل ولا تشرب ولا تزوّد بالمحاليل، حتى أغاثها الله سبحانه بالرحيل، فجر اليوم الذي كان قد تحدد، وهْما، لإجراء العملية الأحد 2\1\2011، وهكذا سافرت عائشة صالح إلى "البلد المجهول الذي لايمكن لأحد أن  يعود منه"، على حد قول وليام شكسبير في وصفه الموت!

عائشة صالح صديقتي وزميلتي التي لا يعوضني عنها أحد، وتفسير ذلك يأتي في سياق مقالي "سر الكتابة عند عائشة صالح"، الذي كتبته في حياتها وأحب أن أعيد نشره اليوم على ساحة "المصور" التي جمعتنا لسنوات.
***

 سر الكتابة" عند عائشة صالح هو: أن يريد ناشرها كتابتها بحماس، فينطلق قلمها على الفور، وهذا هو "سر الكتابة" عندي كذلك، بل لعله سر الكتابة على وجه العموم. عندما تغضب عائشة صالح تبلغ حد خصام نفسها، تقصف قلمها بيدها لا بيد غيرها، وتلقي بمكتبها من الشباك، وتعلن القطيعة الكاملة مع كل النوافذ. ساعتها أهرع إليها وأبذل كل جهدي لإنتشالها من الغرق والخشية تتملكني من أن تشدني دوامة غضبها معها ونختفي سويا تحت عنف التيارات.

عائشة صالح صديقتي، بل هي من أعز صداقاتي رغم أن لقاءاتي معها يمكن أن أعدها على أصابع يدي، لكننا نتواصل هاتفيا كل صباح. صداقتي الحميمة بكتاباتها كانت الأصل، فأنا من هؤلاء الذين تبدأ صداقاتهم أولا بالكتابة فإذا تمكنت مني صرت أبحث عنها وعن صاحبها، شوقا إلى الفن وحماسا للإجادة وإخلاصا للعناية.

 تنشر عائشة صالح هنا أو هناك وأنا وراء كتابتها أينما كانت قارئة فرحانة بفنها في كتابة المقال  والحوار ورسم الشخصية ولا يمكن أن يفوتني السطر من كتابتها.

حين ندخل مقال عائشة صالح نجدها براحتها؛ تفرش بساطها وتشرب قهوتها وتسقي زرعتها وتتكلم عفويتها بخواطرها وتداعياتها ومقاطعاتها، ساخرة من نفسها، وإن لم تنس أن تضرب بشكل مباغت من تسول له نفسه الدوس على طرفها. تختار موضوعاتها وشخصياتها لتنسج معها علاقة تفاعل؛ تحاور الشخصية لتطرح بالحوار كل مايعن لها طرحه وقوله والتنويه عنه.

 عند لحظة فعلها "الكتابة" يشرئب معها التاريخ والثقافة والكتب التي تتغذى عليها كدودة الحرير، تخرج تجاربها مع الإنصاف والخذلان وحين تطفو أشجانها تجدف لها بالقفشات حتى تنجو من بحر الغم. إذاكنا نفهم معنى "مونو دراما"، الذي ينفرد فيه الممثل على خشبة المسرح، يمكننا أن نرى حالتها "مونو كتابة" حين تنفرد عائشة صالح وحدها على الصفحات: مستغرقة، ناسية الزمن والمساحة؛ تضحك وتبكي وتواسي وتتجهم وتشخط ثم يصعب عليها المشخوط  فيه فتتأسف، وتلطش ثم تراجع نفسها متسامحة مبررة هفوات البشر وعثراتهم.

لم أنس أبدا مقالاتها في المصور عن زوزو نبيل وياسمين الحصري وفي الكواكب عن شريهان، وعناوين أخرى دفعتني للبحث عن هاتفها لأخبرها عن سروري بعد كل قراءة.

طبيعة أسلوب عائشة صالح صنعة لطافة تتطلب فرد الكلام على الورق بخط يدها "الرهيب". تتعدى  كتابتها، في الحد الأدنى، الخمسة آلاف كلمة،  مما قد ينتج مناوشة: اختصري ولا أختصر، فتتجلط  دورة النشر بغضب عائشة وتقف السدّة في شريان العطاء إلي أجل غير مسمى؛ فكتابتها فن يؤذيه الاختصار؛ يكسر ايقاعه وينزع منه فتيل التأجج المطلوب والسحب الضروري لـ "صنعة اللطافة"، أما حين يسمح المجال ويتم النشر أندفع لأخابرها فأجدها سعيدة كصبية تنشر لأول مرة، منشرحة لمشاريع من العمل والعطاء.

تحية لك ياعائشة صالح!

***


..............وإني والله لمحزونة!

هناك تعليقان (2):

  1. لا تحزنى يا سيدتى فربما كانت الذكريات التى تركها الأموات أكثر حياة حولنا عن الأشخاص الأحياء .. استشعر فى كلماتك الحنين الى ( ناس صادقة ) رزقنا الله وإياكي منهم ولو القليل

    ردحذف
  2. لا والله لدينا "ناس صادقة" كثيرة، لكن هذا لا يمنع الحزن على من يغيب منهم.

    ردحذف