الأحد، 17 نوفمبر، 2013

عيد ميلاد صاحبة السمو الإنساني فريال بنت فاروق ملك مصر السابق:


تعددت اللقاءات التلفزيونية مع الأميرة السابقة فريال بنت الملك المعزول فاروق، الذي تأتي الذكرى 61 لرحيله عن مصر  يوم 26 يوليو 1952، مبحرا في يخته المحروسة معززا مكرما بعد أن  أعلن المذياع بصوت جلال معوض: " وقد تفضل جلالته فوافق على المطلبين" وهما : تنازله عن العرش لإبنه الرضيع أحمد فؤاد الثاني وتركه البلاد.

كنت قد شاهدت لقاءها الأول يوم الجمعة 19/10/2007  على قناة إم بي سي، ثم تابعت لقاءاتها الأخرى على الشبكة العنكبوتية بشغف نوستالجي يحن إلى ذكريات الطفولة ويفصل تماما ، بقاعدة لا تزر وازرة وزر أخرى، بينها وبين السجل غير المحبوب للأسرة العلوية، منذ أمسك مؤسسها الدموي الإستبدادي محمد علي بناصية مصر عام 1805.

الأميرة فريال، طفلة جيلي الأولى، تصغرني بعام وثلاثة أشهر، عن يوم مولدها نشرت مجلة "الهلال" في عددها ديسمبر 1938 في الصفحة الثالثة صورة الأمر الملكي إلى: "حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس مجلس الوزراء، حمدا لله تعالى على ما أنعم وتفضل فقد وهب لنا من لدنه في الدقيقة الأولى من الساعة الرابعة من مساء يوم الخميس المبارك الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة 1357، الموافق للساعة الثامنة من مساء اليوم السابع عشر من شهر نوفمبر سنة 1938 بقصر المنتزه مولودة أسميناها فريال... ".

في كتاب "قراءة الأطفال"، المقرر علينا في روضة الأطفال 1944 نقرأ: "هذه صورة أميرتنا المحبوبة..." تحت وجه طفلة جميلة باسمة العينين يطوق شعرها المنسدل على كتفيها شريط معقود فوق رأسها على هيئة وردة بيضاء يانعة، طالما حاولنا محاكاتها بنتائج لم تصل أبدا إلى غايتنا. أحببناها بصدق وغنينا لها بشغف، من دون غصب أو نفاق، "فريال يا فريال، يا طلعة الإقبال"، ونحن نرتدي ملابس الزهرات ونتمنى لو كانت "فريال" في وسط الدائرة ونحن محتفلات بها متحلقات حولها. لعلها كانت صلة الوصل في محبتنا الطفولية للملك والدها والملكة والدتها. لم تستفزنا في خيالاتنا عنها، بل كنا نفرح بكل صورة جديدة لها يسمح بنشرها.

 في 26 يوليو 1952، لم تكن قد أكملت الرابعة عشرة، وفي صور رحيل الملك السابق فاروق على يخته المحروسة مع زوجته ناريمان ورضيعه الملك أحمد فؤاد، وبناته الثلاثة الأميرات: فريال وفوزية وفادية، كانت عيوننا تبحث عن فريال "وحدها" المأسوف عليها منا.

حين ظهر في البرنامج  تنويه بصورة الأميرة الصبية فريال مأخوذة من لقطات يوم الرحيل ، انتقلت الكاميرا بعده إلى "فريال" بواقعها الذي لم نألفه. سبحان الله! أهذه أنت يا "فريال"؟  كانت وقتها مقبلة في أقل من شهر على إتمام تسعة وستين سنة بعيدا عن يوم مولدها بقصر المنتزه بالإسكندرية في الردهة القوطية، وكانت تظهر لأول مرة لنراها بعد خمس وخمسين سنة من امتناع طويل عن الظهور إعلاميا، قررته هي نفسها أو العائلة، بحثت عن المشترك بين صورتها في الذاكرة وبين واقعها وهي تخطو نحو سبعينها فلم أجد سوى عينيها الباسمتين. كان يجب أن أتريث لأسمعها تصر على أن تتكلم بالعربية وتصر على أن تشدها، ولو بصعوبة، من دون أن تخلطها بأي كلمة من لغة أجنبية، ولو كانت الفرنسية التي هي في الغالب لغتها "الأم"، تتمسك بـ "بابا" المصرية بعيدا عن papa المناداة الفرنسية للوالد، والتي لاشك أنها المناداة التي نشأت عليها، يبدو واضحا أنها أعادت صياغة نفسها وفقا لما تحب وتكره وتعديلا لما لا تفضله إلى ما تفضله ، يبدو واضحا أنها صاحبة نظرة نقدية غير محبذة لتربية القصور وأنها أخذت من المعاناة أفضل نتائجها لتصبح صاحبة لقب "السمو الإنساني" ،الذي لايمكن أن ينزعة عنها أحد، بديلا عن "السمو الملكي" الذي لا فضل لها فيه.

رويدا رويدا، وأنا أتابع لقاءاتها، أرى"فريال"، الطفلة النضرة ذات الشريط المعقود وردة بيضاء فوق رأسها، تنسحب "مظهرا"، لتنبعث من روح هذه السيدة، البالغة السبعين ، طفلة أكثر نضارة وحيوية ومرحا، تقدم قلبها "وردة بيضاء" وأراها بلقبها، المولود من قدرتها على الطفو فوق الصعوبات، "صاحبة السمو الإنساني"، تقول بعزة: "أنا مصرية مسلمة"، "أنا حجيت مرة واحدة وعملت كذا عمرة .." ، "أنا في يد الله"، "أعوذ بالله"، "أحب الحقول لأنها خضراء ومافيش أسوار"، "السرايات مش ملكنا... ملك الوطن"، "أقول بلاش رمي الأكل حرام..نشيله في الثلاجة ونسخنه وناكله ثاني يوم"!  

وجهها مغسول بعيدا عن محاولات التزين وعمليات التجميل. تتكلم بتلقائية وذكاء وخفة ظل، تتجنب الأذى فلا يصدر عنها أو يأتي إليها. ترفض تعبير "لعنة القدر"، بل تكاد تقنعنا بأن القدر فضل لها الخلاص من القصور الملكية التي تسميها "قفصا" ـ أي سجنا أو معزلا تلفه الأسوار ـ  حيث كانت لغة القصر الملكي هي الفرنسية أو التركية، وحيث لم تكن ترى أو تختلط بأطفال في مثل عمرها سوى شقيقتيها، "فوزية" التي ولدت عام 1940، و"فادية" التي جاءت بعدها عام 1942، فهي ضحية تربية ملكية خاطئة وجافة وجانية، تفضل لأطفالها العزل مع مربيات أجنبيات، جنسا ولغة ودينا، لتكرس ذلك الانفصال والتعالي بين الأسرة الملكية، وحاشيتها، وتوابعها، وبين الشعب المصري ولغته ودينه وثقافته.

تنطق حضرة صاحبة السمو الإنساني "فريال" بحلاوة كلمة "الوطن"، وتقول "أنا مصرية والمصريين أخواتي وأنا شعبية وأتكلم مع الشعبيين مش مع الوزراء" ، في سياق كلامها بعامية مصرية ركيكة وضحلة، تلمس مستوى عامية غير المتعلمين الذين كانوا مصدرها الأول في التقاط قدرة التحدث بالعربية، وهي مع ذلك وعلى الرغم من القصور اللغوي الواضح، استطاعت أن تغزل فصاحتها وبلاغتها مع معوقات التعثر في التعبير بلغة عربية، فصحى أو عامية، ترقى إلى مستوى أفكارها النبيلة وسماحتها الإنسانية، متمشية مع المثل المصري الدارج "الشاطرة تغزل برجل حمار"، وأنا أسوق هذا المثل متعمدة لأنني رأيتها فرحة جدا عندما استطاعت أن تستشهد بمثل مصري يقول: "يوم بصل ويوم عسل"، وبعد أن قالت إنها تحب الحيوانات لأنها: "مش بوشين" – أي ليست منافقة بوجهين.

تمنيت لو سمعت قلبي يقول لها: أيتها المواطنة المصرية فريال؛ يا صاحبة السمو الإنساني، صدقيني لو قلت لك أنه في أيام ارتجافك من البرد والوحدة في "السرايات الملكية"، كنا على استعداد لنكون معطفا دافئا لك، فقط لو كانوا قد فتحوا "القفص" لتخرجي إلينا!

 إنتقلت  فريال إلى رحمة الله  يوم الأحد 29 نوفمبر 2009 بمدينة جنيف بسويسرا عن عمر يناهز 71 عاما بعد معاناة مع مرض سرطان المعدة استمر سبع سنوات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق