الثلاثاء، 26 نوفمبر، 2013

بيدبا الفيلسوف ودبشليم الملك؛ مستشار أمين لملك مستبد!




تقول المصادر العلمية إن قصص كليلة ودمنة قد تمت كتابتها في الهند باللغة الهندية، في القرن الثالث الميلادي تقريبا، ثم ترجمت الي اللغة الفهلوية ـ الفارسية ـ في عصر كسري أنوشروان، ونقلها ابن المقفع إلي العربية في القرن الثامن الميلادي، وتعود النسخة ، التى حققها الدكتور عبد الوهاب عزام ، إلى سنة 1221 وأعادت طبعة كتاب الشعب إصدارها بالقاهرة في 1968، هذا الكتاب كليلة ودمنة هو دوائي الذي يشدني ، وأنا أكتب الآن، من تعب النفس وضيق الصدر ورمال الاكتئاب المتحركة، وهو وصفتي العلاجية لمن ترهقهم أحداث منطقتنا، ومناظرات وحواديت من تم تعيينهم، من قبل أنفسهم وأصدقائهم، النخب والرموز الثقافية والإعلامية والسياسية السابقة واللاحقة؛ هؤلاء الذين لم يعودوا يرون عقبات لدينا نحو التقدم إلا الاسلام والمسلمين، والذين حين يتكلمون عن الكارثة والكارثية لا يرون إلا كارثة 11/9/2001 وضحاياها ، التي لا نعرف حتى الآن علي وجه اليقين من هم المتسببين فيها، وإن كنا نعرف بالتأكيد من المتسبب في كوارث وكارثات ونوازل 15/5/1948 وتوابعها حتى الآن على أرض فلسطين المحتلة،  و 5/6/1967،  واقتحام بغداد وإذلالها 9/4/2003، بخيانة حاكمها وكذب الغزاة، ونعرف تماما سعة مقابرنا الجماعية ـ من المحيط إلى الخليج ـ وقدرتها الهائلة علي الاستيعاب .. الخ .

في فهرس كليلة ودمنة ، طبعة كتاب الشعب 1968، نجد الإشارة إلى 15 بابا من الأبواب الأصلية ، بزيادة باب واحد عن أبواب النص الهندي الذي تقول مقدمته إنها 14 فقط ، يضاف إلى تلك الأبواب : مقدمة الكتاب 12 صفحة، التي قدمها بهنود بن سحوان ويعرف بعلي بن الشاه الفارسي ، وذكر فيها السبب الذي من أجله عمل بيدبا الفيلسوف الهندي كتابه الذي سماه "كليلة ودمنة" وجعله على ألسنة البهائم والطير صيانة لغرضه فيه من العوام ، وضنا بما ضمنه عن الطغام ـ( الأرذال ) ـ وتنزيها للحكمة وفنونها ومحاسنها وعيونها، ثم "بعثة برزويه" إلي بلاد الهند 6 صفحات ، ثم باب عرض الكتاب ترجمة عبد الله بن المقفع 6 صفحات ، وكلمة "ترجمة" هنا غير مقصود بها النقل من لغة إلي لغة ، بل بمعني فاتحة الكتاب أو تمهيد مثلا ، أو بقلم عبد الله بن المقفع، ثم باب برزويه ، ترجمة "بزرجمهر بن البختكان"، أي بقلم بزرجمهر بن البختكان، و"بزرجمهر بن البختكان"، كان وزير كسري أنوشروان ويضرب به المثل لقيمته الثقافية وعظمته في صنعة الكتابة، وكان الناس يقولون: " بزرجمهر زمانه وعصره وأوانه" للكاتب الذي يبلغ من صنعة فن الكتابة شأوا كبيرا، مثلما نقول نحن مثلا عن الصوت الجميل "أم كلثوم زمانها" أو "عبد الوهاب عصره وأوانه" ، أو "منصور الرحباني الذي علا شأنه بمسرحه وألحانه" .

تلخيص حكاية بيدبا الفيلسوف مع ملكه الهندي دبشليم ، كما ترويها مقدمة الكتاب على لسان علي بن الشاه الفارسي هي: أن الإسكندر ذا القرنين الرومي اجتاح في غزواته للشرق، مع ما اجتاحه في العالم ، البلاد الهندية وانتصر على مقاومة ملكها الذي قاوم وتصدي ببسالة للإسكندر حتى وقع صريعا، وقرر الإسكندر أن يعين على بلاد الهند واحدا من أتباعه يحكمها باسمه قبل أن يمضي هو ليواصل اجتياحاته للبلاد الأخرى، ولكن أهل الهند لم يعجبهم الحاكم الأجنبي فاختاروا من بينهم "دبشليم" وجعلوه ملكا عليهم . هذا الدبشليم لم يحفظ عهد رعيته وأمانة الملك ، فتبدل من ملك عادل رحيم بشعبه إلى طاغية جبار يرتكب كل جرائم الحكام الفاسدين مما دفع بالفيلسوف الحكيم بيدبا الى أن يقرر الذهاب إليه وتقديم النصح لهذا الملك الذي لم تفزعه النوائب، ولم تؤدبه التجارب، وطلب بيدبا الإذن بالدخول على الملك دبشليم فأذن له، وهو متصور أن الفيلسوف جاءه لحاجة يطلبها، وقال له: "نظرت إليك يا بيدبا ساكنا لا تعرض حاجتك ولا تذكر بغيتك، لم يكن لبيدبا أن يطرقنا على غير عادة إلا لأمر حركه لذلك ، فإنه من أفضل أهل زمانه".

تقدم بيدبا للكلام و لم يضع الوقت في لف أو دوران و قال للملك بعد تمهيد حكيم: "أقمت فيما خُوّلت من المُلك وورثت من الأموال والجنود ، فلم تقم في ذلك بحق ما يجب عليك، بل طغيت وبغيت وعتوت وعلوت على الرعية، وأسأت السيرة وعظمت منك البلية، وكان الأولى بك أن تسلك سبيل أسلافك، وتقفو محاسن ما أبقوه لك، تحسن النظر برعيتك، وتسن لهم سنن الخير الذي يبقي بعدك ذكره، فإن الجاهل المغتر من استعمل في أموره البطر والأمنية، والحازم اللبيب من ساس المُلك بالمداراه والرفق، فانظر أيها الملك ما ألقيت إليك، ولا يثقلن ذلك عليك: فلم أتكلم بهذا ابتغاء عرض تجازيني به، ولا التماس معروف تكافئني فيه، ولكني أتيتك ناصحا مشفقا عليك".

طبعا جن جنون دبشليم لأول وهله وأمر بقتل وصلب بيدبا، ثم أحجم عن الاعدام وقرر استبداله بالحبس وتقييده، وعندما علم تلاميذ بيدبا بما حل بأستاذهم هربوا في البلاد واعتصموا بجزائر البحار، ولكن دبشليم ـ ما شاء الله ـ سهر سهرا شديدا فطال سهره ، ومد إلى الفَلك بصره، وتفكر في تفلك الفلك وحركات الكواكب، فأغرق الفكر فيه، فذكر عند ذلك بيدبا، وتفكر فيما كلمه به، فارعوى لذلك، وقال في نفسه: لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف، وضيعت واجب حقه، وحملني على ذلك سرعة الغضب.

وأرسل دبشليم الملك من يحضر له بيدبا من السجن:  "يا بيدبا أعد علي كلامك كله، ولا تدع منه حرفا إلا جئت به". وفعل بيدبا ذلك ودبشليم يستمع متأثرا: "يابيديا، إني قد استعذبت كلامك وحسن موقعه من قلبي ، وأنا ناظر في الذي أشرت به، وعامل بما أمرت".  ثم أمر بقيوده فحلت، وألقي عليه من لباسه ، وتلقاه بالقبول! مع هذه النهاية السعيدة لبيدبا الفيلسوف كانت البداية لوضع كتاب في الحكمة؛ فحين سأل الملك دبشليم بيديا عن الأجر الذي يطلبه، لم يزد أن قال: "يأمر الملك أن يدون كتابي هذا، ويأمر بالمحافظة عليه، فإني أخاف أن يخرج من بلاد الهند، فيتناوله أهل فارس إذا علموا به".  والحقيقة أنني لم أفهم الحكمة في هذا الطلب الغريب من بيديا الفيلسوف ، فالمنطقي كان أن يطلب ترجمته إلي كل اللغات والعمل علي توزيعه في أنحاء الدنيا، علي أية حال ، الذي حصل أن كسرى أنوشروان لما علم بخبر كتاب كليلة ودمنة لم يهدأ حتى بعث برزويه الطبيب الذي تلطف حتى أخرجه من بلاد الهند فأقره في خزائن فارس. ومن هنا يبدأ الفصل الخاص بحكاية تفاصيل الخطة التي وضعها برزويه طبيب كسرى أنوشروان ليتمكن من استنساخ الكتاب وترجمته من الهندية إلي الفارسية، وهي خطة تشبه خطط الجاسوسية التي يكون هدفها سرقة الأسرار الحربية ، غير أن الأمر الجميل هنا هو سرقة كتاب من كتب الحكمة ـ ولا أعتذر في هذا لاتحاد الناشرين ـ وقد استغرقت المهمة سنة كاملة و عشرين جرابا، كل جراب فيه عشرة آلاف دينار، وعندما عاد برزويه بالكتاب إلى كسرى أنوشروان فرح بدوره فرحا شديدا، وعقد  مؤتمرا ثقافيا لكل أهل فارس وطلب من برزويه قراءة الكتاب كله على الملأ ـ ( لست متأكدة من تقسيم القراءة إلى جلسات صباحية ومسائية، ولا من عدد الأيام الذي استغرقته تلك القراءة، لكنني على يقين أنها كانت خطابا ثقافيا جديدا جدا لأهل مملكة كسرى أنو شروان ).

الظريف أن الطبيب برزويه رفض أن يكون أجره من خزائن الجوهر والزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة وطلب طلبا معنويا لائقا بجهاده الثقافي الذي كلفه التعب والعنت ونحول الجسد ووجع الظهر والانكباب المرهق في السر للنسخ والترجمة بمخاطرة كان يمكن أن تكلفه القتل والصلب وما هو أشد . قال برزويه موضحا أجره: "حاجتي أن يأمر الملك، أعلاه الله تعالى ، وزيره بزرجمهر بن البختكان، ويقسم عليه أن يعمل فكره، ويجمع رأيه، ويجهد طاقته ويفرغ قلبه في نظم تأليف كلام متقن محكم، ويجعله بابا يذكر فيه أمري ويصف حالي ، ولا يدع من المبالغة في ذلك أقصى ما يقدر عليه، ويأمره إذا استتمه أن يجعله أول الأبواب التي تقرأ قبل باب الأسد والثور، فإن الملك إذا فعل ذلك فقد بلغ بي وبأهلي غاية الشرف وأعلى المراتب، وأبقي لنا ما لا يزال ذكره باقيا على الأبد حيثما قرئ هذا الكتاب".

 وتم للطبيب برزويه ما أراد، وهكذا تكون جوائز الدولة التقديرية وإلا فلا !



هناك تعليقان (2):

  1. يالله أفى هذا الزمن السحيق كان الملك يسهر الليل ويراجع نفسه فيما أخطأ بل ويصبح الصبح فيستيقظ ضميره ليفعل ما يمليه عليه ؟؟ وهل كانت كلمات الحكمة لها كل هذا الوزن ؟؟ يحتفى الملوك بإقتناء كتاب ؟؟ ربنا يوعدنا بحاكم إنسان يشعر ويقرأ فيفهم ..

    ردحذف
  2. لا ليس هذا فحسب بل إن أهل الهند رفضوا الحاكم الأجنبي الذي عيّنه عليهم الإسكندر الأكبر الفاتح الغازي وقرروا أن يختاروا دبشليم للأنه منهم، فإذابه يريد أن يلعب بديله ويتصرف كحاكم أجنبي مما جعل بيدبا يعطيه فوق عينه حتى يفيق! ولاحظت كيف فر تلاميذ بيدبا إلى الجبال خشية بطش الحاكم الذي سجن أستاذهم، ولم يقفوا وقفة إحتجاجية تخرب بيت الجميع حتى أخذ دبشليم فرصته ليعود إلى رشده وكفي الله الناس شر القتال!

    ردحذف