الاثنين، 11 نوفمبر، 2013

37 سنة على رحيلها رحمها الله:

أمـــّـــــي

أصبحت أمي، خديجة هانم أبو حديد، أرملة في الثامنة والثلاثين، مسئولة عن الحفاظ على مستوى معيشتها ومعيشة أولادها الستة، كما كان الحال قبل رحيل الوالد 4\4\1944، فابتكرت منطقا زرعته في نفوسنا مفاده أنه من قلة التهذيب أن نأخذ مصروفا لنشتري به الحلوى التي تعود التلاميذ شراءها في المدرسة، فترسخ في أعماقي إحتقار "الشبرقة" (أي شراء كل ماتهواه النفس) مسترشدة ببيت الشعر الذي تردده على مسامعنا ليل نهار:"وخالف النفس والشيطان واعصهما×وإن هما محضاك النصح فاجتنب"!

إهتمامها بقيمتين: النظافة والتحصيل العلمي والثقافي. تحترم التقشف من دون شح، وتحتقر الإهدار وتتقزز من السرف، أما استراتيجيتها فتتلخص في: لا زواج لبنت أو ولد قبل الحصول على الشهادة الجامعية كحد أدنى، ولا تخفي أسفها لأنها أضاعت، بعد حصولها على شهادة إبتدائية زمانها، فرصة التخرج في معلمات السنية وكان بإمكانها أن تكون مدرسة وناظرة ومفتشة في وزارة المعارف العمومية! تفخر بحفظها أجزاء كاملة من القرآن
 الكريم، وتعتز بأنها تستطيع أن تراجع لنا دروس اللغة الإنجليزية بتسميع الكلمات. تقرأ جريدة "المصري" و "أخبار اليوم" وكل مؤلفات شقيقها الأكبر الأديب الرائد محمد فريد أبو حديد، تفتخر به وتحبه كأنه وطن، وقد ورثتنا هذا الإفتخار الذي تعمق لديّ بعد قراءتي الدارسة لمؤلفاته الكاملة، كما تحب المجاهدين الوطنيين مصطفى كامل ومحمد فريد. تحفظ الكثير من الشعر والأمثلة الشعبية وتستخدمها في اللوم والتأديب، خفيفة الظل، لماحة تطلق الدعابة من دون أن تضحك مكررة "كثرة الضحك تميت القلب". تكره السوقية واللفظ الفاحش ورفع الكلفة وتحذر من "الدفلقة" قائلة: "زد غُبا تزدد حُبا" ليظل كل واحد "حافظ مركزه"، على حد تعبيرها، فهي شديدة التمسك بكرامتها وكرامة أولادها ولها في ذلك مقولة "إعرف صاحبك والزم" وكنت أفهم معناها بأنه إذا بدرت من أحد تصرفات غير مناسبة فلا تقترب منه مرة أخرى حتى لا تتكرر الإساءة.

عندما قدمت لها كتابي الأول "رومانتيكيات" الذي أصدرته دار الهلال عام 1970، وكانت كلمة الإهداء المطبوعة هي "إلى أمي التي حملتها وطفت بها العالم"، قرأته في جلسة واحدة وقالت بحسم: "زي أسلوب خالك!" والذي يعرف منزلة خالي الأديب أبو حديد لديها يعرف أنها رفعتني بقولها فوق أعلى قمم الأدب، غير أن الذي أضحكني ساعتها أنها عادت وأردفت بجدية: "لازم عبد الناصر يقراه!".

استطاعت بجهادها ودعمها المعنوي أن تحقق فينا طموحاتها الثقافية وأحلامها العلمية بعد أن أصبح خمسة من أولادها من حاملي شهادة الدكتوراة وعندما اكتفيت أنا بالماجستير انحدرت من عينيها الدموع في حسرة!

حملت همي فترة أزمتي المهنية حين صدر قرار بمنعي من النشر أغسطس 1971، وصعب عليها رؤيتي تحت وطأة الظلم الذي أوصلني إلى الإعتقال السياسي يناير 1973، جاءتني زائرة مستبد بها الهلع فقلت مخففة عنها: "عارفة ياماما السرير الذي كان ينام عليه سيدنا يوسف في سجنه؟" قالت:"ماله؟" قلت:" أنا أنام عليه!" قالت بفرح:"بجد والله؟"!

تكالب عليها الحزن الثقيل بسبب ماحل بي من ظلم وتولد عنه مرضها بالسرطان لكن أمنيتها تحققت بألا تتعذب طويلا فالموت برأيها "مكبة من ذهب"!

صعدت روحها إلى بارئها 11\11\1976 بعد أن ظلت تتمتم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك"، وبدت ابتسامة الفرح بلقاء الله مرتسمة على وجهها إلى يوم البعث إن شاء الرحمن الرحيم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق