الاثنين، 25 نوفمبر، 2013

ذكريات 25 نوفمبر 1981

تماما في مثل هذا اليوم، 25 نوفمبر 1981، حدثت المعجزة التي بدت لي مثل لحظة خروج سيدنا يونس من بطن الحوت ولحظة تعلق سيدنا يوسف بالدلو الذي أنزله بعض السيارة إلى البئرفأمسك به ليخرج من قاعه إلى النجاة من دون أن يكون له حول أو قوة.

في ذلك الأربعاء 25 نوفمبر 1981 كنت لاأزال نائمة في حبسي المنفرد بسجن القناطر للنساء، الذي نقلوني إليه من العنبر الجماعي يوم الإثنين 5 أكتوبر 1981 بسبب مكيدة كادتها لي نوال السعداوي لدى ضابط مباحث أمن الدولة المقيم في مكتب مدير السجن، رغم أنها كانت زميلة معتقلة، ورغم أن الكيد لدى المباحث وإدارة السجن يعد من الكبائر ومن العار والشنار في أعراف المساجين، سواء منهم المعتقل بسبب مايسمى جرائم الرأي أو المسجون الجنائي بسبب سائر الجرائم غير السياسية. فتحت سجانتي باب زنزانتي قبل موعده ومعها المشرفة تقول : "هاتي حاجتك وتعالي ." سألت : "تحقيق؟" قالت : " لأ." قلت : " نقل ؟" قالت : " لأ ". قلت : " إفراج ؟ " هزت رأسها بغموض : " والله ما أعرف ". كان الوقت مبكرا جدا على توقع أي زيارة من أي أحد.  كنت مواصلة صيامي من ذي القعدة حتى وقفة عرفات 1401 ثم تابعته مع بداية المحرم 1402 حتى ذلك الصباح الذي كان يوافق 28 منه . كان الصيام يعطيني قوة وسلاما وإحساسا بأني أفر إلى الله وآوي إلى حمايته.

في غرفة مأمور السجن كانت هناك مجموعة من الضباط، غير المأمور ونائبه ورئيس المنطقة ومباحث أمن الدولة، وكانت هناك نوال السعداوي تقف متجهمة وعلى وجهها إرتسم الذعر وهلع التوجس. تبادلت معها التحية في فتور لأنني كنت لاأزال متقززة من وشايتها الكاذبة التي حاولت التقرب بها إلى ضابط المباحث على حسابى وما رأيته في فعلتها من بشاعة تلك الروح القادرة على المكيدة بالبهتان والتدبير الشرير. لا أحد يجيبنا : إلى أين أنتم ذاهبون بنا ، لاشئ سوى : " اتفضلوا معنا "! خرجنا مع رهط الضباط من بوابة السجن الرمادية وكل الوجوه تغلفها الألغاز.
في سيارة الضباط  جلسنا في المقعد الخلفي . مازلت أعاقب نوال السعداوي بالبرود والتجاهل وأنا أمسك لجام نفسي حتى لا أنفجر بالضحك، فهاهي نوال تعود إلي حركة أصابعها العصبية وتتوسل النظر إليّ تبحث عن خيط أمل يشجعها على مبادرتي بالكلام، وأنا أقول في سري: لا بد أن تظل معاقبة حتى نستبين أمر ذلك المشوار الغامض الذي تندفع بنا إليه هذه السيارة ومجموعة الضباط، وكان بينهم ضابط بدين يكتفي بابتسامة عريضة إجابة لتساؤلات نوال السعداوي التي يرتفع بها صوتها الطفولي كل لحظة مرتعش بالخوف، والذعر يدور عينيها كمن يقترب من الهلاك، حتى باغتتني دفعة
 واحدة : " صافي ناز.. فكرك هم واخدينا للإعدام ؟ " هنا انقطع مني اللجام
فانفجرت مقهقهة : " إعدام ؟ إزاي .. وليه ؟ " . كانت نوال مستغرقه في الهواجس التي سببتها الحكايات التي سمعناها في السجن عن كيف يأخذون المحكوم عليهن بالإعدام للتنفيذ من دون إخبارهن عن وجهتهن إلى أن يجدن أنفسهن أمام حبل المشنقة. رأيت أن أكتفي بقدر العقاب الذي قررته لها من بداية الرحلة فقلت : " اسمعي يانوال .. أنت عارفة حكاية سندريللا التي أخذوها من المطبخ إلى حفل الأمير؟  أنا وأنت اثنتان سندريللا أخذونا من السجن وأكيد واخدينا على القصر الجمهوري نقابل الرئيس الجديد!".  أشاحت بيدها : " جايبة التفاؤل ده منين ؟ ". ضحكت ولم تكن لدي إجابة ، فالحقيقة أنني كنت أقول أي كلام للتسلية ولم أكن أستند إلى أي تحليل فكري جاد أو رؤية منامية ملهمة .

مالبثنا حتى وجدنا السائق يتجه بنا إلى شارع العروبة ويتوقف أمام بوابة انتفض عندها الضابط البدين قائلا لنا : " أهلا وسهلا بكما في القصر الجمهوري لمقابلة السيد الرئيس ! " . فغرت فمي من الدهشة واستبد بنوال السعداوي الوجد وهي تهتف : " صافي ناز بشرفي إنك جينياس .. بشرفي إنك جينياس .. " ، وترجمتها: "أنت عبقرية .. أنت عبقرية ! "

في صالة انتظار قدوم الرئيس الجديد محمد حسني مبارك تذكرت عائشة الفيشاوي المعتقلة التى انتزعها جند أنور السادات من رضيعتها ، وتذكرت أمل عبد الفتاح إسماعيل ذات الثمانية عشر ربيعا، العروس الحامل في أشهرها الأولى، بسرعة كتبت ورقة أناشد الرئيس سرعة الإفراج عنهما ما دام باب الفرج قد تم فتحه. كان معنا 29 شخصية آتية من سجن الرجال ، على رأسهم السياسي العريق والمجاهد الوطني القدوة فتحي رضوان، طالبوا بدورهم  بسرعة الإفراج عن المرضى والطاعنين في السن ممن شملتهم حماقة إعتقالات 3 \5 سبتمبر 1981 الساداتية. أوضح لنا رئيس الجمهورية الجديد أن فكرة الإفراج المفاجئة نبعت منه شخصيا ولم يُخبر بها أحد. وأنا أصافحه سلمته طلب الإفراج عن عائشة وأمل.

في اللقاء رفعت نوال السعداوي يدها وقالت بصوتها الطفولي إنها سهرت الليلة الماضية بطولها تكتب خطابا للرئيس لأن النوم جفاها . سألها الرئيس
 ضاحكا : " وماكانش جايلك نوم ليه يانوال ؟ " ، قالت بصوتها الطفولي الطريف : "كنت بردانة "! وانطلقنا جميعا بالضحك ، وكان هذا كل ما شاركت به نوال السعداوي في اللقاء، وإن نسبت بعد ذلك لنفسها قول كلمات لم تقلها ومشاهد بطولية لم تحدث، منتقصة من قيمة ماتم عرضه، برجاء الإفراج ، من حالات المرضى وآلام أمل الحامل  وعائشة أم الرضيعة .

في التاكسي الذي ركبناه سويا أعطتني نوال خطابا تسلمته من أمل عبد الفتاح إسماعيل ، التي كانت معها في العنبر، لترسله على عنوان أمها في محافظة دمياط قائلة : " إرسليه أنت !"  ، بادرتها : " ولماذا لاترسليه أنت مادمت قد تعهدت بارساله ؟ " ، قالت : " أصلي مش ح أعرف "! وخشية أن تمزقه أو تهمله أخذته وبطابع بريد أوصلت الأمانة إلى أهلها !




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق