الاثنين، 18 نوفمبر، 2013

"مصر وكيف غُدر بها"

عرض كتاب قنصل أمريكا في عهد الخديو إسماعيل

قنصل أمريكا في مصر في الفترة الواقعة بين 1876 حتى 1881 هو "ألبرت لي فارمان"، المعاصر للسنوات الأخيرة من عهد الخديو إسماعيل؛ الذي إستمر من 18 يناير 1863 حتى عزله ونفيه خارج البلاد 26 يونيو 1879، ومن الآثار المفيدة لهذا القنصل كتابه بعنوان:
Egypt and its betrayal ، ترجمه الأستاذ عبد الفتاح عنايت بعنوان "مصر وكيف غُدر بها"؛ (يجدر هنا التعريف بأن عبد الفتاح عنايت أمضى عقوبة 20 سنة سجن بصفته الوحيد الذي نجا، لصغر سنه، من حكم الإعدام في القضية المعروفة بـ "قتل السردار لي ستاك نوفمبر 1924"، إشارة إلى ذلك الإنجليزي الذي نصّبوه سردارا للجيش المصري في السودان، وقد تم الإفراج عن عبد الفتاح عنايت بإنقضاء المدة عام 1944 وتم تلقيبه بالشهيد الحي حتى وفاته 18 ديسمبر 1986 عن عمر يناهز 85 سنة).

يقع الكتاب في 377 صفحة و 24 فصلا بعناوين منها: "مشاهداتي الأولى في مصر"، "إستقبال سمو الخديو لي"، "مسلة كليوباترا"، "إهداء المسلة"ــ (لأمريكا) ــ "ما فعلته مصر لأجل إنجلترا (قناة السويس)، "عزل إسماعيل باشا"، "إسماعيل باشا وعهده".

عن مشاهداته الأولى في مصر يدون "فارمان" ملاحظاته كاتبا: "...إعتراني الأرق في أول ليلة في مصر...لم تتوقف الموسيقى العربية،  تلك الأصوات النشاز المزعجة التي تصدر عن الآلات أو الأصوات والتي يطلق عليها العرب اسم موسيقى، حتى ساعة متأخرة من الليل، واستمر بعد ذلك نباح الكلاب وغناء الشبان العرب وصياحهم ــ أعني متشردي القاهرة الذين لا مأوى لهم سوى الشوارع ــ حتى مطلع الفجر، أما الكلاب في القاهرة، كما هو الحال في القسطنطينية والمدن الشرقية الإسلامية الأخرى، فليس لها صاحب وتسمى بالكلاب الضالة لأنها غير مُستأنسة ...في هذه المدن حيث تُلقى القمامة في الشوارع أو في الأراضي الفضاء تؤدي الكلاب عمل الكناسين"، ومع إصراره على تسمية مدينة "إستامبول" أو "الآستانة" باسمها القديم "القسطنطينية" يواصل القنصل الأمريكي وصف فندقه وشرفته الأرضية وما يراه من: " الشوارع المكتظة بالمارة يتجاوب فيها باستمرار وقع أقدام خليط كبير من الناس ... هنالك توجد الحمير لركوب السائحين أو النساء المحجبات اللاتي يرتدين ملابس سوداء وينتمين إلى القشرة الدنيا من الطبقة المتوسطة ..."، وبعد سرده المفصل للقبيح والجميل واصفا الحدائق يصل إلى ما يسميه "الحي الأوروبي" حيث "... تقع حديقة الأزبكية ببحيراتها ونافوراتها وجبلاياتها ومغاراتها وتحتل عشرين فدانا أو يزيد، كما تتخللها الطرقات الجميلة والشجيرات والأشجار العديدة النادرة التي جُلب أغلبها من الهند، ومن بينها يوجد عدد كبير من أشجار تتدلى فروعها إلى الأرض وتمتد أغصانها إلى باطنها فتكوّن أصولا جديدة. وإنك لتسمع صوت البط في مجرى المياه الصناعية وترى البجع الأبيض والأسود وهو يتهادى في رشاقة على سطح البحيرات... ويتدفق القاهريون الذين ينتمون إلى الطبقتين الوسطى والدنيا عصر كل يوم ومساءه لكي يستمتعوا بصوت الموسيقى ويشاهدوا ألعاب الحواة وهكذا يتيحون للأجنبي فرصة لكي يشاهد خليطا من الناس من كل الأشكال والألوان والأديان والجنسيات، الذين يتكون منهم سكان القاهرة، كما يحيط بالحديقة من جميع الجوانب مبان فخمة من بينها دار الأوبرا ..........".

يصف القنصل الأمريكي "فارمان" بالتفصيل أول واجب قام به في القاهرة، عند وصوله إليها 1879، وهو زيارة الخديو إسماعيل، في "قصر الجزيرة" الواقع على الشاطئ الغربي للنيل في مواجهة المدينة ، بالقرب من حديقة الحيوانات وحدائق النباتات، ويسهب في وصف الخديو إسماعيل: "... رحب بي الخديو في بلاده ولما كان لا يتكلم الإنجليزية فقد كانت محادثاتنا باللغة الفرنسية التي كان يتكلمها بطلاقة. لم يكن إسماعيل باشا جذابا من الناحية الجسمانية، كان يبلغ من العمر حوالي السابعة والأربعين، قصير القامة، عريض المنكبين، ضخم الجثة، ولون بشرته أكثر سمرة من بشرة الأوروبيين، أما جفونه فكانت مرتخية، وكانت اليسرى أكثر إرتخاء من اليمنى،وعندما تكون ملامحه ساكنة تبدو عيناه وكأنها نصف مغلقة، وكانت حواجبه فاحمة اللون، خشنة، كثة الشعر وبارزة إلى الأمام، أما لحيته البنية الداكنة فكانت قصيرة، وأذناه كبيرتان وليست من الحسن بمكان" ــ (من الواضح أن القنصل الأمريكي لم يفهم أن وصفه لعيني الخديو يمكن أن تكون من "العيون الدُبّل" على سبيل الإستحسان!) ــ لكنه في محاولة لإنصاف إسماعيل يشهد بأنه: "... رغم كل نقائصه و  مساوئه الجسمانية كان محدّثا ممتعا، يبتسم في كثير من الأحيان، بشوشا دائما ومُثيرا للإهتمام. كان صوته هادئا يبعث على السرور وألفاظه مُنتقاه ومُعبّرة، فائق الذكاء ولديه معلومات دقيقة حتى عن التفاصيل التي تخص حكومته وشئونه الخاصة الشاسعة، وتبرهن نظراته الحادة الثاقبة، حينما تكون عيناه مفتوحتين من أثر حديث شائق، وإجابته السريعة الدقيقة، ومعلوماته الخاصة بموضوعات ليس من المفروض أصلا أن يكون ملما بها، تبرهن لكل هؤلاء الذين استمتعوا بالحديث معه أنه رجل يمتاز بقدرة غير عادية .... كان العسكريون والمدنيون على السواء يدهشون من من معلوماته المفصلة، أضف إلى ذلك أنه كان يملك القدرة النادرة على أن يكتسب ثقة زائره بأن يزيح عن كاهله كل حرج ممكن ويجعله على طبيعته تماما..."، في نهاية هذا الفصل يقول فارمان: "... قبل حفل الإستقبال الرسمي الذي أقيم لي، كثيرا ماقمت بزيارة الخديو الذي أشعرني بأني على صلة وثيقة بسموّه .... وكان ينبغي علىّ أكثر من مرّة أن أقوم بواجب غير سار وهو المطالبة غير الرسمية، وإن كانت بطريقة مُلحّة،  بدفع التعويضات الأمريكية ضد الحكومة المصرية، وكانت الحكومة المصرية في ضائقة مالية شديدة ولذا كان مجرد ذكر أي تعويض مالي لابد وأن يسبب بعض الضيق، وعلى كلٍ لم يكن بي حاجة للمطالبة بشئ آخر خلاف ذلك في الوقت الذي كان فيه الممثلون الأوروبيون لا يلحون في طلب التعويضات المالية فحسب بل يقومون كذلك بتنفيذ مشروعات سياسية ........ الأمر الذي أدى في النهاية إلى أن يفقده عرشه. عندما كان يُعلن وصولي إلى القصر لم يكن الخديو يخشى مطلبا مجحفا أو مؤامرة سياسية من جانب حكومتي ولذا كان يلقاني بإخلاص تام دون أي خوف من تعريض مصالحه للخطر، والواقع أن الولايات المتحدة وروسيا كانتا في ذلك الوقت الدولتين الكبيرتين الوحيدتين اللتين لم يكن لهما مطمع سياسي مباشر وغير مباشر بالنسبة لمصر، مثل هذه الظروف ساعدت كثيرا في دفع التعويضات المستحقة لأمريكا التي سُوّيت أخيرا بطريقة مرضية؛ دُفعت عن آخرها ولقد كنت مدينا بهذه النتيجة لصداقتي بالخديو...".

في فصليه المعنونين "مسلة كليوباترة" و "إهداء المسلة" يحكي القنصل  ملابسات التفريط الغريب في إهداء "مسلة كليوباترة" لمدينة نيويورك فيقول: "... إن فكرة الحصول على مسلة لمدينة نيويورك قد بدأت عام 1877 ولقد نشأت هذه الفكرة عن الأنباء الواردة في الصحف بشأن العمل الجاري في نقل مسلة الإسكندرية إلى لندن، أما باريس فقد كان لديها مسلة سلفا، فلِم لا تُجامل نيويورك تلك المدينة العظيمة في العالم الجديد بنفس الطريقة؟"، (كان هذا تساؤل القنصل الأمريكي لإقتناص مكسب هائل لبلاده ولم يكن هناك للأسف من غيور يتساءل لمصر: ولماذا، إذا كان ولا بد من التفريط  في كنوز البلاد، نعطي هذه المسلات، التي لا تقدر بمال، هدايا مجانية للمدن المذكورة ولا نجعلها مقابل التنازل عن التعويضات من جانبهم؟ ثم ماهي قصة تلك التعويضات التي كان على مصر سدادها للولايات المتحدة سنة 1877؟ آآآآآه يامصر!)، نعرف من حكاية القنصل أنه بعد المشادات والمراسلات وتشبث إنجلترا (؟!) و"تسامح" مصر (!) تتمكن الولايات المتحدة بفضل قنصلها الهمام من الحصول على مسلة مصرية "هدية" لنيويورك! يقول القنصل: "... عرفت أنه قد قامت بعض الإعتراضات الخاصة بالنسبة لكل مسلة وذلك لأن النفوذ الأوروبي قد تكتل ضدي وأن مطالبة الإنجليز بمسلة الأقصر لم تكن إلا نتيجة لهذا التكتل ..." ــ ( كأن مصر وكالة من غير بواب يتشاجر اللصوص على نهبها عيني عينك!) ــ يكمل القنصل كلامه: "... قال شريف باشا: أظنك تفضل مسلة الإسكندرية أليس كذلك؟ فأجبت قائلا إن هذه المسلة في مكان يسهل معه نقلها عن المسلات الأخرى، فأجاب شريف باشا: حسنا لقد قررنا أن نعطيها لكم!"ــ ( مع ذلك كان حضرة شريف باشا واعيا والحمد لله فقد أخبرنا القنصل الأمريكي أن شريف باشا لم ينس أن يؤكد له أن مصاريف نقل المسلة يجب أن تتكفل بها الولايات المتحدة أو مدينة نيويورك! ياسلاااااااااااااام! هكذا تكون الحيطة وإلا فلا!).

في 26 يونيو 1879 الموافق 6 رجب 1296 تم عزل الخديو إسماعيل، وتنصيب ابنه محمد توفيق باشا خلفا له، ويذكر القنصل "فارمان" أن الخديو صاح ساعة تلقيه خبر عزله من السلطان العثماني: "أهذا ما أناله جزاء إرسالي إبان حكمي 20 مليونا من الجنيهات الإسترلينية ......إلى القسطنطينية ؟" ــ (طبعا لايمكن أن يكون الخديو إسماعيل قد قال "القسطنطينية" بدلا من الآستانة أو إستامبول، لكن القنصل المتعصب لم يعترف مرة واحدة ولو على سبيل السهو بأن القسطنطينية لم يعد لها وجودعلى خريطة العالم.)

خارج هذا الكتاب حاولت أن أنعش ذاكرتي بمعلومات عن الخديو إسماعيل بن ابراهيم باشا بن السفاح محمد علي باشا، المولود 31 \12\1830 والمتوفي في منفاه بالآستانة  2 \ 3\ 1895، وعرفت من الحاسوب أنه تزوج  14 زوجة ومستولدة وأنه أنجب منهن ما مجموعه 14؛ 8 أولاد و5 بنات، حكم مصر منهم: الخديو توفيق بن زوجته شفق، والسلطان حسين كامل بن زوجته نور، والملك فؤاد بن زوجته فريال، وتساوت فترة حكمه لمصر 16 سنة مع أعوام نفيه خارجها البالغة 16 سنة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق