السبت، 16 نوفمبر، 2013

من تجارب القسوة التي بلا ضرورة:




أبلة إحسان أبو زوبع

توفى والدي 4 \ 4 \ 1944 فكان علينا أن ننتقل من محرم بك الإسكندرية إلى عباسية القاهرة ومن ثمّ صرت، بعد أن دفعت والدتي المصروفات الباهظة 27 جنيها كاملة جنيه ينطح جنيه، التلميذة الجديدة بالسنة الثالثة بروضة أطفال العباسية الملحقة بمدرسة العباسية الإبتدائية بميدان الاسبتالية الفرنساوي بين شارع السرجاني وشارع سبيل الخازندار في السنة الدراسية 1944 \ 1945، وكانت أبلة إحسان أبو زوبع مؤلفة كتاب "قراءة الأطفال"، الفخيم أبو جلدة خضراء سميكة وصفحات مزركشة جميلة ومرسومة بإتقان، هي رئيسة الروضة ومُدرِّستها الوحيدة المتحكمة في كل أحوالها لولا زغرة زاجرة لها من رئيستها الطيبة؛ ناظرة المدرسة الإبتدائية وروضتها الملحقة، التي غالبا ماتأتي في محلّها ولو متأخّرة. من اللحظة الأولى لم تحبني أبلة إحسان أبو زوبع لأن الناظرة  أبلة خديجة أحمد أرغمتها على قبولي مُحوّلة من الإسكندرية وهي لا تريد تلاميذ غير تربية يدها من أولى روضة حتى السنة الثالثة النهائية في مرحلة الروضة.

تجهمت أبلة إحسان أبو زوبع في وجهي، لا يخفف من قسوة قلبها معرفتها أنني طفلة تيتّمت من والدها منذ شهور قليلة، أراها لطيفة مع كل زملائي الأطفال ما عداي؛ تبتسم في وجوههم ولا تكترث بالنظر إليّ، بالطبع لم يعجبني الحال خاصة أنها كانت تخص آمال السنهوري وحدها بالقراءة في حصّة المطالعة، أنا لي ولع بأداء القراءة فلماذا لا تتاح لي فرصة للقراءة أنا كذلك؟ رفعت يدي وقلت: "يا أبلة أنا عاوزة أقرأ"! إندهشت أبلة إحسان أبو زوبع: "عاوزة إييييه؟"، قلت بثبات: "أقرأ زي آمال"!


 كانت آمال السنهوري، مُدللة أبلة إحسان وأولى الفصل، بيضاء سوداء الشعر خضراء العينين تقرأ بشطارة وتعزف البيانو بمارش يصاحب ذهابنا طابورا إلى قاعة المطعم في فسحة الغداء، لا بأس أنا لست غيرانة منها لكن: "أنا عاوزة" أثبت جدارتي في إتقان القراءة. من دون أي توقع مني واجهتني أبلة إحسان أبو زوبع بشخطة هستيرية: " إطلعي برّه الفصل واستنيني هناك"! روّعني قرار الطرد من الفصل ووجدتني أنفطر من البكاء. أخذتني بالتهديد إلى غرفة المدرسات تمهيدا لتتسلمني الظابطة "نينوى" وتذهب بي إلى حضرة الناظرة! مازلت، أنا طفلة السابعة من العمر، لا أفهم الجرم الذي ارتكبته لأستحق كل هذا الغضب من أبلة إحسان أبو زوبع. لم يتوقف بكائي إندهاشا وألما: "أنا بس كنت عاوزة أقرأ"! تقدمت مني أبلة شريفة مدرسة الحساب بالمدرسة الإبتدائية؛ ربتت عليّ وأخذتني في حضنها: " جرى إييييييه ياإحسااااااان حرام عليك"! ضاعف حنانها من بكائي و زادته شهقاتي، ومازلت بعد كل هذه السنوات الكثيرة (68 سنة) لا أنسى قسوة أبلة إحسان أبو زوبع ورحمة أبلة شريفة واحتضانها الذي دفع عني الظلم وطيب خاطرى!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق