الثلاثاء، 12 نوفمبر، 2013

نص رسالتي طبق الأصل التي أرسلتها إلى أمينة السعيد ردا على قرارها بفصلي من العمل 11\11\1979.

كنت أود أن أنقل الرسالة مصورة ولكني فوجئت بالسّكان جيت عطلان، وأصل الرسالة مكتوب بقلم فلوماستر بخط كبير تبدو عصبيته التي أدت إلى عدم إحكام الصياغة، وقد تمكنت من أخذ صورة ضوئية من أصل الرسالة عند عودتي للعمل 25 مارس 1983 وسمح لي رئيس شئون العاملين وقتها الأستاذ الفاضل بسيوني عيسى، رحمه الله رحمة واسعة، بالإطلاع على ملفي الوظيفي، وقال لي أنه وزميله الأستاذ الفاضل كمال شحاته، والأستاذ الفاضل إميل سمعان، رحمهما الله، كانوا كلما ضاقت بهم أحوال دار الهلال في زمن أمينة السعيد يأتون برسالتي من الملف ويعيدون قراءتها لتروّح عنهم! ولاحظت في أعلى الرسالة على اليمين تأشيرة أمينة السعيد موجهة للأستاذ كمال شحاتة لحفظها في ملفّي مؤرخة منها بتاريخ 14\9\79 مع أنها مكتوبة ومرسلة من بغداد إلى دار الهلال بالقاهرة 3\10\79 مما يدل على ارتباكها بعد قراءتها، وهاكم نص الرسالة طبق الأصل:

بسم الله الرحمن الرحيم
بغداد 3\10\1979

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24)"، صدق الله العظيم، الإسراء.

أستاذتي العزيزة أمينة السعيد:

وصلني خطابك اليوم 3\10\79ــ ومدون به تاريخ الإرسال 15\9\79 وبه إنذار منك بالعودة في خلال الـ 15 يوما السابقة وإلا طبقت المادة 76\5 ـ (التي لا أعرف نصها ولكني فهمت أنها ربما تعني الفصل)، وكنت قد أرسلت برقية أطلب فيها سنة استثنائية أجازة بدون مرتب مثل سائر عباد الله ولكنك تقولين أنك متأسفة لعدم تلبية طلبي. ولقد ضحكت من المفارقة العجيبة التي جعلتني لمدة أربعة أعوام تحت ناظريك بلا عمل: بل وداخل السجن وأنا حامل ثم وأنا فاطمة لإبنتي الرضيعة ووقتها لم يهتم أحد بأن يجعلني أكتب ويرفع عني قرار المنع الآثم الذي سلطه فوق رقبتي منذ 8\1971 رئيس مجلس الإدارة السابق الذي هو الآن في ذمة الله: "ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب". وعندما عدت إلى القاهرة 7\76 و 7\77 سألت وحاولت أن أعود للكتابة في مكاني الحقيقي وأمارس شرف المهنة كما يجب، ومع ذلك قلت لي: الوقت غير مناسب، والآن، بعد عامين 9\79، هل ترين أن الوقت صار مناسبا لعودتي لاستلام العمل إعتبارا من 1\9\79؟ إنني أطلب أجازة من دون مرتب؛ يعني لا أكلفكم شيئا إلا أن تسدوا الباب الذي يأتي منه الريح وتأتي منه صافي ناز ــ وأنتم تعلمون أن عودتي هي عودة للسجن وتبديد طاقة ثقافية تخدم الوطن والأمة، وهي ليست عودة حقيقية لا للعمل ولا للكتابة فلماذا هذا التورط في الشر؟

يا أستاذتي العزيزة: لقد صدّرت خطابي إليك بالآية الكريمة التي تأمرنا بأن نخفض جناح الذل من الرحمة لآبائنا ومن هم في مكانتهم: ولتعرفي أنني تحت أي ظرف لن أقول لك "أف" ولن "أنهرك" لأنك أمي فعلا وقد حفظت لك الفضل منذ أن قرأت لك "الجامحة"، وأنا "جامحة" فلماذا تتنكرين للبذرة التي زرعتيها منذ سنوات طويلة؟

أنت سوف توقعين قرار فصلي؛ أمر إداري: تُفصل صافي ناز كاظم بأمر من أمينة السعيد! وبعد سنوات سيضحك الناس ويترحمون عليك. أما الآن فسأقول أنا: الحمد لله. وسأشعر بالأسف عليك وسأقول: ربي إرحمها كما ربتني صغيرة، لكن ربما تكون الإجابة: "إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ُ لهم". (التوبة)، وعندها سوف يسقط في يدي وفي يدك حيث لا ينفع مال ولا بنون.

أستاذتي العزيزة:

يؤسفني أن أعصي أمرك بالعودة الآن ــ ( رغم شوقي العارم للعودة في كل وقت) ــ وعسى أن تنقشع الغمة قريبا ونستطيع جميعا أن نهرع مرتمين في أحضان مصرنا العزيزة "التي قاست وتقاسي أشد العذاب على مشهد منكم يا أعز بنيها ويا نخبة أبنائها" ــ (مقتطف من كلام لمصطفى كامل رائد الوطنية المصرية الذي لو كان على قيد الحياة أو كنتم أنتم في زمانه لفصلتموه أيضا).

في الزمن الماضي كانت الأمور بأيدي الإنجليز وكانوا هم الذين يقتُلون ويسجنُون ويفصلون ويُشرّدون ــ لكن يا أسفي على هذا الزمان الذي صرتم أنتم، بكل رصيدكم الوطني والأدبي والأخلاقي، صرتم أنتم المستخدمون لقتل وسجن وفصل وتشريد أولادكم الذين هم أكبادكم التي تمشي على الأرض؛ صرتم "تخربون بيوتكم بأيديكم".

هل سيكون قرار فصلي عقابا لي أم لك؟

يا أسفي عليك يا أمي الحبيبة! أهكذا تكون نهايتك؟

لماذا لا تقدمين إستقالتك و"تجمحين" بعيدا عن الشر الذي يريدون أن يوقعونك فيه؟

(بعيد عنك الشر يا أمينة هانم!).

أودعك وأنا أقول لك: إلى اللقاء يوم القيامة: " إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون"، صدق الله العظيم، (لقمان).
تحياتي وسلامي إليكم جميعا.

المخلصة

صافي ناز كاظم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق